المستشرقة المكسيكية مارلين باسيني: ذرفت الدموع لمصداقية أذان الفجر بالقاهرة

  • معتز محسن
  • السبت 22 فبراير 2020, 1:37 مساءً
  • 1158
الزميل معتز محسن والمكسيكية مارلين باسيني

الزميل معتز محسن والمكسيكية مارلين باسيني

أتت من المكسيك حاملة في جعبتها ،أزاهير شعرها وأحلام بني جنسها من أجل عالم مثالي يتشبع بالتفاهم، والتحضر والتنوير ما بين الرجال والنساء، جاءت من بلاد إيمليانو زاباتا بنبرة المكافحة من أجل المرأة متمسكةً بعبق حضارة المكسيك العريقة المعروفة باسم "حضارة المايا"، مازجةً بين الماضي والحاضر برؤية استشراقية تربط بين الزمنين من أجل غدٍ أفضل.. إنها الشاعرة ومستشارة الثقافة بالمكسيك وخبيرة التنمية البشرية والباحثة في مجال المصريات مارلين باسيني، التي كان لها مع "جداريات" هذا الحوار.

في البداية نود أن نعرف نبذة عن إبنة المكسيك مارلين باسيني الأديبة والإنسانة؟

أنا مارلين باسيني، مواطنة مكسيكية ولدت بتولوكا واسمها الرسمي "تولوكا دي ليردو" وهي مدينة وعاصمة لولاية مكسيكو، وهي مركز لمنطقة حضرية تنمو بسرعة، حيث تعد حاليًا خامس أكبر مدينة في المكسيك، تقع على بعد 63 كم 39 ميل جنوب غرب العاصمة مكسيكو سيتي.

مكثت بها مدة عشرين عامًا ثم انتقلت للعاصمة مكسيكو سيتي التي أحيا بها إلى الآن، تعلقت عبر مسقط رأسي بالطبيعة الخلابة التي أدخلت بوجداني العزف على أوتار الجمال بقرض الشعر ومعانقة البحث عن سر عراقة الأماكن وحضاراتها التي نمت بها، وهو ما كتبته أيضًا في كتاباتي النثرية.

لي ثلاثة عشر كتابا ما بين، سبعة دواوين شعرية وكتابان بهما مقالات أدبية وثلاثة كتب في مجال التنمية البشرية ورواية تاريخية تتحدث عن إسبانيا في بداية القرن السادس عشر تحديدًا سنة 1500، ولي كتاب تحت الطبع الآن سوف يصدر خلال أيام عن "الصوفية"، التي أراها نقطة إلتقاء بين مختلف الأديان ما بين السماوية والبشرية، واستقيت خبرتي في هذا الكتاب من أصدقائي المنتمين للصوفية بالجزائر المعروف عنها بوجود أقطاب لهذا المذهب في تاريخها العريق كعبد الحميد بن باديس والأمير عبد القادر الجزائري.

هل زيارتك لمصر تعد الأولى من نوعها؟

قمت بزيارة مصر مرتين كمرشدة سياحية للفوج المكسيكي الذي أصاحبه في المزارات السياحية، خاصةً الآثار المصرية القديمة وذلك بصفتي المستشارة الثقافية للمكسيك، أما هذه المرة  فهي الأولى من نوعها بالنسبة لي كأديبة وكاتبة بجانب وظيفتي الأساسية.

من خلال زياراتي للمزارات السياحية العريقة، عنوان حضارة السبعة آلالاف عام أقوم بتقديم شرحي لهذه الجداريات العظيمة لأبناء بلدي عبر تقنية التنمية البشرية وأبجدية الربط بين حضارة مصر العتيقة وحضارة المكسيك العريقة، وذلك لوجود تشابهات كثيرة بين الحضارتين، ففي مصر هناك الأهرامات ومعبد أبوسمبل ومعبد الكرنك وهرم سقارة ومراكب الشمس ومعبد الدير البحري.

