د. خالد فوزي حمزة يكتب: تغيير خلق الله!

  • أحمد عبد الله
  • السبت 05 ديسمبر 2020, 5:16 مساءً
  • 326

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم...

أما بعد...

فإن الكثير من الأحكام الشرعية معلقة المنع بكونها تغييراً لخلق الله، وأن الشيطان قد توعد بقوله: {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ} [النساء: 119] ، وهذه الآية مما أشكل فهمها على كثير وأدخل بعضهم فيها أنواعاً من التغيير دلت الشريعة على جوازه، مما اقتضى أن نتعرف على معنى ذلك وأقوال العلماء فيه، وقد اختلف العلماء في المراد من قول إبليس في هذه الآية: {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ}، فقال الماوردي في تفسيره النكت والعيون (1/530): (فيه ثلاث تأويلات. أحدها: يعني دين الله، وهذا قول الحسن، وقتادة، ومجاهد، وإبراهيم. والثاني: أنه أراد به خصاء البهائم، وهذا قول ابن عباس، وأنس، وعكرمة. والثالث: أنه الوشم، وهو قول ابن مسعود، والحسن. قال ابن مسعود: (لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَاتِ وَالنَّامِصَاتِ والمتنمِّصَاتِ والمُتَفَلِّجَاتِ للحسُنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ) انتهى، والحديث متفق عليه، ومن المفسرين من اقتصر على الأول منها، كابن كثير؛ فقد ذكر قول من قال: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} يعني: دين الله، عز وجل. قال: وهذا كقوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] على قول من جعل ذلك أمرا، أي: لا تبدلوا فطرة الله، ودعوا الناس على فطرتهم، ثم استدل له من السنة. وهو اختيار ابن جرير الطبري على أنه ذكر أقوال المفسرين في أن المراد بها: الخصاء أو الدين، أو الفطرة، أو الوشم ثم قال: "قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: معناه: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله، قال: دين الله، وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه ووشره، وغير ذلك من المعاصي، ودخل فيه ترك كل ما أمر الله به، لأن الشيطان لا شك أنه يدعو إلى جميع معاصي الله، وينهى عن جميع طاعته، فذلك معنى أمره نصيبه المفروض من عباد الله بتغيير ما خلق الله من دينه" انتهى.

وقد أطال القرطبي في تفسير معنى تغيير خلق الله، فذكر أقوال المفسرين، من قائل: هو الخصاء وفقء الأعين وقطع الآذان، وذكر أن خصاء البهائم رخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت فيه المنفعة إما لسمن أو غيره. وأن الخصاء في الآدمي مصيبة، ثم ذكر أن المنهي عنه إنما هو فيما يكون باقيا، لأنه من باب تغيير خلق الله تعالى، فأما مالا يكون باقيا كالكحل والتزين به للنساء فقد أجاز العلماء ذلك وأن تشي المرأة يديها بالحناء. ثم نقل عن الطبري قوله: في حديث ابن مسعود دليل على أنه لا يجوز تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله عليه بزيادة أو نقصان، التماس الحسن لزوج أو غيره، سواء فلجت أسنانها أو وشرتها، أو كان لها سن زائدة فأزالتها أو أسنان طوال فقطعت أطرافها. وكذا لا يجوز لها حلق لحية أو شارب أو عنفقة إن نبتت لها، لان كل ذلك تغيير خلق الله. قال عياض: ويأتي على ما ذكره أن من خلق بإصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه، لأنه من تغيير خلق الله تعالى، إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه فلا بأس بنزعها عند أبي جعفر وغيره. ثم قال القرطبي: ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة) أخرجه مسلم. وشرحه، وقال: ولا يدخل في النهي ما ربط منه بخيوط الحرير الملونة على وجه الزينة والتجميل، والله أعلم". انتهى من تفسير القرطبي (5/395).

وأما ابن عاشور فقد قال في التحرير والتنوير: "وقوله {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} تعريض بما كانت تفعله أهل الجاهلية من تغيير خلق الله لدواع سخيفة، فمن ذلك ما يرجع إلى شرائع الأصنام مثل فقء عين الحامي، وهو البعير الذي حمى ظهره من الركوب لكثرة ما أنسل، ويسيب للطواغيت. ومنه ما يرجع إلى أغراض ذميمة كالوشم إذ أرادوا به التزين، وهو تشويه، وكذلك وسم الوجوه بالنار. ويدخل في معنى تغيير خلق الله وضع المخلوقات في غير ما خلقها الله له، وذلك من الضلالات الخرافية. كجعل الكواكب آلهة، وجعل الكسوفات والخسوفات دلائل على أحوال الناس. ويدخل فيه تسويل الإعراض عن دين الإسلام، الذي هو دين الفطرة، والفطرة خلق الله؛ فالعدول عن الإسلام إلى غيره تغيير لخلق الله.

