د. خالد فوزي حمزة يكتب: من أحكام الأضحية

  • أحمد عبد الله
  • الخميس 30 يوليو 2020, 12:34 مساءً
  • 488
أرشيفية

أرشيفية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم...

أما بعد...

فقد شرع الله تعالى لنا الأضاحي نتقرب بها إليه سبحانه، في أيام العيد، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق: عيدُنا أهل الإسلام، وهي أيام أكلٍ وشربٍ". [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه الألباني]، ومن أفضل ما يفعل في يوم النحر وما بعده الأضحية، بداية من العاشر، وأفضلها في العاشر من ذي الحجة، وهو يوم النحر الذي هو آخر الأيام العشر التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُ إلى الله عز وجل من هذه الأيام يعني أيام العشر، قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله، قال ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء). رواه البخاري، وهو أفضلها وأعظمها لما جاء عنه صلى الله عليه وسلم (إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر ثم يوم القر) [رواه أبو داود عن عبد الله بن قرط، وصححه الألباني]، فيوم النحر هو العاشر والذي يليه يوم القر، ثم بعدهما أيام التشريق التي قال عنها صلى الله عليه وسلم إنها (أيام أكل وشرب)، (وذكر لله تعالى).

والأضحية من السنن المجمع عليها، ولا يقوم غير الأضحية من الصدقات مقامها، لأنها تتعلق بإراقة الدم، والضحية أفضل من الصدقة؛ لأنها واجبة أو سنة مؤكدة، وهي شعيرة من شعائر الإسلام.

وجاءت الإشارة إلى الأضحية في قوله تعالى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]، فعن ابن عباس {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} قال: (الصلاة المكتوبة، والنحر: النسك والذبح يوم الأضحى).

وهو دليل لمن قال بوجوب الضحية لأنه قال {وَانْحَرْ}، وهو أمر والأصل فيه الوجوب، إلا أنه ورد عن كثير من مفسري السلف أن المراد بالآية: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان؛ شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة والخير، الذي لا كِفَاء له، وخصك به. وذهب له ابن جرير الطبري، وقال ابن كثير: وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى: محمد بن كعب القرظي، وعطاء.

لكن استدل الحنفية ممن قال بالوجوب بحديث «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ، وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» [أخرجه ابن ماجه وحسنه الألباني]، وهذا وعيد على ترك التضحية، فدل على أنه لترك الواجب.

واستدلوا كذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ، فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ» [رواه مسلم]، ففيه الأمر بالذبح، والأمر بالإعادة، فدل على الوجوب.

وكذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يضحى في كل عام، ففي الصحيحين أنه "ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا" وقال أم المؤمنين عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ»، ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ»، فَفَعَلَتْ: ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» ثُمَّ ضَحَّى بِهِ. رواه مسلم. وورد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي" [رواه الترمذي] لكن فيه الحجاج بن أرطاة ضعيف، فضعفه الألباني]. لكن لم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم ترك التضحية منذ أن شرعت في السنة الثانية من الهجرة.

وجمهور العلماء استدل للاستحباب بحديث «إذَا دَخَلَت الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» [رواه مسلم] لأنه فوضه إلى الإرادة، ولو كانت التضحية واجبة لقال (فلا يمس..) فحسب.

واستدل لعدم الوجوب بأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان مخافة أن يُرى ذلك واجبًا. فقد روى عبد الرزاق عن أبي سريحة قال رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان [وإسناده صحيح]، وأبو سريحة هو حذيفة بن أسيد رضي الله عنه، وفي المعرفة للبيهقي عن أبي سريحة قال: "أدركت أبا بكر وعمر، وكانا لي جارين وكانا لا يضحيان"، وفيه عن أبي مسعود الأنصاري: إني لأترك الأضحى، وإني لموسر كراهية أن يرى جيراني وأهلي أنه علي حتم، وعن ابن عباس أنه جلس مع أصحابه، ثم أرسل بدرهمين فقال: اشتروا بهما لحما، ثم قال: هذه أضحية ابن عباس، قال الشافعي: وقد كان قلما يمر به يوم إلا نحر فيه أو ذبح بمكة، وإنما أراد بذلك مثل الذي روي عن أبي بكر وعمر" اهـ أي لئلا يظن الوجوب. لكن كره الإمام أحمد تركها مع القدرة، وفي رواية قال بالوجوب، لكن أدلة الاستحباب قوية، ولم يُروَ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، والله أعلم.