كذلك في المكسيك هناك العديد من المواقع الأثرية المنتمية لحضارة المايا، نحتت بسواعد أبنائها العظام كهرم تشيتشن إيتزا "هرم نبع شعب الإيتزا"، طبقًا للغة المايا اليوكاتية، وهي من عجائب الدنيا السبعة الجديدة، ومدينة "تيتيهواكان" وهي مدينة أثرية قديمة ازدهرت بين عامي 200م و750م تمتلك أهرامات للشمس والقمر  ومدافن وقصور ومساكن كثيرة وكانت مساحتها 12 كم مربع في أوج ازدهارها، ومدينة تولولوم الأثرية المزدانة بقلعة حصينة ومعبد لإله الرياح، وهي من أشهر المزارات السياحية بالمكسيك.

ما هي نقاط التشابه الأدبية بين البلدين؟

مصر والمكسيك قدما لمنطقتهما أهم الإنجازات الأدبية ما بين الشعر والرواية والقصة القصيرة، وقدما للعالم النموذج الأمثل للواقعية السحرية ففي مصر نجيب محفوظ والمكسيك خوان بولو، وهناك القاسم المشترك بينهما عبر جائزة نوبل للآداب، فمحفوظ حصل على نوبل للآداب في العام 1988 وهو ما زال حتى الآن الأديب المصري والعربي الوحيد الحائز على هذا الشرف ،وكذلك الشاعر والدبلوماسي المكسيكي الكبير أوكتافيو باث الحاصل على نفس الجائزة في العام 1990، فكلاهما قدما لأمتهما ما يعبر عن حضارتهما ما بين القديمة والوسطى والحديثة شعرًا ونثرًا.

هناك أيضًا رابط أدبى ودبلوماسى يربط مصر بالمكسيك، وذلك بعمل أوكتافيو باث بالسفارة المكسيكية بمصر، وقت عمله بالسلك الدبلوماسي والتي ألهمته عبر نيلها العظيم الكثير من فيوضات قصائده الخالدة، لشعوره الدائم بأن مصر هي موطنه الثاني لقربها الحضاري والطبيعي من بلده الأم.

هناك أواصر كبيرة بين المكسيك والمنطقة العربية خاصةً أن هناك بعضا من الشعب المكسيكي له أصول عربية وعلى وجه الخصوص من أصول شامية.. فهل قرأتِ للكتاب العرب؟

نعم قرأت بالطبع لنجيب محفوظ الذي أرى في أدبه الكثير من التشابهات مع الذائقة والطبيعة المكسيكية، وقد تم تحويل روايتيه "بداية ونهاية" و"زقاق المدق" لأفلام مكسيكية وكانت بطلة إحداهما النجمة المكسيكية ذات الأصول اللبنانية "سلمى حايك" ،وقرأت للكاتب اللبناني الكبير أمين معلوف وللشاعر الكبير إيليا أبوماضي ،علاوة على قرأتي للشعر النسائي بالمنطقة العربية ما بين سوريا ولبنان والأردن واليمن وفلسطين.

لاحظت في الفترة الأخيرة مدى تطور المعين الإبداعي لدى المرأة العربية شعرًا ونثرًا من خلال إبداع الشاعرات بـ"مهرجان المرأة العربية المبدعة" بنادي نقابة التجاريين ،لأنهن خرجن من عباءة العراقية نازك الملائكة مُؤسِسة مدرسة الشعر الحر ،وفدوى طوقان رمز المقاومة الشعرية الفلسطينية وغادة السمان الروائية السورية الكبيرة، وأحلام مستغانمي الروائية العالمية الجزائرية التي أرى أنها ستحصل على نوبل يومًا ما، فيكفيها عملها الرائع "الأسود يليق بك" الذي عَرَّف العالم بها من خلال لغتها الرصينة وسردها المتين.

