أين الله مما يحدث في فلسطين؟!

  • جداريات Jedariiat
  • الأربعاء 29 مايو 2024, 11:28 صباحا
  • 84

رد الباحث في ملف الإلحاد محمد سيد صالح، على سؤال يطرحه أغلب الملاحظة يقول:نرى في الدنيا الكثير مِن الشرور التي تقعُ على عاتق الإنسان، فلماذا خلقَ اللهُ الشرَّ والألمَ طالما أنَّه رحيم؟!

 

وقد يُنكر البعضَ وجودَ الله سبحانه وتعالى بسبب وجود الشر في الكون، مُحتجينَ بالادِّعاء الذي ادَّعاه الفيلسوف اليونانى _ إيبقور _ وهو: "إنَّه إذا افترضنا بأنَ اللهَ كُلِّي الرحمة وكُلِّي القدرة والإرادة كما يقول المؤمنون فإنَّ الأمر لا يخلو مِن أنَّ الله يريد أنْ يمنع الشر ولا يستطيع، أو أنَّه يستطيع ولكنَّه لا يريد، وإمَّا أنه لا يستطيع ولا يريد، أو أنَّه يستطيع ويريد، فإنْ كان يريد أن يمنع الشر ولا يستطيع فهو عاجز وليس كلى القدرة، وبالتالي فلن يكون إلهًا، وإنْ كان يستطيع ولكنَّه لا يريد فهو قاسٍ ليس كلي الرحمة، وبالتالى فلن يكون إلهًا، وإنْ كان لا يستطيع ولا يريد فهو أشدُّ عجزًا ونقصًا، وإن كان يستطيع ويريد، فما تفسير وجود الشر في الكون إذن؟! ولا تفسير لذلك إلا أنَّه غير موجود".

وفي إجابته على تلك الشبهة، قال محمد سيد صالحف: ي الحقيقة أنَّ هذه الشبهة مِن أهم وأخطر الشبهات، وتُعد مُعضلة الشر وصخرة الإلحاد كما وصفها الشاعر الألماني المُلحد _جورچ بوخنز _ ومازال الاهتمام بسؤال الشر في الوجود يتضخم وخاصة بعد كلِّ حادثة وصاعقة كبيرة، كالزلازل والكوارث التي يهلك فيها الكثير.

والإجابة على هذه المُعضلة مِن عِدة وجوه، هي:

 

أولًا:

تخيلْ معي أنَّ أحد أصدقاءك أجرى عملية جراحية في إحدى المستشفيات الكبرى، فقررتَ الذهاب لزيارته والاطمئنان عليه، فلمَّا ذهبتَ إلى المستشفى وجدتها مُحاطة بسور كبير وبوابة، وبعد البوابة مكان واسع لانتظار السيارات ويتوسطه المبنى الرئيسي للمستشفى، وواجهة هذا المبنى مطلية بألوانٍ هادئة مُريحة للبصر، ويتوسطها بوابة دخول، وبعد دخولك إلى هذا المبنى وجدتَ في الطابق الأول مكتب استقبال وكراسي انتظار ، ومكان خاص لصرفِ الدواء، ومكان آخر لبيع المأكولات والمشروبات الخفيفة، ثم صعدت للطابق الثاني فوجدتَ به عيادات الأطباءِ للكشفِ على المرضى، ثم صعدتَ للطابق الثالث فوجدتَ فيه مركز للأشعة وآخر للتحاليل الطبية، ثم صعدت للطابق الرابع فوجدت فيه غرفة خاصة للجراحة والعمليات، فدفعك فضولك لدخولها، وحين دخلتها وجدت بها سرير وكشافات إضاءة وطاولة عليها بعض مِن أدواتِ الجراحة التي تُستخدم في العمليات كالمشرط الحاد والمقص وغير ذلك من الأدوات التي يتم بها جراحة المريض، فتعجبتَ من وجود هذه الأدوات التي تحمل في ظاهرها مظهر مِن مظاهر الشرِّ والألمِ؛ لأنَّها تستخدم في فتح وقص جسد المريض، فدفعك هذا لإنكار أنَّ لهذا المستشفى الضخم صانع صنعها أو مهندس نظمها لاستحالة أن يجتمع إنسان ذي عقلٍ ورحمة يضع مثل هذه الأدوات في هذا المكان، إذن المستشفى وجدت عبثًا، فهل هذا القول يُعقل وهل يقبله إنسان واع عاقل على سطح الأرض؟!

