فيلم غرباء.. قصة صراع الإيمان والإلحاد في مصر

  • معتز محسن
  • الثلاثاء 14 مايو 2019, 10:07 مساءً
  • 3008


 

غرباء.. اسم لفيلم بحروفه الخمسة، الحامل مضامين متعددة في شرح ملابسات الأفكار التي يُحار فيها الإنسان عند تخطيه الخطوات الأولى في الدنيا بقلبه، ساعيًا إلى ما يجلبُ له السعادة كي يحيا الحياة التي تؤكد آدميته.

أُنتج الفيلم في العام 1972 وعُرض يوم 9 أبريل من العام 1973 في أهم فترات مصر بتاريخها الحديث وقت السعي لعبور المستحيل كي تتحرر البقعة الغالية من براثن العدو الصهيوني المستمر حتى الآن في حيله بكل السبل كي يظل الإنسان العربي أسير الحيرة والتفكير في حلقة مفرغة.

من الطريف والغريب أن هذا الفيلم لم تَرد عنه أي دراسات نقدية، وإن ورد، فالمصادر الحاملة لها مجهولة الهوية والطريق.

 

رمزية النصر والهزيمة

 

وعلى الرغم من جودته الفنية من ناحية الكتابة والتصوير والتمثيل والإخراج والموسيقى التصويرية، إلا أن هذا التعتيم حرمه من الفوز بمركز متقدم في قائمة أحسن مائة فيلم في السينما المصرية، ليظل بعيدًا عن العيون والأقلام التي تجعله في أحسن التصانيف الفنية عن جدارة واستحقاق.

إن أردنا أن نُبحر في تلابيب الفيلم ونسبر أغواره المثيرة بتساؤلاته المشروعة نحو سبل الحياة السليمة، فعلينا أن نسير على أسس النقد التكويني في استنباط الأسباب التي أدت لخروج العمل الفني بالمواءمة مع الظروف المحيطة التي أخرجته، كما أشرنا من قبل في لحظات اليأس والإحباط.

مشاهد.. ولقطات

 

في بداية الفيلم، عند دخول الشاب الذي لعب دوره باقتدار شكري سرحان، الفتى الذهبي للسينما المصرية، للمسجد الواقع بالحي القاطن به منغمسًا في العبادة محملقًا في الآيات المكتوبة على الأسقف عله يجد في هذه النظرة الجواب الشافي لما يعانيه من إخفاق في الثانوية العامة، مما سبب له المشاكل الكبرى مع أسرته لينزوي بالمسجد متشبثًا بالدين كأداة هروب وليس كأداة نجاة.

من هنا نستنبط حيرة الشاب بالفيلم من حيرة شباب تلك الأيام، عقب هزيمة 67، حيث انقسم الشباب إلى قسمين، قسم يرى في البعد عن الله سببًا أساسيًا للهزيمة، والقسم الآخر يرى أن التشبث بالدين والتقاليد وتعليق الأخطاء على شماعة القضاء والقدر سبب كبير في تقهقرنا بمعركة الأيام الستة.

 

تقع الفتاة سعاد حسنى التي لعبت دورها ببراعة فائقة في هذا المحك الكبير كلقمة مغموسة بين شقي الرحا، تائهة بين صراع الأفكار كرمز صميم على مصر الحائرة بين أبنائها مُفترسة الثالوث المرعب، كل يفرض قانونه على الجميلة التائهة.

الجميلة التائهة أسيرة تزمت الشقيق الرافض لعملها بأحد الفنادق لمخالفته للشرع، مع تذمره الشديد لحضورها محاضرات المفكر العلماني د. فؤاد (عزت العلايلي) الرافض لإقحام الدين في مناحي الحياة، خاصةً العلم لنرى البراعة الفائقة في السيناريو والحوار لرأفت الميهي والترجمة الإخراجية للمشهد المكتوب لسعد عرفة مع تعبيرية موسيقى فؤاد الظاهري لتفاصيل الصراع المحموم.

يذهب الشقيق للجميلة التائهة كي يأخذها من منزل أستاذها الذي سمع كلماته المعبقة بالكفر البين حسب معتقده، ليصرخ في وجهه قائلاً: كل ما تقوله كفر.