 كيف تقيمين زيارتك الأخيرة لمصر بصفتك أديبة وشاعرة؟

أشعر بسعادة غامرة لحصولي على تلك الفرصة الهامة والذهبية بأن أُقدم في مهد الحضارات ككاتبة وشاعرة، وذلك بفضل مساندة الكثير والكثير من الكتاب والأساتذة المتخصصين الذين تواصلت معهم، وقدَّرت مدى استيعابهم لمفهوم تواصل الحضارات كجسر لامع يكسر الحدود الفاصلة بين البشر، من خلال الأدب والفن اللذان يدعمان مفهوم الرُقي والتحضر للإنسانية جمعاء.

شرفت بفرصة الالتقاء بالجمهور المصري في مختلف الأماكن ما بين القاهرة والعاشر من رمضان والإسكندرية في مكتبتها الزاهرة، موصلةً أفكاري ومبادئي التي أؤمن بها وهي أن المرأة تستحق أن تحيا حياة كريمة كإنسانة ومبدعة ومفكرة، وهو ما يتواءم مع ما رأيته في المنطقة العربية وشعور المرأة ببعض من البخس في حقوقها الآدمية.

وجدت تفاعلاً كبيرًا من الجمهور بشقيه الرجال والنساء مرحبين بما أضفيته من كلمات تلامس ينابيع الإنسانية لدى الطرفين، فهم مستعدون عبر نظراتهم اللامعة بتطبيق المبادئ التي تجعل الجنسين يعيشان في مناخ سليم، مفعم بالآدمية والحضارة والتحضر والتنوير.

وجدير بالذكر أن المكسيك كانت تعاني من نفس المشكلة بقمع المرأة منذ عشرين عامًا ،والآن عبر التنوير ونشر الثقافة، تقلصت ظاهرة العنف ضد المرأة.

أريد أن أبعث بكامل شكري وامتناني للدكتور محمد عليوة الذي صحبني في جولاتي المختلفة موصلاً رسائلي وأفكاري بإسبانيته اللبقة وعربيته الرشيقة للجمهور المصري، وأبعث بكامل احترامي وتقديري للدكتور حسين بصير، مدير متحف الآثار والمشرف على مركز الدكتور زاهي حواس للمصريات بمكتبة الإسكندرية، وكل التقدير للدكتور مصطفى الفقي مدير مكتبة الإسكندرية الذي أهديته أعمالي المترجمة باللغة الإنجليزية.

كيف تنظرين للإسلام والمسلمين في ظل تواجد ظاهرة "الإسلاموفوبيا" الآن؟

لكي نكون أكثر موضوعية، فيجب علينا أن ننظر للأمر بشكل عام وشامل، فما يصيب العالم الآن آفة العنصرية التي تأكل الأخضر واليابس في عالمنا الذي يعاني من تلك الظاهرة البغيضة منذ قديم الأزل في ظل وجود ترامب ذو النزعة الجمهورية المتعصبة.

هناك من ينظر للمكسيكيين برمتهم على أنهم تجار للمخدرات، نظرًا للعنصرية المقصودة من السينما الأمريكية والتي زادت عن حدها في الفترة الأخيرة،لذلك فتعميم الأمر على الجميع لهو شيء مؤسف، لذلك علينا التعامل مع الأمر بشيء من الموضوعية لكي نحكم بين البشر بمعايير حقيقية لا يشوبها التحيز والشيفونية، وهو ما قاله مارتن لوثر كنج في خطابه الشهير "لدي حلمًا" بواشنطن دي سي أمام الآلاف في 29 أغسطس من العام 1963 وهو يصرخ بشدة في وجه العنصرية.

المكسيك خرج منها الشعراء والمفكرون والثوار والكُتاب والفنانون والموسيقيون حديث العالم بإبداعاتهم المختلفة خاصةً على أرض أمريكا التي تتعامل معهم بهذا الشكل المؤسف.

