حسني مبارك.. مسيرة حافلة بالأحداث المتضاربة

  • معتز محسن
  • الثلاثاء 25 فبراير 2020, 08:13 صباحا
  • 972
الرئيس الأسبق حسني مبارك

الرئيس الأسبق حسني مبارك

توفي صباح اليوم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك عن عمر يماهز اثنين وتسعون عامًا عقب مرور أسبوعين من ذكرى رحيله عن الحكم بناءً على تظاهرات شعبية إندلعت يوم الخامس والعشرين من يناير في العام 2011 وتصادف يوم 11 فبراير يوم رحيله عن السلطة ،هو يوم ميلاد الملك فاروق أخر سلالة الأسرة العلوية الذي تخلى عن العرش يوم 26 يوليو من العام 1952 عقب ثورة 23 يوليو.

ولد محمد حسني مبارك يوم الرابع من مايو من العام 1928 ،بقرية كفر مصيلحة التابعة لمحافظة المنوفية ،وعقب انتهائه من التعليم الثانوي في العام 1946 التحق بالكلية الحربية وحصل على بكالوريوس العلوم العسكرية في العام 1948 ثم التحق بسلاح المشاة في العام 1949 وبعدها التحق بالكلية الجوية وحصل على بكالوريوس في العلوم الجوية في العام 1950.

تدرج "مبارك" بعد ذلك في سلم القيادة العسكرية بتولي قاعدة جوية في أنشاص بمحافظة الشرقية سنة 1964 ،وتلقى دراسات عليا في أكاديمية "فرونزا" العسكرية بالاتحاد السوفيتي السابق في نفس العام وقت التوجه الاشتراكي في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.

وقعت هزيمة حرب الأيام الست يوم 5 يونيو من العام 1967 ،والتي أحدث من خلالها الرئيس جمال عبد الناصر عملية جذرية لتغيير قيادات الجيش بدءًا من يوم 11 يونيو من نفس العام في عملية إعادة بناء القوات المسلحة ،وكان مبارك على رأس القيادات الجديدة وقت توليه إدارة الكلية الجوية في نفس العام.

عُين رئيسًا لأركان حرب القوات الجوية المصرية ،وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى تعيينه قائدًا للقوات الجوية ونائبًا لوزير الحربية في العام 1972 ،وشارك في وضع الخطط العسكرية للقوات الجوية في حرب أكتوبر المجيدة التي كانت بمثابة الكلمة المفتاحية للنصر المجيد.

وبناءً على هذا المنجز رُقي "مبارك" يوم 15 أبريل من العام 1975 لمنصب نائب رئيس الجمهورية ،وسط اختيارات كانت موضوعة أمام السادات ما بين فؤاد ذكري قائد القوات البحرية ،والفريق عبد الغني الجمسي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة في حرب أكتوبر ،ووزير الحربية بعد ذلك ،والمشير أحمد إسماعيل القائد العام للقوات المسلحة ،والفريق محمد علي فهمي قائد قوات الدفاع الجوي ،وحسني مبارك.

هدف السادات من خلال هذا الاختيار ،الإعلان عن شرعية حرب أكتوبر مكان شرعية ثورة 23 يوليو وقال بالحرف الواحد: "جاء الوقت على جيل أكتوبر أن يحكم ويشارك في الحكم ،وبناءً عليه قمت باختيار حسني مبارك نائبًا لي".

لعب "مبارك" دورًا رئيسيًا في مفاوضات السلام بكامب ديفيد ما بين عامي 1978 و1979 وهي الاتفاقية التي إنقسمت حولها الآراء ما بين مؤيدين ومعارضين وشاهد "مبارك" تأسيس حزب مصر الذي تغير في نفس اللحظة في العام 1978 إلى اسم الحزب الوطني الديمقراطي ،وظل ماكثًا بمنصب النائب متوليًا بعض الملفات الدولية إلى أن وقع حادث المنصة يوم نصر أكتوبر في العام 1981 وأغتيل السادات وتعرض نائبه للإصابة الطفيفة ،وأعلن في نفس اليوم وفاة الزعيم برئاسة الجمهورية.

استكمل "مبارك" خطوات تحرير سيناء حيث عادت العريش في يوم 25 أبريل من العام 1982 معلنًا يوم بيان وفاة السادات عن إلتزام مصر بكافة معاهداتها التي أبرمت من قبل ،وأكمل المناورة مع صقر إسرائيل الكاسر مناحم بيجين ،وتوالت المحاولات والمناورات لإستعادة طابا والتي عادت للحاضنة المصرية عبر التحكيم الدولي يوم 19 مارس من العام 1989 ورفع العلم المصري بها.