ليزيد العالم في تحديه بعرض لقطات بمجهره السحري، مؤكدًا تصاعد الغرب للقمة لبعد الدين عن العلم لتقف الفتاة شاردة بين من تنتمي له بصلة الدم ومن تنتمي له بصلة الفكر.

تظل الكاميرا متجولة بنا من مكان إلى آخر لنكتشف ضلع المثلث الثالث الرسام (حسين فهمي) الذي أحب الجميلة التائهة، كمصدر إلهام لتابلوهاته المرسومة مع تدعيمه للذة الحياة في إطلاق جماح الرغبة دون قيود أو روابط معطلة لإتمام المتعة حتى منتهاها كرمز جلي للوجودية التي دعا لها سارتر وترجمها فطاحل الفكر والفلسفة بمصر وسط دوي هائل من الجدل الساخن.

تلك الومضات السينمائية ترجمة صادقة لما حدث في الواقع وقت بزوغ الفيلم للنور، تزامنًا مع خروج التيار الإسلامي من السجون حسب المصالحة التي أجراها الرئيس الراحل أنور السادات لتوطيد أركان نظامه الجديد وسط المقارنات المستمرة بسلفه الراحل الزعيم جمال عبدالناصر.

رأى الميهي بعينه المثقفة وسليقته السينمائية الواعية للمدى البعيد بما يمكن حدوثه بعد خروج القطط المجروحة من السجون متنبئًا بتحولها إلى نمور شرسة في طريقها لالتهام الأخضر واليابس، وهذا ما حدث بالفعل على مدار ما يقرب من نصف قرن إلى وقتنا الراهن.

تتصاعد الأحداث بين كلمات الجميع ودعواتهم لتظل الفتاة حائرة رغم انكبابها على عملها لإيجاد ذاتها المطموسة وسط تغيرات المجتمع، لنرى شجارها المستمر مع أخيها المعلق لآيات الوعيد وكأنه مالك لمفاتيح الجنة والنار حتى مع أسرته ليكون القرار بانعزاله عنهم في سطح المنزل، ليقع فريسة لجارته وقت إغوائها له ليرسب عمليًا فيما يدعو إليه.

 

تنتقل الكاميرا لقرار العالم بالسفر للخارج ليستزيد من دعواتهم البراقة باسم الإنسانية والشعارات اللامعة مع ظهور طقوس الفنان ببوهيميته الواضحة باللجوء للمسكرات والجنس مع تعاطي المخدرات كنوع من أنواع رفض الحياة بأساليب انتحارية ناعمة مع خلفية أغنية (غرباء) بصوت محمد حمام كترجمة تطبيقية، لدعوات شباب العالم لظاهرة الهيبز التي عادت مجددًا وسط موجات الخريف العربي الثانية.

 

يظل الحال كما هو عليه، تستمر الحياة بالجميلة التائهة في عملها وسط ضجيج الثالوث الصاخب إلى أن تتلقى مكالمة من أستاذها الذي أبلغها بموعد وصوله لتستقبله في المطار لتراه تائهًا هرمًا عن أوانه لتعرف سبب هذا التحول من صرخاته، لاكتشافه بعكس ما آمن به في واحة الديمقراطية والإنسانية التي تبنى أركانها على جثث الآخرين.

 

ذلك العالم الذي رفض الدين لمشهد رأه في قريته، وهو بالكُتاب، رجل يقتل شقيقته الجميلة خوفًا من جلبها لعائلتها العار ليكتوى بنار الحيرة بين مشهد الوطن ومشهد الخارج محاولاً العودة لمنبته في رحاب المسجد الذي دخله محملقًا كحملقة شقيق الجميلة التائهة، ليخرج من المسجد دون أن يصل للحل المناسب فيما يعتريه من اضطراب واهتزاز حول الوصول للحقيقة.

كانت الحملقة للعالم والشاب واحدة ما بين سطحية فهم الدين وعداونية فهم الدين، لنكتشف في الثلث الأخير من الفيلم، استقبال الفتاة لمكالمة تخبرها بانتحار العالم لتذهب إلى شقته وسط فريق البحث الجنائي، الذي أخبرها بتركه رسالة لها يدعوها بألا تنجرف وراء الأصوات المحيطة بها دون تفكير وإعمال للعقل حتى لا تصل لما وصل إليه.

 

يختتم الفيلم بمشهد معبر على كوبري قصر النيل وهى تقرر بشموخ مصر بأنها لن تكون أسيرة الآخرين، بل ستفكر حسب ما ترى أين يكون المقر.

