د. خالد فوزي حمزة يكتب: نازلة كورونا.. والاعتكاف في البيوت 10

  • أحمد عبد الله
  • الإثنين 11 مايو 2020, 1:43 مساءً
  • 2221

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه....

أما بعد..

فمما نحتاج الكلام فيه من مسائل نازلة كورونا مسألة الاعتكاف في البيت؛ فهل يمكن لمن أراد الاعتكاف أن يعتكف في البيت حيث كانت المساجد مغلقة؟ (فاتقوا الله ما استطعتم)

قد نقل جماعة من العلماء الإجماع أن الاعتكاف للرجال لا يكون إلا في المساجد، فقد ذكره ابن عبد البر في التمهيد [8/325]، قال: (فمما أجمع عليه العلماء من ذلك أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد)، وقال ابن قدامة: (ولا يصح الاعتكاف في غير مسجد إذا كان المعتكف رجلا لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا) [المغني 3/127]، ونقله غيرهما أيضاً.

لكن الصحيح أن الإجماع الذي نقله ابن المنذر: هو الاعتكاف في المساجد الثلاثة [الإجماع لابن المنذر 1/50 رقم 131]، حيث قال: (وأجمعوا على أن الاعتكاف جائز: في المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد إيليا)، وكذا ابن حزم فإنه قال في مراتب الإجماع: (اتفقوا أن من اعتكف في المسجد الحرام أو مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس ثلاثة أيام فصاعدا وصام تلك الأيام ولم يشترط في اعتكافه ذلك شرطا ولا مس امرأة أصلا ولا أتى معصية ولا خرج عن المسجد لغير حاجة الإنسان ولا دخل تحت سقف أصلا في خروجه ولا اشتغل بشيء غير الصلاة والذكر ومما لا بد منه ولا تطيب ان كانت امرأة فقد اعتكف اعتكافا صحيحا) [مراتب الإجماع 1/41]، باعتبار أن من العلماء من قصر صحة الاعتكاف على المساجد الثلاثة.

وحيث إن الإجماع لابد أن يستند إلى دليل، فقد ذكر النووي الدليل في المجموع [6/483] قال: (واحتج أصحابنا بقوله تعالي (ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد) ووجه الدلالة من الآية لاشتراط المسجد أنه لو صح الاعتكاف في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد لأنها منافية للاعتكاف، فعلم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد، وإذا ثبت جوازه في المساجد صح في كل مسجد ولا يقبل تخصيص من خصه ببعضها إلا بدليل ولم يصح في التخصيص شيء صريح).

وقد لخص ابن حجر أقوال العلماء في الاعتكاف فقال: [فتح الباري لابن حجر 4/272]: (واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول الشافعي قديم، وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات وخصه أبو يوسف بالواجب منه وأما النفل ففي كل مسجد وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد الا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة ويجب بالشروع عند مالك وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقا وأومأ إليه الشافعي في القديم وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة وعطاء بمسجد مكة والمدينة وابن المسيب بمسجد المدينة).

ومع تحقق وجود الخلاف في المسألة؛ فقد خرجنا من عهدة الإجماع، وابن لبابة المالكي المذكور هو من انتهت إليه الإمامة في المذهب في زمانه فكان مُقدماً على أهل زَمانه في حفظ الرأي والبصر بالفُتيا. وانفرد بالفُتيا من أول أيام أمير المؤمنين النَّاصر فلم يكن يشركه أحد في رياسة البلد، والقيام بالشورى؛ ومن أقواله: (الحق الذي لا شك فيه كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما الرأي فمرة يصيب ومرة كالذي يتكاهن، أو كما قال) توفي عام 314هـ، وله ترجمة في [تاريخ علماء الأندلس 1/151]؛ [جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس 1/27]؛ [سير أعلام النبلاء 14/495]، وقد يخلط من يترجم له بابن أخيه محمد بن يحيى بن عمر، وكان فقيها أيضاً.