يستحيل أن يُقبل هذا القول وأقل ما فيه سيقال عنه جنون، فضلًا عن أنَّ أدوات الجراحة التي تحمل في ظاهرها نوعًا مِن الألم لَهِي تحمل في باطنها نوعًا من الخير الكبير لأنَّ بها يتحقق الشفاء للمريض.

هكذا حال مَن أنكر وجود الله سبحانه رغم آياته العظيمة التي في الكون مِن مجراتٍ وكواكبٍ وشموسٍ وأقمارٍ ونجومٍ وسماوتٍ وأراضين وبحار وأنهار ومخلوقاتٍ كثيرة متنوعة، فضلًا عنْ ضبطِ الكون المُحكم وثوابته، أنكرَ وجود خالق عظيم حكيم مُريد لهذا الكون العظيم المُعقد، لمجرد شرور نسبية في الكون بدلًا مِن البحث عن الأسباب والحكم مِن وراء تلك الشرور، وبلا شك فإنَّ هذا قمة العبث.

 

ثانيًا: اعتراض هؤلاء على وجود الله بسبب وجود الشرِّ في الحياة هو اعتراض يدل على عدم فهم وإلمامِ صاحبه بصفات الله سبحانه، فظنَّ أنَّ الإله لابد أن يتصف بالرحمة فقط ولا يتصف بشيءٍ غيره، وغاب عنهم أنَّ مِن تمام كمالِ الله سبحانه أنَّ له صفات كثيرة، فكما أنَّ الله رحيم فهو أيضًا عدل وجبار ومنتقم وعليم إلى آخر صفاته، وأنَّ هذه الصفات جاءت مُتضافرة وحتمًا سيكون لها آثار ومقتضيات.

ومِن خلالِ المثال التالي نفهمُ أنَّ اتصاف الله بصفةِ الرحمةِ فقطْ هو دليل على النقصانِ وليس دليلًا على الكمال، والله مُنزه عن ذلك النقصان.

تخيلْ معي لو كان المعترض على وجود الله بسبب الشر يعمل في شركة ما هو وصاحبه، وكان صاحب الشركة رجل متصف بالرحمة فقط، ولا يتصف بالعدل أو بغيره مِن الصفات، (قم حان وقت العمل)، فكان هذا المُعترض حريص كلَّ الحرصِ على النظام وإتمام عمله على أكمل وجه، ودائمًا كان يحضر في مواعيد العمل المحددة له وينصرف في مواعيد الإنصراف المحددة له، وكان يحرص على ألَّا يغيب، وفي المقابل زميله الذي يعمل معه في نفس المكان، كان لا يكترث، وكان مستهترًا بالعمل يأتي يومًا ويغيب عشرة، وحينما يأتي إلى العمل، يأتي مُتأخرًا وينصرف مبكرًا ولا يُراعي عمله وواجبه، ثم جاء موعد استلام رواتب المرظفين، فحصل المجتهد على راتبه كاملًا، وكذلك المُستهتر حصل على راتبه كاملًا رُغم تقصيره في العمل وعدم التزامه، فتعجب هذا الموظف المُلتزم فقررَّ أنْ يسأل صاحب العمل عن مساواته بزميله الآخر الذي كان مُستهترًا دومًا. فقال لصاحب العمل: كيف تساوي بيني _ رغم التزامي بقوانين العمل وحرصي على عدم الإخلال بها_ وبين من لا يحترم تلك القوانين ولا يراعي واجباته؟! فأجابه صاحب العمل: ساويتُ بينكما لأنَّنى رجلٌ رحيمٌ وما أحببتُ معاقبته!! هُنا ما الذي سيقع في نفسِ الموظف المُلتزم؟! حتمًا سيشعر بالظلمِ وسينظرُ لصفةِ الرحمة التي هى عند صاحب العمل على أنَّها صفةُ ظلمٍ ونقص، وليستْ صفة كمال، ولربما يبدأ _أيضًا_ في الاستهتار بالعملِ مادام الكلُّ يتساوى، وهذا حتمًا سيؤدي إلى انهيار الشركة؛ لأنَّ كل مَن فيها سيعتمدون على صفة الرحمة التي لا يتصف صاحب العمل إلا بها .