وليس من تغيير خلق الله التصرف في المخلوقات بما أذن الله فيه ولا ما يدخل في معنى الحسن؛ فإن الختان من تغيير خلق الله ولكنه لفوائد صحية، وكذلك حلق الشعر لفائدة دفع بعض الأضرار، وتقليم الأظفار لفائدة تيسير العمل بالأيدي، وكذلك ثقب الآذان للنساء لوضع الأقراط والتزين.

وأما ما ورد في السنة من لعن الواصلات والمتنمصات والمتفلجات للحسن فمما أشكل تأويله. وأحسب تأويله أن الغرض منه النهي عن سمات كانت تعد من سمات العواهر في ذلك العهد، أو من سمات المشركات، وإلا فلو فرضنا هذه منهيا عنها لما بلغ النهي إلى حد لعن فاعلات ذلك. وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنما يكون إثما إذا كان فيه حظ من طاعة الشيطان، بأن يجعل علامة لنحلة شيطانية، كما هو سياق الآية واتصال الحديث بها". انتهى من التحرير والتنوير (4/259).

وخلاصة القول في هذا:

-. أن تغيير خلق الله محرم، لكن الشأن في تعيين معنى التغيير؛ وما يدخل فيه، وفي الجملة: فضابط التغيير الممدوح أو المذموم؛ هو الموافقة أو المخالفة للشرع. وإنما يقع الخلاف في الجملة بين العلماء فيما سكت عنه الشارع.

-. والمحرم المتفق عليه أو الذي قامت الأدلة عليه كثير، فتغيير الفطرة بعبادة غير الله أعظم هذه الأنواع، وكذلك تغيير دين الله، لأن الشيطان يدعو إلى جميع المعاصي، وأعظمها الشرك، أي فليغيرن ما خلق الله في دينه، ثم سائر المعاصي التي فيه التغيير الظاهر، ومنها الخصاء والوشم وغيره، وكذا حلق اللحى.

-. ولكن هذا كله فيما كان منه باقياً على التغيير، أو يظهر في مدد طويلة، وأما ما كان مؤقتاً؛ فمنه ما لا يدخل في النهي، لأنه بعد مدة يرجع، فلا يدخل في التغيير حينئذ، وقد يكون تحريمه لعلة أخرى.

-. وليس من تغيير خلق الله التصرف في المخلوقات بما أذن الله فيه؛ كالختان وكذلك حلق الشعر وتقليم الأظفار.

-. وليس من تغيير خلق الله ما يدخل في معنى الحسن سوى المستثنى في النصوص من الوصل والوشر ونحوها، فيجوز ثقب آذان للنساء لوضع الأقراط والتزين. بل قال بعض أهل العلم إن تحسين الهيئة يرجع إلى الأمر الشرعي، وإلى الدين أيضا لأنه يؤدي إلى قبول قول صاحبه وامتثال أمره.

-. وما سكت عنه الشارع فهو عفو، قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}  [مريم : 64]، وفي الحديث (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) [رواه الترمذي وحسنه الألباني]، ومنه: شعر اليدين والرجلين فهو مما سكت الشارع عنه وما سكت عنه فهو عفو فلا يلحق بالشعر المأمور بإزالته لا أمر وجوب ولا أمر استحباب وهو في المقابل أيضا لا يدخل ضمن الشعر المأمور بإبقائه - كشعر الرأس بالنسبة للمرأة والحاجب – مع وجود الخلاف في ذلك، لكن الجواز الأرجح لأن ما سكت عنه الكتاب والسنة فهو معفو عنه.

-. وليس من تغيير خلق الله العمليات التجميلية إذا كانت تطبباً، والأصل في ذلك ما جاء عن عرفجة بن أسعد أنه قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفا من ذهب [رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني]. ومنها: نحو إزالة الأصبع الزائدة، ونص عليه كثير من العلماء كما في فتح الباري وغيره، وكذا تقويم الأسنان، قال النووي في شرح مسلم (14/107): (وأما قوله "المتفلجات للحسن"، فمعناه يفعلن ذلك طلبا للحسن، وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب في السن ونحوه فلا بأس" انتهى.

وكذا عمليات تكميم المعدة، وتحويل المسار، مادامت تطبباً، لأن السمنة الشديدة أصبت من جملة الأمراض، وتعيق عن أداء بعض الواجبات كالسجود والصيام.

وكذا يدخل في هذا: إزالة التشوه الخلقي، وقد قال النووي يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة فلا يحرم عليها إزالتها بل يستحب عقب ابن حجر (10/378) فقال: قلت وإطلاقه مقيد بإذن الزوج وعلمه وإلا فمتى خلا عن ذلك منع للتدليس.

