جداريات .. واقع ثقافي مقبل

  • عمرو عبد المنعم
  • الإثنين 13 مايو 2019, 9:14 مساءً
  • 745

ريشة ثقافية

جداريات .. واقع ثقافي مقبل

بقلم - د. عمرو عبد المنعم
رئيس التحرير


ليس بالبندقية فقط يكون النضال والمقاومة لمن احتل عقلك وفكرك ووطنك، وليست منصات المحافل الدولية تُعَبَر فقط عن معاناة الشعوب والأمم والحضارات، هناك اسلحة كثيرة ومتعددة  يمكن أن تكون مؤثرة.

ذات يوم، وأنا اتصفح صفحات ومواقع السوشيال ميديا، وقعت عيني على لوحة فنية على جدران إحدى مدارس قطاع غزة رسمت بأنامل وريشة فنانين فلسطينيين محاولين توثيق الحدث، حتي يعبروا منه إلي جدران الزمان ، لتكون لهم وثيقة عابرة للحدود والقارات . 

 كانت هذه  اللوحة  جداريات ثنائية وثلاثية الأبعاد، تجسد المعاناة التي يعيشها هذا الشعب تحت الاحتلال الإسرائيلي.

تلك الجدارية التي يصل عرضها 7 أمتار وارتفاعها 3 أمتار، تتوسطها رسمة لقبة الصخرة، والمسجد الأقصى، ومآذن، رُسمت بأبعاد ثنائية، يستطيع المشاهد أن يلمسها بيديه، ومكتوب فوقها كلمات الآذان، ومحاطة تلك العناصر بأحجار إسمنتية تشبه فن العمارة العربية القديمة.

ربما تحمل الجدارية رمزية النضال الفلسطيني، ولكنها تحمل في نفس الوقت بقاء تلك الامة الحاضرة بعبقها التاريخي وقيمها الروحية وميراثها الثقافي والفكري والنضالي .

لقد حملت  اللوحة  اسم "لن يصمت الآذان"، احتجاجًا على مشروع قانون إسرائيلي يقيد رفع الآذان، صادق عليه الكنيست (البرلمان) مؤخرًا.

في هذا الوقت ووسط هذا  التحدي نجد مصر تعيش همًا أخر بسبب هجمات الإرهاب، وسطوة مجتمع غربي تكالب علي الامة لينال  منها.

 مصر الكرامة والحضارة والتاريخ  حاضرة في كل معاناة الشعوب، ورغم وضع مصر الآن وآلامها بسب الإرهاب ، فإن مصر الكرامة والحضارة والتاريخ حاضرة في كل معاناة الشعوب .

ستظل مصر واقفة شامخة أبية ، عينها دائمًا علي مشكلات الجيران والأشقاء العرب جميعًا، لذا رأينا صفوة من جمهرة المثقفين المصريين والعرب يجتمعون معا ليخرجوا منتجًا فكريًا وثقافياً  جديداً يحمل هم الأمة ، وتحدياتها وينقلون للجيل القادم عصارة ما انتجته المعرفة الإنسانية .. وذلك في سطور شهرية تحملها صفحات هذه المطبوعة «جداريات » في قلبها ، حتي تضخها دماء زكية في شريين الأمة جميعا .

 «جداريات »هي استنارة في الزمن المستلب ، هي الوعي في زمن أختلط  فيه الحق بالباطل ، فنجدنا نعيش لحظات فارقة في حياتنا، لحظات تحتاج منا إلي تأمل ، تحتاج إلي وعي وشعاع ينير لنا الطريق ، الطريق لاحترام التعددية في  هذا الكون ،  وسط إرادة الله  الغالبة في هذا العالم .

لقد تساءل  بعض رفقاء الطريق  يومًا: هل مرت بنا ظروف مثل هذه قبل ذلك؟  هل مرت علينا في تاريخ أمتنا ما نعيشه هذه الأيام من المؤامرة التي تحاك لنا ليل نهار، حتي أمسي الحليم حائرًا، والغاضب يائسًا، ورئينا الضعاف يتصدرون المشهد .