ومن شروط الأضحية أن تكون من الأنعام، وهي الإبل بأنواعها، والبقرة الأهلية، ومنها الجواميس، والغنم ضأنًا كانت أو معزًا، ويجزئ من كل ذلك الذكور والإناث.

وأرى أن يدخل في ذلك حيوان الرنة، وقد سئلت قديماً عنه فرأيت الجواز، فإنه لما عرف الفقهاء أن الجاموس مشابه للبقر، نصوا في كتبهم على التسوية في الأحكام بينهما، وعاملوهما كجنس واحد، وكذلك في جنس الإبل العراب والبخاتي، ولم يكن سنما البخاتي مانعاً من التسوية في الأحكام. فيكون حيوان الرنة مشابهاً للماشية، ويعتمد عليه السكان في المناطق الباردة في الحرث والزراعة، وهو حيوان مجتر منه الوحشي ومنه المستأنس، وهو في حجم البقرة وصورة الغزلان، وهو الأكبر بين الغزلان. لأن القول بجواز الأضحية به إحياء للشعيرة، لأن سائر النعم لا تعيش هناك ألبتة، فالقول بوجوب الزكاة فيه وصحة الأضحية به قريب، سواء كان جنساً بذاته، أو متولداً، وفيه إحياء لشعيرة أيضاً والله أعلم.

وأفضل الأضاحي الضأن ثم البقر ثم الإبل، وهذا قول المالكية، وقيل: الأفضل البدنة ثم البقرة ثم الضأن، ثم المعز، وقيل: بل أفضل الأضاحي ما كان أكثر لحمًا وأطيب، وجذع الضأن أفضل من ثني المعز قال الإمام أحمد: لا يعجبني الأضحية إلا بالضأن، والأصح تقديم الضأن لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان يضحي بالغنم بل بالكباش، ففي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، وَأَنَا أُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ" ولفظة [كان] تشير إلى الاستمرار، وعن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إِذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، اشْتَرَى كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ، سَمِينَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ، أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ قال فيذبح أحدهما عن أمته ممن أقر بالتوحيد وشهد له بالبلاغ ويذبح الآخر عن محمد وآل محمد) [رواه ابن ماجة وأحمد وصححه الألباني والأرناؤوط].

والشاة تجزئ عن واحد والبدنة والبقرة كل منهما عن سبعة؛ لحديث جابر رضي الله عنه قال: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» [أخرجه مسلم].

ثم إن الحنفية القائلين بالوجوب يقولون: إنها واجبة عينًا على كل من وجدت فيه شرائط الوجوب، فالأضحية الواحدة كالشاة وسبع البقرة وسبع البدنة إنما تجزئ عن شخص واحد.

لكن الصحيح أنه تجزئ الشاة أو سُبع البدنة عن الرجل وأهل بيته فعن عطاء بن يسار يقول: سألت أبا أيوب رضي الله عنه: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: "كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى". [رواه الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني].

وله أن يضحي عن الميت ولو لم يوص، من مال نفسه. وعن جابر بن عبد الله قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأضحى بالمصلى، فلما قضى خطبته نزل من منبره وأتي بكبش فذبحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: "بسم الله والله أكبر هذا عنّي، وعمن لم يضح من أمتي". [رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني، ورواه الحاكم في المستدرك وذكر عدة أحاديث بطرق أخرى وقال: هذه الأحاديث كلّها صحيحة الأسانيد في الرخصة في الأضحية بالشاة الواحدة عن الجماعة التي لا يحصى عددهم، خلاف من يتوهّم أنّها لا تجزئ إلاّ عن الواحد]. فقوله (وعمن لم يضح من أمتي) يدخل فيه من مات في عهده صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.