فالشاهدُ؛ أنَّ مَن ظنَّ أنَّ الله لا بُدَّ أنْ يكون رحيمًا فقط، فهو يُسيء الأدب مع الله، ويظن فيه النقصان.

فَمِن كمال وجوده سبحانه، واتصافه بصفاتٍ كثيرة ومتعددة، تدل جميعها على كماله سبحانه وعظمته.

 

ثالثًا: مَن يعترض على وجود الله بسبب بعض الشرور النسبية التي تقع في الحياة، لا يعرف حقيقة الدنيا! ومِن رحمة الله بنا أنَّه لم يخلقنا عبثًا دون أن يخبرنا بحقيقة الدنيا، بل أخبرنا أنَّ هذه الحياة الدنيا ما هي إلا دار ابتلاء واختبار، فقال سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ)()، وهو أيضًا الذي قال : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ )()، وهو القائل سبحانه: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص ‏من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين)() ، وهو الذي أخبرنا على لسان نبيه _صلى الله عليه وسلم _ أنَّ مِن أركان الإيمان؛ الإيمانُ بالقدرِ خيره وشره.

فحين يعرف الإنسانُ أنَّ هناك قدر في المستقبل قد يأتي في صورة خير أو شر فهذا يُقللُ مِن صدمته حينما تقع عليه وتجعله صابرًا محتسبًا ومطمئنًا بمَن أخبره بحقيقة الدنيا، فتجد المؤمن راضيًا بقضاء الله وقدره وصابرًا على ما فيه مِن بلاء لعلمه أنَّ بعد بلاء وشقاء الدنيا خير ينتظره، قال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )().

وهذا ما يدفع بالمؤمن نحو الصبر على البلاء، بل ويشكر الله عليه، فيعيش بذلك في سلامٍ وأمانٍ حتى وإنْ كان أشقى النَّاس، أمَّا غير المؤمن به والمنكر لوجوده، يعيش في قلق وبُؤسٍ وهمٍّ وغمٍّ لظنِّه أنَّه سيُظلم في الدنيا لوقوع بعض الشر عليه، ثم يموت ويتساوى مع غيره مِن الظالمين فيعيش في همِّ التفكير وتقف حياته.

 

رابعًا: إنَّ انكار الإنسان لوجود الله بحجة وجود الشر في الحياة لنْ يجعل الشر ينتهي مِن الحياة، بلْ يُساهم في زيادة الشر في الحياة، لأنَّه يعتقد أنَّ الحياة عبثية يعيش فيها الإنسان ما يعيش ثم يذهب بعد موته إلى التراب دون أنْ يجدَ مَن يعاقب الظالم ويُكافيء المظلوم، فهذا الفكر الإلحادي يُؤدي بالبعض إلى ارتكاب صنوفًا وألوانًا مِن الجرائم ولا يُبالى الواحد منهم بالآخرين مادام يجد في ارتكابه للجرائم لذته ومتعته، ومادام سيموت ولنْ يجد مَن يُحاسبه على أفعاله.

وفي ضوء ذلك أستعرض أمامكم أشياء مِن فكر بعض الفلاسفة حول العدالة:  

 

الحياةُ أفضل مع انعدام العدالة، والإنسان العادل أَبْله !!

 

إنَّ الناسَ الذين يتصرفون بِمَعْزلٍ عنِ العدالةِ شريطةَ أنْ يُحصنوا أنْفُسهم مِن العقاب، يعيشون بالتأكيد حياة أحسن مِن النَّاس العدول الأمناء.

والسببُ أنَّ العدول لا يأخذون إلا حقهم فقط، أمَّا غير العدول فيأخذونَ كلَّ ما يسعهم أنْ يأخذوه. فضلًا على أنَّ العدول ينحازون بمسؤولياتهم على حساب أنفسهم؛ لأنَّ العدل يتطلب مِن صاحبه أنْ يُضحي بالمال والوقت أحيانًا، أمَّا غير العادل فسيجد سبيلًا للتخلص مِن مسؤولياته متى كان التخلص منها في مصلحته، فربما يُحَمِّلها غيره؛ ليرتاح هو من مشقتها.