وكانت الإجابة في صوت واحد : نعم مرت علينا ظروف واوضاع أحلك من ذلك بكثير، وقد خرجنا من هذه المعركة الضخمة والعاتية بثوب حضاري  ناصع البياض ، بعيدا تمامًا عن الوثنية ومفاهيم الفلسفات  الهدامة ، فالحضارة هذه الامة قانونا لا يحابي أحد ولا ينتصر لباطل مهما كان عتوه .

إن أخطر التحديات التي تواجه الأمة في العصر الحديث هو انبعاث الكثير من المؤامرات التي اجتمعت كلها علي هذا الأمة تحاول ان تنال من عزيمتها ووجدانها وثقافتها ودينيها وتوحيدها ورقيها الفكري والحضاري .

اليوم نجد من يحاول تصور التراث الإسلامي بأنه من السهل  تجزئته وان خير ما فيه هو عقلانية المعتزلة تارة أو حرية الفلسفة اليونانية تارة أخري .

 وأحيانًا يزعمون  أن إحياء الفكر الصوفي الفلسفي هو الحل ، أو إحياء الفكر الشعبوي الباطني يحسم لنا الطريق ،  أو  أن الحل هو احياء فكر الجماعات المتطرفة الهدامة ، أو أن الطريق الصواب أن نجدد التفسير الباطني للقرآن،  أو أن نتيح  الدعوة إلي الالحاد  بكل اشكله وصوره ، من إنكار وجود الإله ، او العبث بمقدسات هذه الأمة  هو ما يحسم معركة الوجود الإنساني. 

بل ووصل الامر إلي احياء أفكار صاحب الزنج والحلاج وعمل مسلسلات تروج أفكارهم ، واخذ البعض يروج لأفكار ملاحدة قدماء أمثال  ابن المقفع و ابو عبيدة  وابو نواس وأبو العتاهية  فهل وسط هذه الخلطة الفكرية الهدامة من نور وضياء؟ .

دائمًا مات يشهد لنا الغرب فهذا هو المؤرخ والعالم هوارد تيرنز howard turner من جامعة تكساس الامريكية في كتابه المهم والذي ترجمه  المشروع القومي للترجمة  «العلوم عند المسلمين » يشهد  ان الحضارة العربية والإسلامية سرعان  ما تسترد بريقها ونجوميتها في اوقات الضعف والهزيمة .

فإذا كانت الاتجاهات الدنيوية قد أثرت في كثير من المظاهر المادية للحياة اليومية في العالم الإسلامي،  أثرت كذلك في جزء معقول من الفكر والاعتقاد ،  فإن حياة المسلمين  مازالت تستمد زادها بشكل يومي واضح من الرسالة السماوية وتسترشد بهديها.

وقد يكون الإسلام تعرض لأمور دنيوية بشكل كبير في القرن العشرين ، لكنه لم يتحول إلي حضارة دنيوية ، وما زالت المواجهة بين المنطق والدين كمصدر للحقيقة المطلقة قائمة في كل المجتمعات الإسلامية في القرن العشرين بشكل حاد لا يضاهيه شيء في الغرب .

ان العالم لن يخسر شيئا لو فتح عقوله لمنطق الأخرين ذوي التوجهات المختلفة، ومهما كان الطريق الذي نختاره فإن الجميع سيشركون في نفس المصير، وفي هذا الصدد من يتعلق بالتقدم العلمي في العالم الإسلامي وغير الإسلامي لابد أن يدرك بصورة أفضل أن أرقي الطرق هي التعايش والتراحم ، وإلا فإن الجميع سيضل الطريق وهذا ما اجتمعت عليه  جداريات .

والله الموفق والمستعان.



تعليقات