ولم يزل العلماء ينقلون فتوى ابن لبابة في اعتكاف الرجال في البيوت، قال في مواهب الجليل [3/396]: (وعلى قول من لا يشترط المسجد وهو ابن لبابة والشافعي؛ يصح الاعتكاف في الكعبة بالإطلاق وظاهر القرآن أن للمسجد خصوصية في الاعتكاف لذكره فيه) اهـ. والمقصود أنهم يذكرونه كقول مقابل الراجح.

وقد جاء عن الإمام أبي حنيفة اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وأما الشافعية، فيقولون إن جواز اعتكاف المرأة في البيت هو المنقول عن الشافعي في قديم قوله، وقد ذكروا بناء عليه وجهاً في صحة اعتكاف الرجل في البيت، ففي وسيط الغزالي: [2/567]، (وللشافعي رضي الله عنه قول قديم أن اعتكاف المرأة في مسجد بيتها يصح؛ وذكر في الرجل خلاف مرتب وهو بعيد)، قال الرافعي في الشرح الكبير في مسألة اعتكاف المرأة في بيتها [6/503]: (والقديم وبه قال أبو حنيفة: نعم، لأنه مكان صلاتها كما أن المسجد مكان صلاة الرجل، وعلي هذا ففي جواز الاعتكاف فيه للرجل وجهان؛ وهو أولي بالمنع ووجه الجواز: أن نفل الرجل في البيت أفضل والاعتكاف ملحق بالنوافل)، وقال النووي في روضة الطالبين [2/398]: (ولو اعتكفت المرأة في مسجد بيتها وهو المعتزل المهيأ للصلاة لم يصح على الجديد ويصح على القديم؛ فإن صححناه ففي جواز اعتكاف الرجل فيه وجهان، وهو أولى بالمنع). والمقصد أنه لو ثبت الإجماع المذكور آنفاً؛ لما فرعوا اعتكاف الرجل في البيت على اعتكاف المرأة فيه، بغض النظر عن الترجيح عندهم بالجواز أو بالمنع.

-. وأما اعتكاف المرأة فقد نص الحنفية أن البيت موضع اعتكافها، وليس المسجد الجامع، ففي الاختيار لتعليل المختار [1/146]: (والمرأة تعتكف في مسجد بيتها، وهو الموضع الذي أعدته للصلاة، ويشترط في حقها ما يشترط في حق الرجل في المسجد؛ لأن الرجل لما كان اعتكافه في موضع صلاته وكانت صلاتها في بيتها أفضل كان اعتكافها فيه أفضل)، واستدل بحديث (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها)، [وهو حديث حسن رواه أبو داود]، وبنوا عليه كراهة الاعتكاف في المساجد.

وقال السرخسي في المبسوط [3/215] في سياق أدلة ترجيح اعتكاف المرأة بالبيت: (ولنا: أن موضع أداء الاعتكاف في حقها الموضع الذي تكون صلاتها فيه أفضل، كما في حق الرجال وصلاتها في مسجد بيتها أفضل فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل صلاة المرأة فقال: (في أشد مكان من بيتها ظلمة). [قلت: روي موقوفاً، ولا يصح مرفوعاً، ويغني عنه حديث أبي داود المتقدم] قال السرخسي: (وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الاعتكاف "أمر بقبة فضربت في المسجد فلما دخل المسجد رأى قبابا مضروبة فقال: "لمن هذه؟" فقيل لعائشة وحفصة فغضب وقال: "آلبر يردن بهن؟" وفي رواية: "يردن بهذا", وأمر بقبته فنقضت فلم يعتكف في ذلك العشر" فإذا كره لهن الاعتكاف في المسجد مع أنهن كن يخرجن إلى الجماعة في ذلك الوقت فلأن يمنعن في زماننا أولى) اهـ. فهو يرى أن يمنعن من الاعتكاف في المساجد.