كما يشترط في الأضحية أن تبلغ سن التضحية، بأن تكون ثنية أو فوق الثنية من الإبل والبقر والمعز، وجذعة أو فوق الجذعة من الضأن، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» [رواه مسلم]، والخلاف في سن الجذع فقيل ما أتم ستة أشهر، وقيل غير ذلك، والمسنة من الماعز هي الثني: وهي ما أتم سنة قمرية ودخل في الثانية دخولًا بينًا، والمسنة من البقر هي الثني: وهي ما بلغ سنتين قمريتين، والمسنة من الإبل هي الثَّنِي: وهو ما كان ابن خمس سنين.

وقيل: يجوز ذبح الصغيرة التي لم تبلغ السن إن كانت عظيمة بحيث لو خلط بالثنايا لاشتبه على الناظرين من بعيد، حيث إن وفرة اللحم في الذبيحة هي المقصد الشرعي من تحديد هذه السن، وهو غير راجح عندي لحديث البراء بن عازب رضى الله عنه: أن خاله أبا بردة بن نيار ذبح قبل أن يذبح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن هذا يوم اللحم فيه مكروه وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني وأهل دارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعد نسكا». فقال : يا رسول الله إن عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم فقال: «هي خير نسيكتيك ولا تجزى جذعة عن أحد بعدك». [رواه مسلم واستشهد به البخاري]، فقوله (ولا تجزى جذعة عن أحد بعدك)، فيه إشارة إلى ذلك.

ولابد تكون الأضحية سليمة من العيوب، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ فَقَالَ: الْعَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ بَيِّنٌ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لَا تَنْقَى» [رواه أبو داود وصححه الألباني]، وعن علي رضي الله عنه: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن) [رواه النسائي وغيره وقال الألباني: حسن صحيح]، ومعنى نستشرف: أي نتأمل سلامتهما من الآفات.

لكن إذا أوجب المسلم أضحية معينة، ثم طرأ عليها عيب يمنع إجزاءها قبل دخول الوقت الذي تجزئ فيه التضحية أو بعد دخوله وقبل تمكنه من الذبح، فإن له الذبح بشرط عدم التفريط والتعدي وإلا لزمه بدلها، وله يستبدلها بأفضل، وثد سئل افمام أحمد تستبدل الضحية؟ قال: نعم بخير منها.

*. وبداية وقت الأضحية بعد صلاة العيد، وذبح الإمام، وفي صحيح مسلم عن جابر قال:  (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم)، وقد ذهب إلى العمل بظاهر ما دل عليه الحديث الإمام مالك فلم يجوز الذبح إلا بعد ذبح الإمام، والأصح أنه لا ينتظر ذبح الإمام، بل يذبح بعد طلوع شمس اليوم العاشر من ذي الحجة، وبعد دخول وقت صلاة الضحى، ومُضي زمان من الوقت يسع صلاة ركعتين وخطبتين خفيفتين، لا فرق في ذلك بين أهل الحضر والبوادي، ولم يكن في عصره صلى الله عليه وسلم من يصلي قبل صلاته فالتعليق بالصلاة يحمل على صلاة المضحي نفسه، فإنه صارت بخلاف العصر الذي بعد عصره فإنها تصلى صلاة العيد في المصر الواحد جماعات متعددة. فتصح الأضحية بعد صلاة المضحي، والله أعلم.