فمثلًا لو وجدتَ حقيبة مُلقاة على الأرض فيها خمسة آلاف دولار، وبطاقة شخصية تدل على صاحبِ الحقيبة، فالعدلُ يطالبكَ بأنْ تبحثَ عن صاحب الحقيبة مِن خلال قِسْم الشرطة أو السجل المدنى الذي يملك بيانات النَّاس، وهذا يحتاجُ إلى انتقالاتٍ مِن مكانٍ لمكانٍ وهذه الانتقالات تحتاجُ لمالٍ وبعض مِن الوقت، وفي النهاية لنْ تستفيدَ شيئًا، فالمالُ سيعود لصاحبه وأنتَ، لربما تأخرتَ على عملك.

أمَّا لو كنتَ غير أمينٍ، ستأخد المال وتشتري الهاتف الذي تتمناه والملابس الجميلة، والعطر المميز.

 

وإذا قال قائل: إنَّ الأمانةَ لها ثمرة؛ ألا وهي إعجاب الآخرين بكَ، وقربهم منكَ، ومعاملتهم الحسنة لكَ، فَمِن الممكنِ أنْ يتفادى الإنسان هذا الأمر بشيءٍ مِن المكرِ؛ تتظاهر بالعدل والأمانة ،لكنْ مِن داخلكَ تكونُ غير عادل وغير أمين، فتتلذذ مثلًا بقتلِ إنسانٍ يُعكرُ صفوك في سبيل أنَّك ترتاح منه ثم تذهب وتبكي في جنازته، بلْ تأخذ أنتَ واجب العزاء بنفسكَ، ومن الممكن أنْ تسرقَ أموال جارك، ثم تذهب في الصباح لتبحث معه عن السارق..!

وهنا تكون سعدتَ بالمالِ، واستفدتَ مِن خيانتكَ وظلمكَ، وأيضًا جنيتَ ثمرة العدلِ مِن إعجاب النَّاس، وسعادتهم بكَ بنفاقكَ ومكركَ!  

 

هذا الفكر هو فكر بعضٍ مِن الفلاسفة السوفسطائيين كـ (ثراسيماخوس وغلوكون )().

 

في الحقيقةِ وفي ظلِّ التفكير المادي الإلحادي هذا الكلام منطقي جدًا، فَمَا المَانع إذا كنتُ آمن العقاب أنْ أسرق، وأقتل، وأغتصب، وأتلذذ بكلِّ شهواتِ الدنيا على حسابِ غيري ما دمتُ سأموتُ، وأصبح مجرد حفنة مِن التُراب وأتساوى مع غيري؟! ستقول لي: أينَ إحساسكَ بالآخرين، أو شعوركَ بتأنيبِ الضميرِ أو ما شابه؟!

أقولُ لكَ: كلُّ هذه المشاعر لا قيمة لها مع الحياة المادية،  

المهم ماذا سأجنى أنا، وراحتي وسعادتي أنا.

 

أمَّا الإيمان بالله سبحانه، ويوم الحساب، والجنة والنار كلُّ هذه أمور تجعل الإنسان يعرفُ أنَّ حياته لمْ تنتهِ بعد موته، بلْ سينتقل إلى دارٍ أخرى يُرَدُّ فيها المظالم لأهلها.

الإيمانُ باللهِ يجعل الإنسان يفكر في عدمِ ظُلْمِ النَّاس، وإنْ كان بداخله يميل إلى ذلك خشية العقاب في الآخرة، والإيمانُ بالله يُعيد الإنسان لفطرته، ويجعله يُدرك أنَّ هناك مشاعر لا تُقاس بالنظرةِ الإلحادية المادية.

 

لِذَا الإلحاد يدعو إلى الفساد ونشره، والإيمان يدعو إلى العدل والأمانة والحفاظ على حقوق الآخرين. فإنكاركَ للهِ بسببِ بعضِّ الشرور التي تقع في الحياة لن يقضي على تلك الشرور، بلْ يزيد بها.