بل وكذلك يجوز زرع الشعر للأقرع وعلاج البرص والعمى ولو ولد به، لحديث الأبرص والأقرع والأعمى من بني إسرائيل.

ومن الجائز أيضاً إزالة عيب خلقي موجود كما لو كانت الأرداف كبيرة كبراً خارجاً عن المعتاد وكذا الصدر فالمقصود هو إعادتها إلى طبيعتها، فلا حرج، قال الشيخ عطية صقر في فتاوى الأزهر (10/268): (وإذا كان الحديث الشريف لعن الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة... وجاء فيه "المغيرات خلق الله" فإن اللعن يجوز أن يكون منصبا على التغرير والتدليس الذى يظهر به الشيء وقتا حسنا ثم يظهر قبيحا وقتا آخر، فيحصل به الغش، أو يراد به السوء والفتنة. وإذا انتفى ذلك فلا مانع. والإصبع الزائدة لا شك أنها تؤذى صاحبها بدنيا أو نفسيا، وليس في إزالتها تدليس ولا تغرير لأنها لا تنبت بعد ذلك، وهى ظاهرة مكشوفة للناس. ثم قالوا لو أن إنسانا خلق وقلبه خارج صدره فهل يحرم إجراء عملية تعيد القلب إلى وضعه الطبيعى؟ أو لو خلق توأمان متصلان وأمكن فصلهما بدون ضرر على أحدهما هل يحرم ذلك؛ إنها حالات استثنائية ليس هناك ضرر من معالجتها، بل في ذلك نفع وفائدة.

وعندي أيضاً من هذا الباب زرع الثدي لمن استؤصل ثديها في عملية أو حادث، ففيه معنى ما قال الشيخ عطية: (فإن اللعن يجوز أن يكون منصبا على التغرير والتدليس الذى يظهر به الشيء وقتا حسنا ثم يظهر قبيحا وقتا آخر، فيحصل به الغش، أو يراد به السوء والفتنة. وإذا انتفى ذلك فلا مانع).

-. ويدخل في المنع العمليات التجميلية لطلب الحسن ومزيد الجمال وليس للتطبب، فإن أهل العلم يعدون هذا النوع من الجراحات من تغيير خلقة الله تعالى، والعبث بها حسب أهواء الناس وشهواتهم فلا يجوز فعله، لأن هذا من طاعة إبليس لعنه الله: في قوله {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ}، ولما أشارت إليه الأحاديث كحديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) ثم قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهو في كتاب الله ثم قرأ {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]. [متفق عليه]، كما أنها تشتمل على محظورات أخرى: من التخدير ويقارنها كشف العورات ولمسها، وكل هذه الأمور محرمة ولم يوجد سبب مقبول شرعاً للترخيص بها.

ومنه عمليات تقشير الوجه بقصد التشبيب، أي: ليزيل آثار الكِبَر والشيخوخة، وليظهر أكثر شباباً. ومثل تجميل الأنف بتصغيره ، أو تجميل الثديين بتصغيرهما أو تكبيرهما، ومثل عمليات شد الوجه، ونحو ذلك، وأعظم من ذلك كله عمليات تغيير الجنس بالتشهي.

فهذه كلها لا تشتمل على دوافع ضرورية ولا تصيب الإنسان مشقة بتركه، بل غاية ما فيه تغيير خلقة الله تعالى، والعبث بها حسب أهواء الناس وشهواتهم، فهو لا يجوز فعله، لقوله تعالى حكاية عن إبليس لعنه الله: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}، فتغيير خلق الله من جملة المحرمات التي يسول الشيطان فعلها للعصاة من بني آدم كما تقدم.

وأما تشقير الحواجب، فحيث خلا ذلك عن مشابهة الفاجرات والكافرات، ولا يكون شهرة، وخلا عن التبرج به، ولم يكن مما يضر، وليس بالوشم، أو الليزر الذي يستمر لأشهر، كما لا تفعله الحادة على ميت، ولا يكون مدعاة للتلاعب بالحواجب، فليس هناك ما يمنع منه فهو نوع تزين، وبقي التعليل بأنه مشابه للنمص المحرم فيأخذ حكمه، فليس ذلك راجحاً، لأن التشقير حيلة على ترك الحرام لا على فعله، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من أين هذا. قال بلال كان عندنا تمر ردي فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به) فهذا تشريع فيه حيلة لترك الربا، فكذا التشقير حيلة لترك النمص، لكن يبقى التشقير من المشتبهات، والأصل فيها الاجتناب، بلا جزم بتحريم، والله أعلى وأعلم.

والله تعالى أسأل أن يبصرنا بالحق ويهدينا إلى سواء السبيل. وصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


د. خالد بن فوزي بن عبد الحميد حمزة

المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة

والمتعاون مع كلية الحرم بالحرم المكي

وجامعة أم القرى ـ سابقاً

تعليقات