وحيث عُلقت صلاة العيد زمن كورونا، ومنع الناس الصلاة في الخلاء وفي المساجد، فلا مناص من صلاتها في البيوت، فالأقرب ما جاء عن أنس رضي الله عنه إذا فاته العيد مع الإمام جمع أهله فصلى بهم مثل صلاة الإمام في العيد، وحيث ترجح جواز الجمعة في البيوت ولو بثلاثة، كما سبق وأن حررته في مقالات نوازل كورونا، فمن باب أولى جواز صلاة العيد، بل وله أن يخطب في أهله، لأن القضاء يحكي الأداء، كما نحتاج إلى إظهار التكبير، ولو من الشرفات، (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد)، وقد ثبت أنه (كان يخرج في العيدين رافعا صوته بالتهليل والتكبير) [رواه البيهقي وحسنه الألباني]. ويصلي العيد بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، وهي حوالي عشر دقائق أو ربع ساعة، فيبدأ بالصلاة بأهل بيته، وصلاة العيد ركعتان، يكبر للأولى بتكبيرة الإحرام كسائر الصلوات، ثم يكبر بعدها التكبيرات الزوائد، والمشهور ست تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة الأعلى فإذا فرغ من القراءة كبر وركع وسجد، فإذا أكمل الركعة؛ قام وكبر عند الرفع من السجود ثم كبر الزوائد والمشهور أنها خمس متوالية، فإذا أكمل التكبير أخذ في القراءة بفاتحة الكتاب وسورة الغاشية، والتكبيرات الزوائد سنة وليست بواجب ولا تبطل الصلاة بتركها عمدا ولا سهوا بغير خلاف. ثم يخطب في أهل بيته، وفقهاء المذاهب الأربعة متفقون على أن للعيد خطبتين كالجمعة وليست خطبة واحدة، وقال ابن عثيمين: "ومن نظر في السنّة المتفق عليها في الصحيحين وغيرهما تبين له أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخطب إلا خطبة واحدة" اهـ، وكذا خطبة عرفة تكون خطبتين عند الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، وذهب الحنابلة إلى أنها واحدة، والخلاف في هذا جائز.

ولو كان معه حائض في البيت، فإنها تحضر معه وتعتزل مكان الصلاة فقط، وهذا يدل على تأكد صلاتها، والعلماء قالوا هذا مقيد بعدم الفتنة، وما دام الرجل في بيته فليس ثمة فتنة والحمد لله.

والأصل في خطبتي العيد أن تكون مواعظ، ويمكن أن تتضمن الخطبتان العناصر التالية: (خطبة الحاجة ـ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ـ التكبير ـ قراءة آيات والوصاة بالتوحيد دعوة جميع الأنبياء، وبيان أحكام المناسك وأيام العيد والتشريق، وإظهار السرور، وتختم بالدعاء عامة، ويضيف الدعاء برفع الغمة عن الأمة.

ثم يصلي ركعتين، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين) [ابن ماجة، وحسنه الألباني، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال هذه سنة عزيزة بإسناد صحيح ولم يخرجاه].

كما يجوز التضحية ليلاً ليلة القر وما بعدها مع الكراهة؛ لأن الذابح قد يخطئ المذبح.

وآخر الوقت الذي تجوز فيه الأضحية هو آخر أيام التشريق ما لم تغرب الشمس، وقد ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن أيام التضحية ثلاثة، وهي يوم العيد، واليومان الأولان من أيام التشريق، واحتجوا بأن عمر وعليا وأبا هريرة وأنسا وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم أخبروا أن أيام النحر ثلاثة، لكن الأصح ما ذهب إليه الشافعية وهو القول الآخر للحنابلة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية بأن أيام التضحية أربعة، تنتهي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، وهذا القول مروي عن علي وابن عباس وجبير بن مطعم رضي الله عنهم، وعن جماعة من التابعين بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «كُل أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبَحٌ» [أخرجه أحمد وابن حبان وصححه الألباني]، قال الإمام الشافعي: [فإذا غابت الشمس من آخر أيام التشريق ثم ضحى أحد فلا ضحية له].

ولكن أفضل وقت لذبح الأضحية، هو اليوم الأول وهو يوم الأضحى بعد الصلاة فهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه المسارعة إلى الخير، قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]

ولا يجوز إعطاء جلد الأضحية للجزار على سبيل الأجر، لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا، وقَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا»، [أخرجه مسلم]، لكن يمكن إعطاؤه على سبيل التفضل والهدية أو الصدقة، ويمكن إعطاؤها للجمعيات الخيرية، ويحرص ألا يُرمى من أضحيته شيء. وحكى عن ابن عمر وأحمد وإسحاق: أنه لا بأس أن يبيع جلد هديه، ويتصدق بثمنه.