 

خامسًا: الشرور في الحياةِ نوعان، وهما:

النوع الأول: شرورٌ تقع مِن الإنسان وبمحض إرادته؛ كالقتلِ والخيانةِ، والنصبِ والسرقةِ، والاغتصاب إلخ..، ومِن رحمةِ الله سبحانه أنَّ هذه الشرور لمْ يأمرْ اللهُ بها الإنسان، بلْ نهى عنها وجَرَّمَهَا، وأمرَ الإنسانُ بكلِّ ما هو خير، بعدما منحَ الإنسان عقلًا يُميز به بينَ الخيرِ والشرِ، والقبح والجمال، ومَنَحه إرادة مِن خلالها يستطيع الإنسانُ ترك الشر والبُعد عنه، بلْ والتصدي إليه، فإنْ ارتكب الإنسان مِنَّا شيئًا مِن هذه الشرورِ بمحضِ إرادته فلا يَلُومَنَّ إلَّا نفسه؛ لأنَّه كانَ قادرًا على عدم الوقوع فيها بنفسِ القدرةِ، والإرادة التي جعلته يُوقع نفسه فيها.

وإنْ تحججَ الإنسانُ أنَّ الله هو الذي قدَّر له فعل ذلك، وأنَّه ليس له ذنب في ذلك، أقول له كذبتَ لأنَّه لو أشعل رجل أمامكَ نارًا، ثم اقترب بالنارِ نحوكَ ليحرقكَ بها لفررتَ منه هاربًا بمحضِ إرادتكَ، ولنْ تقفَ أمامه مستسلمًا بحجةِ أنَّ اللهَ هو مَن قَدَّرَ عليكَ ذلك، وكما أنَّكَ أخذتَ بالأسبابِ وفررتَ مِن نار الدنيا عليكَ _ أيضًا_ أنْ تأخذَ بالأسبابِ، وتفرَّ مِن نارِ الآخرة بتركِ النواهي، وعدمِ الخوضِ في الشرورِ، وإنْ وقعتَ في شيء مِن تلك الشرور التي تدخل ضمن دائرة قدرتكَ وإرادتكَ، لكنْ أثر عليكَ مُؤثر خارجي أفقدكَ القُدرة على عدم الوقوع فيها، فلنْ يعاقبكَ الله على ذلك؛ لأنَّه عدل ،وحرَّم الظلم على نفسه.

وأضرب مثالين على ذلك:

المثال الأول: المسلم البالغ العاقل فُرضَ عليه الصوم، والإمساك عن الطعام و الشراب في نهار رمضان، فإنْ استيقظَ ناسيًا صيامه، ثم فتح باب الثلاجة وشرب، ثم أكل ناسيًا، ثم تذكر بعد ذلك فلنْ يُعاقبه الله على هذا، وعليه أنْ يُمسك على نفسه مُجددًا بعد تذكره، وسينال أجر الصيام كاملًا؛ لأنَّ النسيانَ أفقده حرية الاختيار.

المثال الثاني: مِن المعلوم أنَّ المسلم إذا سبَّ مُعتقداته ومُقدساته عمدًا يأثم على ذلك، لكنْ لو أجبره شخص ذو نفوذٍ على سبِّ مُقدساته بعدما قام برفعِ السلاح عليه وهدده بالقتل، ثم فعل الإنسان ذلك وسبَّ مقدساته بلسانه دون قلبه، فلن يُعاقبه الله على ذلك؛ لأنَّ هُناك عامل مؤثر ألا وهو استكراهه على فعل هذا الشيء أثر على حرية اختياره، والدليل على ذلك ما حدثَ مع عمَّار بن ياسر _ رضي الله عنه_، فقد أخرجَ البيهقي والحاكم واللفظ له، عن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه، قال: أخذَ المشركون عمار بن ياسر، فلمْ يتركوه حتى سبَّ النبي _صلى اللَّه عليه وسلم _، وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه. فلما أتى رسول اللَّهِ _صلى اللّه عليه وسلم_ قال له عليه الصلاة والسلام: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول اللّه، ما تُرِكت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: فكيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان، قال: فإن عادوا فعد. وقد ذكر غير واحد من أهل التفسير أنَّ عمار هو الذي أنزل الله تعالى في شأنه هذه الآية، وهي قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمان)().