وعلى نفس النطاق ليس كل المسلمين إرهابيون بسبب قلة طبقت تعاليم الدين العظيم بنظرة ضيقة، فليس كل من ينتمي للإسلام ينتمون لداعش أو القاعدة، فهناك من المسلمين في وقتنا الحاضر من هم مثل ابن سينا، والفارابي، وابن رشد، علاوة على علماء الدين الأجلاء الذين احترموا الجميع نتيجةً لتطبيقهم السليم لتعاليم الدين الحنيف.

ولكي أؤكد لك صحة ما أقول، أكثر شيء لفت انتباهي في القاهرة وجعلني أذرف الدمع وأنا أصوره بمحمولي الخاص من شدة فطريته ومصداقيته، أذان الفجر والأصوات الشجية التي تعلن عن مقدم يوم جديد بكلمات نورانية، تشجع النفوس على أن تبتكر وتنتج وتقدم الجديد للإنسانية كافة.

كيف ترين الشعب المصري بعيون مكسيكية؟

الشعب المصري مثل الشعب المكسيكي تمامًا مرح، خدوم، بسيط، مضياف ولديه نفس التفاصيل في صفحات كفاحه ضد الظلم والمستعمر، فمصر لديها في تراثها العريق شخصيتي "علي الزيبق" و"أدهم الشرقاوي" كرمز لتحرير البلاد من ربق الظلم والاستعمار، وهو نفس ما نراه في شخصية "إيمليانو زاباتا" الذي طبق مبادئ الاشتراكية قبل لينين في ثورته بمقاطعة موريلوس الريفية من العام 1910 وحتى اغتياله بمؤامرة أمريكية بالتعاون مع الكولنيل غيساس غوغاردو في العام 1919.

عقب اغتياله كُتبت عنه الأساطير والملاحم الشعبية كما حدث لأدهم الشرقاوي بمصر في محافظة البحيرة،تغنت الملاحم الشعبية ببطولاته وصولاته وجولاته عقب اغتياله في العام 1921.

- ماهي رسالتك الإنسانية والفنية للعالم أجمع؟

العالم الآن يمر بظروف عصيبة ملبدة بغيوم الدماء والفُرقة، ومن أجل إيقاف هذه الأخطار علينا بالثقافة التي أراها جسرًا بين الأمم ،ترفض العنف والحروب عبر الكلمة المنظومة شعرًا والمسرودة نثرًا، وحينما أذكر الثقافة فأقصد هنا بالقراءة النهمة للكتب وألا نهجر تلك العادة الحميدة باللجوء للوسائل التكنولوجية التي تسببت بسبب الاستخدام السيئ للكثير من المشاكل التي نعاني منها في الوقت الحالي.

ومن أجل تحقيق هذه الأمنية أسعى بنشر كلماتي وأشعاري على مستوى العالم من خلال المنتديات العالمية التي تنشر الشعر بوسائل مختلفة ما بين المنتديات الثقافية والإلكترونية، ففي إبريل القادم ستتم دعوتي ببارما الإيطالية من خلال الشاعر الإيطالي "لوسا أوريانو" وهو على نطاق التبادل الثقافي من أجل عالم سلمي تحت ظلال المعرفة والفنون.

 وتم أيضًا اختياري في جروب "أرشيف أشعارنا" الهندي لشهر مارس ،شاعرة الشهر وذلك بترجمة أشعاري للإنجليزية وهو دليل مؤكد على مدى جدية جسر الثقافة المتين في التقارب بين الشعوب والألسن والأعراق المتنوعة.

-كيف تتأملين حل مشاكل العالم برؤيتك الشاعرة؟

لنا في أقوال غاندي ومانديلا ومارتن لوثر كنج وغيرهم من صناع السلام ،العلاج الناجع والفوري لمشاكلنا المزمنة التي تعيقنا عن البناء والإنتاج ،وإن طبقنا أقوالهم اللؤلؤية ،فسوف نرى عالمًا جديدًا ناصع البياض من كثرة نفحاته السلمية وشذراته الهادئة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات