فاضل متولي يكتب: سندريلا.. هكذا كنت أتخيلها (1)

  • د. شيماء عمارة
  • الجمعة 04 ديسمبر 2020, 4:54 مساءً
  • 502
الكاتب فاضل متولي

الكاتب فاضل متولي

لن يعجب دارس الأدب أو متصفحه أو من له معرفة ببعض أهله أن يرى رجلا مثلي يقرأ هذه القصة أو تلك فينتابه –ضمن ما ينتابه من الشعور- أمنية أن يكون هو الذي كتبها، ولكنني –إذ أتمنى ذلك- أريد أن أشكلها في صورة أخرى غير صورتها، مبقيا على بعض ملامح تلك الصورة، مستبدلا بالبعض ملامح أحسب أنها تجلي قيمة أو قيما وتغذي العقل ببعض الأفكار إلى جانب المشاعر التي تثيرها في النفس؛ فلست أقنع بالكلام الذي منتهى ما يؤديه إثارة المشاعر وإن كان أعلاها، بل لا بُد عندي أن تؤدي الكلمة إلى عمل.

وأنت تعرف حكاية سندرلا، إذن فلن تتعب في بلوغ ما حذفته وما أضفته، ولن تعجب من صياغتي إذا علمت أنني لا أريد أن أصوغ قصة متكئا على هذه الحكاية، وإنما أردت أن ابث إليك خواطري، وأستحث فيك خواطر مماثلة أو مغايرة.

لم تكن سندرلا أعجوبة من أعاجيب الزمن الماضي الذي ترجع حكايتها إليه وإن كانت قد ظهرت من بين الكثيرات اللاتي لم يبدون، ففضلها على مثيلاتها أنها عرفت دونهن، وأنت ترى الأشباه يتساوون في القدر ويختلفون في الذيوع، لكن الذي ينظر إلى ما عهد من أخلاق تلك الأزمنة الماضية يقطع –وإن عدم المثال بأن مثيلاتها كن يزين الأرض، ولا عجب؛ فالزهر يزين الأرض، والنبوة والكرامة تزين الأرض.لكنسندرلا قد بدت –في زماننا هذا- أعجوبة لا تكاد تصدق، وسوف تزداد قصتها عجبا كلما توالت السنون ومضت القرون حتى تموت كما تموت –في هذه الدنيا- القيم والرذائل على السواء.

فهي فتاة ليس لها أم، فقدت أمها قبل أن تتعلم ما تحتاج الأنثى إلى تعلمه من شؤون البيوت، وخدمة من توكل إليها خدمتهم، ولم تكن لها صديقة تتردد عليها وتنقل إليها ما تتعلمه من أمها،ولم يكن هنالك مدارس تلقن هذه الفنون، ولا فرصة لديها لتلتمس هذا العلم أو ذاك، ومع ذلك وجدت نفسها مسؤولة عن أسرة أكبر من تلك التي كانت هي واحدة من مسؤولياتها؛ فقد تزوج أبوها أما لبنتين، وضم الثلاث إلى بيته، واستخدمت الأسرة كلها سندرلا، فقامت بذلك دون أن تعينها إحداهن، إلا بالضجر والصلف والتمادي في إقناع أنفسهن بأن هذه خادمة البيت لا ابنة ربه. هي الآن خادمة، بعدما كانت خادمة لأبويها حينا، مخدومة منهما أحيانا، أصبحت خادمة لأبيها ولثلاث نساء لا يعينها على خدمتهن حب ولا خبرة ولا إحداهن، في حين كان للبنتين أم ولكنهما لم تحسنا طبخ الماء.

  ويبدو أن أوراق هذه الزهرة كانت من الحديد؛ فهي تفعل كل ذلك بلا عزاء ولا مواساة ولا ضمة قلب حان حكيم؛ فليس من القلائل الذين تعرفهم رجل غير أبيها؛ وأما هذا فقد كان رجلا هزيل الهمة مزعزع المروءة تابعا لامرأه، إذن فلم يكن –في عينها- مثلا يقتدى ويهتدى برأيه ويخشى بطشه ويستغنى برؤيته عمن سواه من الرجال؛ فإما الصمت منه على مذلتها وإما مواساتها بكلمات أمر من الصمت.

ولم تكن تعرف هذه الصفة في أبيها إلا بعد زواجه، إذ كان خلق أمها يخفي هذه الصفة.

واعجب معي من أنها لم تلتمس هذا المثال في رجل غير أبيها، على كثرة من تربص بها من فتيان الحي بل وشيوخهم طالبين منها ما يطلب المتربصون من العابرات الجميلات: كانوا يتربصون بها في طريقها إلى السوق أو إلى مستودع القمامة أو غيرهما متغامزين مراهنين مقسمين على أن الشمس التي في السماء صورة من الشمس التي على الأرض. وقد كانت إذا مرت امتلأ من يراها شعورا بأنها يمامة ترفرف في وداعة الضعف أو ضعف الوداعة، بل إن اليمام لم يؤت هذه الوداعة ولا بعضها، وكانت إذا مرت تلقي برقتها أدبا في قلب من انعدم خلقه، وكان وهج جمالها يسبق وجهها إلى العيون فيستحيل حينا وعودا وحينا جنودا،

................... يتبع

تعليقات