ويحرص المضحي أن يذبح بنفسه إن قدر عليه؛ لأنه غالب فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومباشرة القربة أفضل من تفويض إنسان آخر فيها، فإن لم يحسن الذبح فالأولى توليته مسلمًا يحسنه، ويشهد بنفسه ما أمكن ذبح الأضحية؛ وقد اتفقت المذاهب على هذا. وإذا ذبح الرجل أضحيةَ غيره غلط بها، قال أحمد: يترادان اللحم وقد أجزأ عنهما جميعاً.

وإذا ذبح فليحسن إليها قبل الذبح بسوقها إلى مكان الذبح سوقًا جميلًا لا عنيفًا ولا يجر برجلها إليه؛ ولا يذبحها وأختها تنظر إليها، ولا يحد السكين أمامها، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» [أخرجه مسلم]، ويدعو فيقول: "اللهم منك ولك"، ويسمي ويكبر ويقطع الودجين والحلقوم والمريء، ولا يفصل الرأس.

ويحرص أن يأكل من أضحيته وفي حديث جابر رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرك علياً في هديه قال: ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها". [أخرجه مسلم]، والأكل منها سنة، لكن أوجبه بعض السلف. وقال إسحاق: يستحب أن يأكل من الأضحية أول ذلك من كبدها.

وبتصدق منها ويهدي، وفي حديث جابر بن عبد الله :أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثة أيام ثم قال بعد: كلوا وتصدقوا وتزودوا وادخروا، [أخرجه مالك واللفظ له ومسلم]، وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء). فلما كان العام المقبل قالوا يا رسول الله نفعل كما فعلنا عام الماضي؟ قال: (كلوا وأطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها)، وممن استحب أن يأكل ثلثاً ويتصدق بثلث ويهدي ثلثاً: ابن مسعود وعطاء وأحمد وإسحاق.

والنزاع بين العلماء معروف في جواز الجمع بين الأضحية والعقيقة، فذهب الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والإمام أحمد في إحدى الروايتين، وبعض الشافعية، أنه يجوز لمن لا يملك ثمن العقيقة والأضحية منفردين أن يجمع بينهما بنية واحدة في ذبيحة واحدة، شريطة موافقة وقت العقيقة وقتَ الأضحية؛ لأنهما من السنن التي يمكن تداخلهما ويصح قصدهما بنية واحدة، وذلك مثل صيام يوم عرفة ويوم الخميس إن وافق يوم الخميس كما في عام1441هـ، ورأى العلامة البيجرمي ذلك وجيهًا، وفيه تخفيف على من لا يملك ثمن العقيقة والأضحية معًا، ولا يريد أن يُقصِّر فيما شرعت الشريعة من النسك، والذي أميل له أن لا يفعل هذا الجمع، وحتى صيام عرفة لا يجمع معه نية صوم الخميس، بل هذه عبادات مخصوصة بأسمائها، والله أعلم.

بقي أن العيد إذا اجتمع مع الجمعة، فهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال: تجب الجمعة على من شهد العيد، أو تسقط عن أهل البر مثل أهل العوالي والصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد. وهذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: كعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وغيرهم. ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف. قال شيخ الإسلام مرجحاً لهذا القول: "وفي إيجابها على الناس تضييق عليهم وتكدير لمقصود عيدهم وما سن لهم من السرور فيه والانبساط. فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالإبطال ولأن يوم الجمعة عيد ويوم الفطر والنحر عيد ومن شأن الشارع إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد أدخل إحداهما في الأخرى . كما يدخل الوضوء في الغسل وأحد الغسلين في الآخر والله أعلم".

وحيث عُلقت الصلاتين في بعض البلاد لأجل كورونا، فأرى أنه يصليهما في البيت مع أولاده، كما سبق أن حررته في مقالات نوازل كورونا، لأنه في بيته لن يتكلف كثيراً لذلك، والله أعلم.

والله تعالى أسأل أن يبصرنا بالحق ويهدينا إلى سواء السبيل. وصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



كتبه:

أ.د. خالد بن فوزي بن عبد الحميد حمزة

المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة

والمتعاون مع كلية الحرم بالحرم المكي

وجامعة أم القرى ـ سابقاً

تعليقات