 

 


 

 

غرباء.. اسم لفيلم بحروفه الخمسة، الحامل مضامين متعددة في شرح ملابسات الأفكار التي يُحار فيها الإنسان عند تخطيه الخطوات الأولى في الدنيا بقلبه، ساعيًا إلى ما يجلبُ له السعادة كي يحيا الحياة التي تؤكد آدميته.

أُنتج الفيلم في العام 1972 وعُرض يوم 9 أبريل من العام 1973 في أهم فترات مصر بتاريخها الحديث وقت السعي لعبور المستحيل كي تتحرر البقعة الغالية من براثن العدو الصهيوني المستمر حتى الآن في حيله بكل السبل كي يظل الإنسان العربي أسير الحيرة والتفكير في حلقة مفرغة.

من الطريف والغريب أن هذا الفيلم لم تَرد عنه أي دراسات نقدية، وإن ورد، فالمصادر الحاملة لها مجهولة الهوية والطريق.

 

رمزية النصر والهزيمة

 

وعلى الرغم من جودته الفنية من ناحية الكتابة والتصوير والتمثيل والإخراج والموسيقى التصويرية، إلا أن هذا التعتيم حرمه من الفوز بمركز متقدم في قائمة أحسن مائة فيلم في السينما المصرية، ليظل بعيدًا عن العيون والأقلام التي تجعله في أحسن التصانيف الفنية عن جدارة واستحقاق.

إن أردنا أن نُبحر في تلابيب الفيلم ونسبر أغواره المثيرة بتساؤلاته المشروعة نحو سبل الحياة السليمة، فعلينا أن نسير على أسس النقد التكويني في استنباط الأسباب التي أدت لخروج العمل الفني بالمواءمة مع الظروف المحيطة التي أخرجته، كما أشرنا من قبل في لحظات اليأس والإحباط.

مشاهد.. ولقطات

 

في بداية الفيلم، عند دخول الشاب الذي لعب دوره باقتدار شكري سرحان، الفتى الذهبي للسينما المصرية، للمسجد الواقع بالحي القاطن به منغمسًا في العبادة محملقًا في الآيات المكتوبة على الأسقف عله يجد في هذه النظرة الجواب الشافي لما يعانيه من إخفاق في الثانوية العامة، مما سبب له المشاكل الكبرى مع أسرته لينزوي بالمسجد متشبثًا بالدين كأداة هروب وليس كأداة نجاة.

من هنا نستنبط حيرة الشاب بالفيلم من حيرة شباب تلك الأيام، عقب هزيمة 67، حيث انقسم الشباب إلى قسمين، قسم يرى في البعد عن الله سببًا أساسيًا للهزيمة، والقسم الآخر يرى أن التشبث بالدين والتقاليد وتعليق الأخطاء على شماعة القضاء والقدر سبب كبير في تقهقرنا بمعركة الأيام الستة.

 

تقع الفتاة سعاد حسنى التي لعبت دورها ببراعة فائقة في هذا المحك الكبير كلقمة مغموسة بين شقي الرحا، تائهة بين صراع الأفكار كرمز صميم على مصر الحائرة بين أبنائها مُفترسة الثالوث المرعب، كل يفرض قانونه على الجميلة التائهة.

الجميلة التائهة أسيرة تزمت الشقيق الرافض لعملها بأحد الفنادق لمخالفته للشرع، مع تذمره الشديد لحضورها محاضرات المفكر العلماني د. فؤاد (عزت العلايلي) الرافض لإقحام الدين في مناحي الحياة، خاصةً العلم لنرى البراعة الفائقة في السيناريو والحوار لرأفت الميهي والترجمة الإخراجية للمشهد المكتوب لسعد عرفة مع تعبيرية موسيقى فؤاد الظاهري لتفاصيل الصراع المحموم.

يذهب الشقيق للجميلة التائهة كي يأخذها من منزل أستاذها الذي سمع كلماته المعبقة بالكفر البين حسب معتقده، ليصرخ في وجهه قائلاً: كل ما تقوله كفر.

ليزيد العالم في تحديه بعرض لقطات بمجهره السحري، مؤكدًا تصاعد الغرب للقمة لبعد الدين عن العلم لتقف الفتاة شاردة بين من تنتمي له بصلة الدم ومن تنتمي له بصلة الفكر.