ثم قال: (وقد روى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنها إذا اعتكفت في مسجد الجماعة جاز ذلك، واعتكافها في مسجد بيتها أفضل، وهذا هو الصحيح لأن مسجد الجماعة يدخله كل أحد وهي طول النهار لا تقدر أن تكون مستترة ويخاف عليها الفتنة من الفسقة، فالمنع لهذا، وهو ليس لمعنى راجع إلى عين الاعتكاف فلا يمنع جواز الاعتكاف، وإذا اعتكفت في مسجد بيتها فتلك البقعة في حقها كمسجد الجماعة في حق الرجل لا تخرج منها إلا لحاجة الإنسان فإذا حاضت خرجت).

وقد منع الجمهور من اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وجعلوا اعتكاف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد دليلاً للمنع؛ قال في دليل المحتاج شرح المنهاج للإمام النووي [1/319]: (ولو أغنى مسجد البيت؛ لما احتاج أمهات المؤمنين للاعتكاف في المسجد، لأن مسجد المنزل أستر وأحفظ كما أن مسجد المنزل ليس بمسجد بدليل إمكان تحويله إلى مكان آخر وإمكان الجماع فيه). لكن بين القرافي المالكي سبباً لطلبهن الاعتكاف في المسجد، فقال في الذخيرة [2/535]: (لم يصرح فيه بأنه للمسجد بل لكونهن قصدن القرب منه غيرة عليها فخشي عليهن ذهاب الأجر)، فيمكن أن يكون هذا سبب الرغبة منهن في الاعتكاف في المسجد، لكنه يدل على صحة اعتكاف المرأة في المسجد.

وأما بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت أنه اعتكف أزواجه من بعده، لكن لم أجد في أي رواية أن اعتكافهن كان في المسجد، بل جاء في المدونة الكبرى [1/233]: (قال ابن وهب قال مالك وحدثني غير واحد ممن أثق به: أن الناس كانوا يدخلون حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ويصلون فيها الجمعة، وكان المسجد يضيق على أهله فيتوسعون بها وحجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليست من المسجد، ولكنها شارعة إلى المسجد ولا بأس بمن صلى في أفنية المسجد ورحابه التي تليه، فإن ذلك لم يزل من أمر الناس لا يعيبه أهل الفقه ولا يكرهونه، ولم يزل الناس يصلون في حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى بني المسجد)اهـ. فحجراتهن رضي الله عنهن ليست من المسجد، فلو كن رضي الله عنهن اعتكفن في الحجرات، فهذا يمكن أن يكون دليلاً للحنفية بصحة ذلك، ويؤيده أن المسجد يضيق على أهله باعتكافهن، فإنه آنذاك لم تكن ثمة وجود أماكن مخصصة للنساء في المساجد منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بل كن يصلين خلف الرجال، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: كان رجال يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا) [متفق عليه]، قال القاضي عياض فعلوا ذلك لضيق الأزر وخوف الانكشاف ولهذا أمر النساء أن لا يرفعن قبلهم لئلا تقع أبصارهن على ما ينكشف من الرجال.

وعليه؛ فلا يظن بهن رضي الله عنهن أن يزدن في تضييق المسجد بالاعتكاف فيه. فلعل اعتكافهن كان في حجراتهن وبيوتهن، فيكون الصحيح صحة اعتكاف المرأة في بيتها. وإذن فلا تعتكف المرأة في المسجد وتضيق على المصلين، بل بالبيت.

ثم النظر بعد ذلك في إلحاق الرجال بالنساء الآن حيث أقفلت المساجد، فالظاهر أن هذا إلحاق صحيح، بل إنه لو قيل باشتراط المسجد لاعتكاف النساء لكان الأمر في النازلة يجيزه لهن في البيوت، فإن المساجد معطلة، فصارت مساجد البيوت تأخذ حكم المساجد في بعض الأحكام، ولاسيما ولا يُعلم الوقت الذي تفتح فيه المساجد.

وأما من منع ذلك متعللاً بالإجماع، فقد عرفت أنه المسألة ليست إجماعاً، ومن منع متعللاً بأن الوباء والطاعون كان في عهد الصحابة فمن بعدهم، ولم يفتِ أحد بجواز الاعتكاف في البيوت، فقد جانبه الصواب، فإنه في الواقع لم تقفل المساجد بأمر الحكام هذا الإغلاق العام، ولو بحث من بحث فلن يجد أحدٌ هذا إلا في أيام الثورات وإعلان حظر التجول، وما أشبه ذلك، فليتق الله من ينظِّر هذه المسألة بمسألة وقوع الطاعون الذي كانت الناس تلجأ فيه إلى المساجد تتضرع إلى الله تعالى.

بل الواقع أن هذه نازلة لم تعهدها الأمة، ولن تكون النازلة الأخيرة، بل سيأتي قطعاً ما هو أعلى منها وهي فتنة الدجال، وقد جاء أن الصحابة قالوا للنبي : (يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم؛ قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال لا اقدروا له قدره) [أخرجه مسلم]، فهذا تنبيه على الاجتهاد في النوازل، فالمنصوص في التقدير: الصلاة في اليوم الذي كسنة، ويُلحق به الذي كشهر، والذي كجمعة، وهكذا لابد من الاجتهاد في النوازل.

أما أن يأتي من يهرف بما لا يعرف، ويقول كيف يصار إلى القياس في مسألة فيها نص وإجماع وقول صاحب، وأنه إحداث قول ثالث، فيقال ليس هكذا تورد الإبل، فإن النص والإجماع -لو سلم- وقول الصاحب ليس محله هذه النازلة، وإنما هو كمن يستدل على بطلان عقود النكاح والسلم بأجهزة الاتصالات الحديثة وبطلان القبض بالشيك المصدق، وبطلان الاستدلال بالحمض النووي قضائياً، وما أشبه ذلك، وأنها مصادمة لنص كذا أو إجماع كذا أو قول كذا، فهذا لا يصلح وهذا هو العبث الذي يجعل غير الفقيه يتكلم فيما لا يعلم، بل ماذا يقول لو استدل مستدل بحديث المسند عن جبير بن مطعم وفيه: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)، فهذا نص والإجماع قام عليه، وآثار الصحابة، ثم الآن يمنع الناس وقت كورونا؟ فما كان جواباً منه؛ كان رداً عليه.

وصدق النبي صلى الله عليه وسلم (سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) [رواه ابن ماجة وصححه الألباني].

ومع وقت نشر المقالة أسعدني ما أفتى به الشيخ الشثري بالرياض ونقل عنه، حيث قال: (فإن طائفة من أهل العلم قالوا: إذا كان هناك مكان مخصص للصلاة في المسكن فإنه لا بأس بأن يكون الاعتكاف فيه، وبعضهم قال: إن الاعتكاف يجوز للمرأة في زاوية من بيتها اتخذته موطناً للصلاة، وإذا كان الناس في وقتنا الحاضر يماثلون هذه المرأة فإنه حينئذ لا يبعد أن يقال: إنه لابأس أن يعتكف المسلم في موطن أدائه للصلاة في بيته). وهو كلام جيد وفقه الله.

لكن إذا اعتكف واحتاج الخروج لجلب الطعام حيث كان محتاجاً وليس عنده من يأتي به، فإنه يشترط، ولا يضره إن شاء الله تعالى، وليس في اعتكافه افتئات على قرارات الدول، ولاسيما أنه لا افتئات في مسارح الاجتهاد، والحمد لله تعالى.

والله أعلم وصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وبالله التوفيق.                                             


كتبه

أ.د. خالد بن فوزي حمزة
أستاذ العقيدة بجامعة أم القرى والحرم المكيّ سابقًأ

تعليقات