تم اختيار مبارك عبر الاستفتاء ثلاثة ولايات 1987 و1993 و1999 ،وبعدها أختير عبر الانتخاب رئيسًا للبلاد في العام 2005 تحديدًا في شهر سبتمبر وتم الحد من مدة الرئاسة في لحظات الانتخاب إلى ست سنوات كما هو في الاستفتاء.

مر مبارك في الثلاثين عامًا من حكمه بفترات متضاربة ما بين صعود وهبوط ،حيث حقق شعبية كبيرة في أول عشر سنوات ،وهناك من قال أن سلبياته بدأت تظهر من العام 1985 كما صرح من قبل المفكر الكبير جلال أمين ،وذلك وقت دخول حسين سالم الرجل اللغز في حياة مبارك الإنسانية والسياسية.

شهدت مصر في عصره مشروع مترو الأنفاق ،وزيادة أعداد البطالة ،مشروع توشكى الذي لم يكتمل وانغماس الموظفين في حالات الرشوة والفساد ،إنشاء الطرق والكباري وتوغل الجماعات الدينية في الحياة الاجتماعية والسياسية لغياب دور الدولة ،مما أحدث شرخًا أعلن عن اقتراب النهاية المنتظرة حسب مؤشرات سير الأحداث.

اتهم مبارك بافتقاد الكاريزما عكس ناصر والسادات ،وانتهج النظام الشامل اقتصاديًا وسياسيًا وهو ما عبر عنه الخبير الاقتصادي الكبير عبد العزيز حجازي بأنه نظام "سمك لبن تمر هندي" تسبب في تضارب المعايير والأطر والطبقات في نسيج المجتمع.

بدأت النهاية تنبئ عن ظهورها في العام 2005 باختراق جماعة الإخوان المسلمين الحياة البرلمانية ثم السياسية والاجتماعية ،وإبراز التنافسية مع الدولة وتوجه الجميع صوب بوصلتهم إلى أن جاء العام 2010 وأقصى مبارك الإخوان من البرلمان كما فعل السادات في اعتقالات سبتمبر من العام 1981.

أعلن عن البرلمان الموازي لتجنب غضبة المعارضة والإخوان على وجه التحديد ،لتأتي الفرصة المنتظرة منذ عقود عقب رياح ثورة الياسمين التونسية في ديسمبر 2010 وإنتشار عبقها في يناير 2011 ،وتسرب معلومات الويكيليكس بثروة مبارك وعائلته ،مع تفاصيل مشروع التوريث لجمال مبارك.

اندلعت تظاهرات 25 يناير وتشعبت أحداثها بجمعة الغضب في 28 يناير من العام 2011 وتم تغيير وزارة أحمد نظيف بوزارة أحمد شفيق ،وتشعبت الطلبات الثورية التي إمتدت لمطلب الرحيل لصاحب البيت الكبير.

استمرت النزاعات والصراعات بين المعارضة والنظام وتوالت أسماء الجُمع على مدار ثمانية عشر يومًا إلى أن جاء يوم 1 فبراير يعلن عن خطاب مبارك الذي أعلن عن عدم إنتوائه للترشح مجددًا مكتفيًا بستين عامًا من الخدمات الكبيرة للوطن حربًا وسلمًا وهو ما جاء على لسان بن علي قبل تركه للرئاسة التونسية ،وأعلن عن بقاءه حتى سبتمبر من العام 2011 لحين إجراء إنتخابات رئاسية.

لم يرض المتظاهرون بخطاب مبارك الثاني ،وتوالت التكهنات إلى أن جاء خطابه الثالث والأخير يوم العاشر من فبراير معلنًا عن تمسكه بقراره ومصممًا على البقاء في الوطن الذي ولد  وسيموت ويدفن فيه.

عانى الشارع من حالة الغليان المحتقنة الشبيهة لخريف الغضب في عصر السادات ،ليتخلى مبارك عن الرئاسة للقوات المسلحة عبر بيان نائبه عمر سليمان الذي عينه في خضم الأحداث الملتهبة ،وتتوالى المحاكمات والمحاسبات والمساجلات عن نزاهته أو عكس ذلك لتتم تبرئته بقرارات قضائية من كل شيء.

والآن أصبح مبارك في ميزان كلمته الأخيرة  في خطابه الأخير :"وسيحكم التاريخ بما لنا أو علينا".



تعليقات