تظل الكاميرا متجولة بنا من مكان إلى آخر لنكتشف ضلع المثلث الثالث الرسام (حسين فهمي) الذي أحب الجميلة التائهة، كمصدر إلهام لتابلوهاته المرسومة مع تدعيمه للذة الحياة في إطلاق جماح الرغبة دون قيود أو روابط معطلة لإتمام المتعة حتى منتهاها كرمز جلي للوجودية التي دعا لها سارتر وترجمها فطاحل الفكر والفلسفة بمصر وسط دوي هائل من الجدل الساخن.

تلك الومضات السينمائية ترجمة صادقة لما حدث في الواقع وقت بزوغ الفيلم للنور، تزامنًا مع خروج التيار الإسلامي من السجون حسب المصالحة التي أجراها الرئيس الراحل أنور السادات لتوطيد أركان نظامه الجديد وسط المقارنات المستمرة بسلفه الراحل الزعيم جمال عبدالناصر.

رأى الميهي بعينه المثقفة وسليقته السينمائية الواعية للمدى البعيد بما يمكن حدوثه بعد خروج القطط المجروحة من السجون متنبئًا بتحولها إلى نمور شرسة في طريقها لالتهام الأخضر واليابس، وهذا ما حدث بالفعل على مدار ما يقرب من نصف قرن إلى وقتنا الراهن.

تتصاعد الأحداث بين كلمات الجميع ودعواتهم لتظل الفتاة حائرة رغم انكبابها على عملها لإيجاد ذاتها المطموسة وسط تغيرات المجتمع، لنرى شجارها المستمر مع أخيها المعلق لآيات الوعيد وكأنه مالك لمفاتيح الجنة والنار حتى مع أسرته ليكون القرار بانعزاله عنهم في سطح المنزل، ليقع فريسة لجارته وقت إغوائها له ليرسب عمليًا فيما يدعو إليه.

 

تنتقل الكاميرا لقرار العالم بالسفر للخارج ليستزيد من دعواتهم البراقة باسم الإنسانية والشعارات اللامعة مع ظهور طقوس الفنان ببوهيميته الواضحة باللجوء للمسكرات والجنس مع تعاطي المخدرات كنوع من أنواع رفض الحياة بأساليب انتحارية ناعمة مع خلفية أغنية (غرباء) بصوت محمد حمام كترجمة تطبيقية، لدعوات شباب العالم لظاهرة الهيبز التي عادت مجددًا وسط موجات الخريف العربي الثانية.

 

يظل الحال كما هو عليه، تستمر الحياة بالجميلة التائهة في عملها وسط ضجيج الثالوث الصاخب إلى أن تتلقى مكالمة من أستاذها الذي أبلغها بموعد وصوله لتستقبله في المطار لتراه تائهًا هرمًا عن أوانه لتعرف سبب هذا التحول من صرخاته، لاكتشافه بعكس ما آمن به في واحة الديمقراطية والإنسانية التي تبنى أركانها على جثث الآخرين.

 

ذلك العالم الذي رفض الدين لمشهد رأه في قريته، وهو بالكُتاب، رجل يقتل شقيقته الجميلة خوفًا من جلبها لعائلتها العار ليكتوى بنار الحيرة بين مشهد الوطن ومشهد الخارج محاولاً العودة لمنبته في رحاب المسجد الذي دخله محملقًا كحملقة شقيق الجميلة التائهة، ليخرج من المسجد دون أن يصل للحل المناسب فيما يعتريه من اضطراب واهتزاز حول الوصول للحقيقة.

كانت الحملقة للعالم والشاب واحدة ما بين سطحية فهم الدين وعداونية فهم الدين، لنكتشف في الثلث الأخير من الفيلم، استقبال الفتاة لمكالمة تخبرها بانتحار العالم لتذهب إلى شقته وسط فريق البحث الجنائي، الذي أخبرها بتركه رسالة لها يدعوها بألا تنجرف وراء الأصوات المحيطة بها دون تفكير وإعمال للعقل حتى لا تصل لما وصل إليه.

 

يختتم الفيلم بمشهد معبر على كوبري قصر النيل وهى تقرر بشموخ مصر بأنها لن تكون أسيرة الآخرين، بل ستفكر حسب ما ترى أين يكون المقر.

تعليقات