وفي الحديث: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه)()؛ لأنَّ الخطأ والنسيان والاستكراه يُخرج الإنسان مِن دائرة الإرادة إلا دائرة فقدان الإرادة الوقتية، ومن رحمة الله جل في علاه أنَّه لن يعاقبنا _نحن البشر _ إلا على الأفعال التي صدرتْ منَّا بمحض إرادتنا.  

 

النوع الثاني: شرور تقع خارجة عن قدرة الإنسان ولا دخل للإنسان بها؛ كالزلازل والبراكين وغير ذلك، وهذه لن يعاقبنا الله عليها بلْ أوجدها سبحانه لحكم عديدة، منها:

•ليذكرنا بيوم القيامة وقدرته عليها سبحانه، يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون فيها الجبال _ رغم عظمتها وشدتها_ كالعهن المنفوش.

•ولأنَّ الحياة ما هي إلا دار ابتلاء، وأنَّ لها دور وستنتهي بعد ذلك فهذه الظواهر الطبيعية تساعد في تآكل الحياة وانتهائها؛ لتصل لغاياتها.

وخلاصة ما تم سرده في الصفحات السابقة، ما يلي:

•ليس مِن الفكر السليم، والعقل الصحيح أنْ نُنكر وجود الله سبحانه بسبب رؤيتنا لبعضِ الشرور النسبية التي تقع في الحياة، في حين أنَّ الكون بما فيه من شواهد عظيمة تُثبت لنا وجوده سيحانه.

•أنَّ الله سبحانه يتصف بصفاتٍ متعددة، وهذه مِن كماله، أمَّا الاقتصار على صفة الرحمة فهذا يُعد نقصًا.

•أخبرنا الله سبحانه بحقيقةِ الدنيا، وأنَّ الدنيا دار إبتلاء، وهيأنا نفسيًا لقبول أي بلاء، ووعدنا وبشرنا بجنةٍ عرضها السماوات والأرض، إنْ صبرنا على هذا الابتلاء.

•هناك يوم تُرد فيه المظالم، وينال كلَّ ذي حقٍّ حقه.

•انكار وجود الله لن يُخلص العالم مِن الشر، إنَّما يساهم ويساعد في زيادته بشكلٍ كبير.

•قد يحمل الشيء شرًا مِن جهة ويحمل خيرًا كبيرًا خلفه من جهة أخرى.

•لن يعاقبنا الله على شيء وقع خارج قدرتنا وإرادتنا.

•أنَّ الله سبحانه لمْ يأمرنا بارتكاب شرٍّ، بل أمرنا باجتنابه، وأخبرنا بعواقبه، فالعقل والفطرة يُحَتِّمَانِ علينا اتباع أوامره، واجتناب نواهيه.

 

لذا فإنَّ السلامة، والطمأنينة، والفلاح، والصلاح مع الإيمان بالله وحده، والخوف، والضياع، والفشل، والظلم، وزيادة الشرور مع إنكار وجوده.

 

واختتم محمد سيد صالح مشيرا إلى أن أمر المُلحد مُثير للعجب، لماذا؟!

لأنَّه يؤمنُ بشئ آخر غير الله، هو الذي أوجد الكون، ونتج منه هذه الشرور أيضًا. بمعنى أوضح لو تنازلنا جدلًا مع المُلحد الذي أنكر وجود الله بسبب الشرور التي في الحياة، وآمنا أنَّ الطبيعة، أو المادة، أو اللاشيء هم من أوجدونا وأوجدوا الشرور في الحياة فالشرورُ نابعة منهم وهم مصدرها، إذن المُلحد يؤمن بالمادة الظالمة الشريرة، فكيف يؤمن بشيءٍ شرير؟!

 

ولو قال المُلحد لا نلوم المادة؛ لأنَّها غير مُدركة، أقول له: "أنت أجبت على نفسك" حينما قُلت: إنَّ المادة غير مُدركة، فكيف تكون المادة غير المُدركة وغير الواعية وغير المبصرة أوجدتنا، ومنحتنا الإدراك، والوعى والبصيرة؟! كيف تعطينا شيئًا لا تمتلكه أساسًا؟

تعليقات