د. زينب أبو سنة تكتب: مركزية اللغة في قوى مصر الناعمة

  • جداريات Jedariiat
  • الخميس 20 فبراير 2020, 06:44 صباحا
  • 1038
الدكتورة زينب أبو سنة

الدكتورة زينب أبو سنة

كتب كثير من الباحثين المحدثين من المستشرقين وغيرهم عن أثر اللغة العربية في اللغات التي دخلت معها في صراع لغوي وأنجزوا إحصائيات علمية مقارنة للمفردات العربية المبثوثة خلال تلك اللغات وأظهروا نسبة تأثيرها؛ وعلى سبيل المثال قال أحد الباحثين: "درست أثر العربية في اللغات الشرقية وأحصيت نسبتها وهي: في الفارسية (67 و60%)، وفي التركية (30 و65%)، وفي الأردية (95 و41%)، وفي التاجيكية (39 و46%)، وفي الأفغانية (99 و56%".

وعلى هذا المنوال لاحظ الباحثون في اللغات المقارنة تأثير اللغة العربية العميق في سائر اللغات المنتشرة في العالم الإسلامي، وعللوا ذلك بتعليلات كثيرة ومتنوعة يأتي في مقدمتها الدين؛ ومهما كانت التعليلات فإن اللغة العربية حققت هذا الإعجاز؛ لأنها في المقام الأول حملت آيات القرآن الكريم المعجز إلى آفاق المعمورة، وصادفت الحفاوة والترحيب، ولغتنا العربية لها أهميتها في بناء مجتمع قوي، فاللغة تعد من أهم ركائز القوة الناعمة. 

ويشير الدكتور عمار علي حسن إلى أن "علماء السياسة لم يفطنوا كثيرًا للغة كإحدى ركائز القوة الناعمة للدولة، إذ رأوها أحيانًا متماهية مع الثقافة، أو واحدة من المهارات التي يجب أن يتحلى بها القادة والدبلوماسيون المحنكون، أو أنها لازمة من لوازم الاتصال السياسي، والتعبير عن المكانة والدور، أو أنها أداة لاستعراض ما ارتقته الدولة في مجال العلوم والفنون. لكن وجود اللغة كقوة يتعدى أن تكون مجرد واسطة أو وسيلة أو عالة على العناصر الأخرى التي تتسم بها القوة اللينة للأمم.

ابتداءً فإن علماء الاجتماع والسياسة لم يلتفتوا بالقدر الكافي إلى أن اللغة برهان على الواقع الاجتماعي، وأنها هي التي تشكل تفكيرنا حول مختلف القضايا والمتغيرات، وأن المسألة الاجتماعية أو السياسية الواحدة يمكن أن يختلف تفاعلها وتداولها وتأثيرها من مجتمع إلى آخر بسبب اختلاف اللغة بين الاثنين، وأن أعظم المؤسسات في أي أمة هو لغتها لأنها وسيلة تفكيرها، ومستودع تراثها من القيم الاجتماعية والعادات الذهنية.

وتختلط قضايا اللغة بقضايا الأيديولوجيا والمعنى العام، في وقت نجد فيه البلاغة ذات مفهوم تداخلي تتطلع دوما إلى ما هو خارج الأدب، وهنا يقول الناقد الكبير مصطفى ناصف: «هناك خسارة بشرية ناجمة عن التعليم الضيق للغة أو التعليم الأدبي الذي لا علاقة له بما يقال في المتاجر والمصانع ودهاليز صنع السياسة والمواقف الاجتماعية المهمة.. الطاقة الشاملة للغة أمر لا يمكن أن ينحصر في دراسة أدبية، واتجاه النمو عملية عامة ترتكز على الاتفاق العام الذي يستوعب التنويعات الفعلية للحياة». على هذا الأساس فهناك لغة تتخفف من أساليب الحيل والمراوغة والمداراة، وتعلو فيه نبرة الصدق، والتعبيرات المباشرة، والمحددة، ولغة مناقضة لهذا تماماً. وبالطبع فإن شعباً يتحدث اللغة الأولى، ستختلف قيمه وتصوراته ومدركاته وتفاعلاته، وهي جزء أصيل من رأسماله الاجتماعي، عن شعب يتحدث اللغة الثانية.

فاللغة لا تعكس الواقع بل تشكله، وقواعد كل لغة أو النحو الذي يحكم تشكيلها، يتعدى كونه وسيلة لتدقيق اللغة وضبطها، إلى أن يكون أحد أدوات إعادة تكوين الأفكار، ويعد في الوقت نفسه منهجاً ومرشداً نصل به إلى النشاط الذهني عند الفرد، وطريقة ومضمون تحليله للأفكار، وتأليفه لعناصر الكلام في رأسه قبل أن ينطق به، أو يصمت، ويختزنه، فصياغة الأفكار ليست عملية مستقلة حرة، ولا هي ممعنة في المنطق، بل هي جزء من قواعد النحو، يختلف من حيث قوة التأثير وضعفه من لغة إلى أخرى.

وهناك لغة تحمل في باطنها، وفي حد ذاتها، ما يجعلها قوية وممكنة وقابلة للاستيعاب والانتشار، وأكثر وقعاً على الآذان والنفوس، وأخرى فقيرة فاترة مباشرة بائسة، لا تشجع، من يتحدثون لغات أخرى، على الاعتناء بها، أو إتقانها، حتى لو كانت الدولة التي تنطق بها لديها الكثير من عناصر القوة الصلبة واللينة الأخرى، التي تتيه بها على الآخرين. فعلى سبيل المثال صار وضع اللغة الإنجليزية في العالم يعطيها دور الحارس الدولي، الذي ينظم حركة البشر في أرجاء المعمورة، مما يربط بين أشكال الثقافة والمعرفة الوطنية وغير الوطنية الغالبة في العالم، وهي موصولة الأسباب أيضاً بمظاهر العولمة، مثل انتشار الرأسمالية ووسائل التنمية وسيادة وسائل الإعلام. وقد أصبحت هذه اللغة تقوم بوظائف وطنية وعالمية شاملة في كثير من البلدان الآسيوية والأفريقية، وهذا أكسبها مصدر قوة جديداً، لا يعزوه البريطانيون والأميركيون إلى القدرات الصلبة ولا اللينة لبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، إنما لفصاحة هذه اللغة، أو قوتها الذاتية".

فاللغة الإنجليزية تتماهى مع اللغات الأخرى بل وتسحب البساط من تحتها، تصيب أكثر من هدف في آن واحد. وقد تدهش حينما يطوف بصرك بواجهات المحال والمنتديات بل ودور العبادة ومراكز البحث العلمي، وتحيط بك اللافتات بتلك اللغة فتظن أنك في واشنطن أو لندن، كما تقدم لك المادة اللغوية مقروءة أو مسموعة أو مرئية مثل نظيراتها من لغات الألوان والجسد، فتحاصرك أينما تحركت، لا ترتكز على إرث حضاري، فهي لغات متعددة ولكنها متباينة.

ومما سبق أؤكد أن اللغة هي إحدى ركائز القوى الناعمة الدولية لما لها من تأثير على قوة المجتمع لقدرتها على كسب تعاطف الشعوب والتأثير بقوة على تشكيل وجدان الأفراد بل والرأي العام العالمي.


تعليقات