أمل دنقل..ملاك السرطان وصوت الحالمين

  • حاتم السروي
  • الأحد 23 يونيو 2019, 4:35 مساءً
  • 1023
أمل دنقل "الجنوبي"

أمل دنقل "الجنوبي"

تمر علينا اليوم ذكرى ميلاد الشاعر الكبير أمل دنقل والذي ولد يوم 23 يونيو عام 1940 ورحل عن عالمنا في 21 مايو سنة 1983.

وقد ولد أمل في أسرة صعيدية كانت تعيش في قرية القلعة التابعة لمركز قفط بمحافظة قنا، وأمل دنقل هو اسم شهرته أما اسمه الحقيقي فهو: "محمد أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل" وكان والده عالمًا أزهرياً أورثه الفصاحة وحب اللغة كما أنه بالطبع أثر في شخصيته.

ورغم أن اسم أمل يشيع استخدامه للبنات فإن والده سماه أمل لأنه ولد في العام الذي حصل فيه على العالمية (بكسر اللام) وهي إجازة يمنحها الأزهر تفيد بأن صاحبها أضحى من العلماء.

وكان هذا الوالد شاعراً يكتب القصيدة العمودية ولديه مكتبة ضخمة فيها كتب الفقه والتفسير وذخائر تراثنا العربي مما ساهم في تكوين أمل دنقل وأثر في اتجاهاته وصاغ شخصيته رغم أن هذه الوالد توفي عندما كان أمل في العاشرة من عمره مما أثر عليه كثيراً وصبغ كيانه وشعره بمسحة بادية من الحزن.

وبعد أن أنهى دراسته الثانوية شد الرحال إلى قاهرة المعز ومركز القطر ومهوى أفئدة المصريين، المدينة التي تبتلع كل من يدخل فيها فتجعله قاهرياً حتى لو كان من أطراف الصعيد، والتحق أمل بكلية الآداب لكنه سرعان ما تركها بعد العام الدراسي الأول حتى يتفرغ للعمل.

وعمل دنقل في البداية موظفاً بمحكمة قنا وجمارك السويس والإسكندرية ثم حصل على وظيفة في منظمة التضامن الأفروأسيوي، وما يثير العجب أنه دائماً كان يترك العمل ويتفرغ لكتابة الشعر، وكعادة أهل الصعيد شعر دنقل بصدمة كبيرة حين ترك موطنه الأم ونزل إلى القاهرة وهي الصدمة التي تركت بصمتها على أشعاره وبخاصة أعماله الأولى.

ورغم أن السائد في الحقبة الزمنية التي بدأ فيها دنقل يسطر إبداعه هو التأثر بالإبداعات الغربية والميثولوجيا الإغريقية فإن أمل اتجه صوب التراث العربي ورموزه وقد عاصر ثورة يوليو وزخمها الإعلامي وبروز المفاهيم القومية وفجع مثل كل المصريين بهزيمة الخامس من يونيو سنة 1967 وعبر عن تلك الصدمة في رائعته "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" وله مجموعة شعرية في هذا الإطار أيضاً سماها "تعليق على ما حدث".

وعندما وقع الرئيس الراحل أنور السادات على معاهدة كامب ديفيد آمن دنقل بضياع نصر أكتوبر وأن الاتفاقية ليس لها معنى سوى الانبطاح وأن السادات وافق وهو منتصر على ما رفضه غيره وهو مهزوم وكانت الصرخة التي عبر عنها في رائعته "لا تصالح" وكانت أشعاره في هذه الوجهة تقال على ألسنة الهاتفين في الظاهرات.

وللصعيد حيز خاص وركن مميز في أشعار أمل دنقل ونجد هذا واضحاً في قصيدته "الجنوبي" وهي إحدى قصائد مجموعته الشعرية الأخيرة "أوراق الغرفة 8".

وعند بلوغه الأربعين أصيب شاعرنا بالسرطان وأخذ المرض ينهش في جسده على مدى سنواتٍ ثلاث، وكانت آخر مجموعاته الشعرية "أوراق الغرفة 8" التي كتبها وهو نزيل في المعهد القومي للأورام وكانت الغرفة 8 هي غرفته التي هيأها له المعهد وقد عبر في قصيدته "السرير" عن معاناته ولحظاته المقتربة من النهاية، أما آخر قصائده على الإطلاق فهي "الجنوبي" ورحل أمل عن دنيانا لتنتهي غربته ومعاناته ذلك الشاعر الذي لم يكن بشراً بقدر ما كان خليطاً من النبل والمشاعر يأخذ الهيئة البشرية، وكان معه جابر عصفور وعبد الرحمن الأبنودي يشهدان احتضاره وهو يستمع إلى أحدى أغنيات الصعيد القديمة ومن عزة نفسه أراد ألا تتم دفنته إلا على نفقته لكن أهله تكفلوا بها، وبموته تجددت حسرتنا على كنوز بشرية قتلها واقع مفتري.

تعليقات