رئيس مجلس الإدارة

أ.د حسـام عقـل

إبراهيم عبد الغفار يكتب: متى نصر الله؟

  • جداريات Jedariiat
  • الخميس 23 مايو 2024, 3:36 مساءً
  • 101

قبل أن نجيب على هذا السؤال لابد أن نتعرف على بعضٍ من صور النصر التي ذكرت في المحاضرة؛ لأن الجواب عن مفهوم النصر سيقودنا إلى معرفة المعنى الحقيقي للنصر ومتى يتحقق:

 وأما صور النصر والتمكين فهي متنوعة؛ فقد يكون النصر :

بثباتهم على الحق وإن قتلوا في سبيل الله؛ مدافعةً عن هذا الدين وإرغاما لأعداء هذه الملة.

وقد يكون النصر حصول الغلبة المادية والعسكرية لهم.

وقد يكون النصر بصور أخرى متعددة، نحن لا نوجب على الله شيئًا، ولكن في المقابل الله -تبارك وتعالى- يبين أنه يبتلينا بذلك.

إِذًا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ كما كان يحدث في الأمم السابقة بالإهلاك، بعذاب من عنده سبحانه وتعالى، قال: ﴿وَلَكِن لِيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) أي شرع لكم الجهاد وقتال الكفار؛ ليختبركم ويبلو أخباركم، كما قال سبحانه وتعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: ١٤٢) ، وكما قال الله -عز وجل- في حكمة ذلك: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ

غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ١٤-١٥].

شروط  تحقيق النصر:

أما عن  بيان شروط النصر، وسنة الله سبحانه وتعالى- في حدوث التدافع بين المؤمنين والكفار، وحدوث الإدالة، وابتلاء المؤمنين بهؤلاء. قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُركُم ﴾.

🏻 قال القرطبي: "إن تنصروا دين الله ينصرهم على الكفار". وقال ابن كثير هنا: "كقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ﴾ [الحج: ٤٠] ، فإن الجزاء من جنس العمل". هذه سنة ماضية؛ أي إن أردنا نصرة الله -سبحانه وتعالى- لا بد أن ننصر هذا الدين في أنفسنا، في بيوتنا، في مجتمعاتنا، في دولنا، ننصر دين الله تبارك وتعالى- ونسعى في تكثير الخير، ومواجهة الفساد، وأن تؤوب الأمة إلى دين رب العالمين - سبحانه وتعالى- ؛ فحينئذ يتنزل نصر رب العالمين -عز وجل- ووعد الله -سبحانه وتعالى- لا يتخلف إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: ١١]. إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ .

وهذا التثبيت يكون على عدة أوجه، كما أُثر عن السلف:

إما أن يكون معناه ويثبت أقدامكم على الإسلام؛ فتثبتون على الإسلام حتى تُفضوا إلى الله تبارك وتعالى-، كما أُثر في الدعاء - وإن كان في سنده مقال-: "اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا بالإسلام حتى نلقاك، مَسَكنا بالإسلام قائمين وبالإسلام قاعدين وبالإسلام راقدين ولا تشمت فينا عدوًا ولا حاسدًا".

وعلى الوجه الآخر (وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ أي عند القتال إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ) [الأنفال: ١٥]، إذًا هذا التثبيت في هذا الموطن الذي تزل فيه الأقدام فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا ، هذا تثبيت يكون من نصر رب العالمين -سبحانه وتعالى-.

ولهذا أذكّر بالمعنى الذي ذكرته آنفًا؛ أن النصر ليس له صورة محددة، ومفهوم النصر بالنظر إلى القرآن له معانٍ أخرى، قد يكون النصر بحصول الثبات من المؤمنين حتى يُقتلوا في سبيل الله، ويثبتون على هذا الدين هذا نصر حقيقي.

وقد يموت صاحب الدعوة ولا يرى أثر دعوته، ولا يرى نصرًا في حياته كما كان من حال غلام الأخدود، فإنه قتل في سبيل الله -سبحانه وتعالى-، وكان من وراء ذلك أن أمن الناس جميعًا، وقالوا آمنا بالله رب الغلام.

فقد يكون هذا نوع من النصر، قد يكون النصر بظهور هذه العبوديات وتوبة الناس إلى رب العالمين -سبحانه وتعالى-، وتنشئة الأجيال على وعي بهذا الدين واستعلاء بهذه العقيدة، وانتماء لهذه الأمة، واستعداد للبذل والتضحية كل هذا نوع من النصر حقيقةً.

قد يكون النصر ببيان حقيقة الكفر والمفارقة، أليس من النصر في هذه اللحظة التي نحن فيها أن تعرت دعاوى النسوية وحقوق الإنسان والشذوذ، دعاوى اتفاقات إبراهام والدين الإبراهيمي، دعاوى التسوية بين الإسلام وغيره دعاوى العلمانية، كل هذه المذاهب الوضعية الأرضية الفاسدة الكاسدة أين هي اليوم؟ هذه من حكمة رب العالمين - سبحانه وتعالى- لكي تتجلى الأمور؛ لِيهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ [الأنفال: ٤٢] ، هذا وعد الله -تبارك وتعالى، وحكمة الله -عز وجل-.

وقد يكون النصر أيضًا بحصول الغلبة أحيانًا وبالإدالة علينا أحيانًا، ولكن العاقبة للمتقين.

قد يكون النصر أيضًا بحصول الغلبة المادية للمسلمين والقوة لهم والتمكين في الأرض، إذًا النصر -يا عباد الله - لا نحصره في مفهوم محدد، الله عز وجل يدبر لهذا الدين، والله ناصر هذا الدين بنا أو بغيرنا، ولكن الشرط الذي تعلقت به هذه الآية ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ.

 

الشرط الذي ذكره الله -عز وجل- في آية أخرى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا

 الشرط

يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ [النور: ٥٥] تحقيق هذه العبوديات في الظاهر والباطن، في الفرد والأسرة والمجتمع والدولة؛ كل هذا فيه تحقيق لنصر رب العالمين -سبحانه وتعالى-، وتثبيت لقلوب المؤمنين، وتثبيت أقدامهم عند القتال، وعلى الإسلام.

والمعنى الأخير أن تثبت أقدامهم على الصراط يوم القيامة.

وبعدها في المقابل قال الله -عز وجل-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ ﴾[محمد: 8]، أصل التعس أي من الانحطاط والعِثار، ولهذا جاءت اللفظة هنا على النصب للمصدر كما قال ابن عباس : (فَتَعْسًا لَهُمْ) أي بُعدًا لهم، والمراد به الدعاء عليهم. كما قال النبي "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم" [أخرجه البخاري: ۲۸۸۷] المراد هنا الدعاء عليهم. فقوله -تعالى-: "فَتَعْسًا لَهُمْ" أي أنه سيعود عليهم الانحطاط والغلبة.

ثم قال: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ وأضل أعمالهم أي أحبطها وأبطلها كما ذكرت في مطلع السورة، وكان ذلك من جزاء أنهم كرهوا ما نزل الله .

قال - تعالى -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ [محمد: ۹] فلا يريدون سماعه، ولا يحبونه ويصدون عنه ويَلْغون فيه.

كما قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ﴾ [فصلت: ٢٦] فكان من جزاء ذلك أحبط الله -سبحانه وتعالى- أعمالهم، وردَّ كيدهم في نحورهم.

تعليقات