علاء جانب يكبت: « إن إلى ربك الرُّجعى»

  • جداريات Jedariiat
  • الأربعاء 27 مارس 2024, 1:54 مساءً
  • 115
علاء جانب

علاء جانب

حاولت أعثر على شواهد تدلني على استعمال كلمة " الرجعى" وسياقاتها في شعر العرب لا سيما في عصور الاستشهاد به فأعوزني الشاهد

فلعل ذلك لقلة ما في يدي من مراجع أو لأن الكلمة لم تشد انتباهي وتجذبني هذا الجذب الي فعلته بي في سورة  "العَلَق" { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ }

لأنني أكتب على الهاتف مباشرة والوقت أضيق من البحث ..

وسورة "العلق" أول ما نزل من القرآن الكريم على قلب النبي الكريم العظيم الجاه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم..

وقد كانت مناسبة نزولها الأولى في أبي جهل عمرو بن هشام الذي توعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بأنه إذا رآه ساجدا لله عند الكعبة ليعفرن-خسئ وخاب - وجهه في التراب ..

فلما جاء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أغلظ له القول ونهره فخاف أبو جهل والخائف صوته عال يغطي به خوفه وجبنه .. فقال بأي شيء تهددني يا محمد ألا تراني أكثر القوم ناديا ..

فنزلت الآيات " فليدع ناديه سندعو الزبانية"

قال سيدنا ابن عباس رضي الله عنه لو دعا ناديه حينها لتخطفته الزبانية عضوا عضوا ..

والقصة مذكورة في كتب التفسير وكتب السيرة وأسباب النزول لمن أراد تفاصيلها ..

وفي سورة العلق عجب عاجب .. في أمر المقابلات بين السماوي والأرضي والدنيوي والأخروي والرباني والمخلوقيّ..

فهي تبدأ بقوله تعالى لنبيه اقرأ.. والنبي لم يك قارئا.. ففيها لفتٌ إلى طلاقة القدرة لأن العلم ليس من المخاليق

وإنما هو من الخالق

والخالق أراد أن يخرق لك القانون فعلمك أن تقرأ باسم الله ..

اقرأ باسم ربك الذي خلق ..

وبدأ ب "الذي خلق " من صفات الله ليلفت قلب حبيبه إلى ما يفعله ذكر الله خصوصا البدء بالتسمية في الفعل  يعطيك من الله صفة الإيجاد غير أنه من الله إيجاد من عدم ومن المخلوق تشكيل من موجود ..

فإذا قلت يا محمد باسم الله حصل في نفسك ناتج القراءة وكتب في قلبك ما تلهج به لتحفظه ولا تنساه .. لذلك قال له سبحانه في القيامة : " لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه "

ثم قال : خلق الإنسان من علق .. وإني لأتخيل قلب النبي صلى الله عليه وسلم والله يذكره بخلق الإنسان ومراحل تكونه وأن أوله تلك النقطة من الدم الغليظ وهي شيء قذر تافه لا ينظر إليه من يراه مجردا إلا باشمئزاز وقرف .. فانظر كيف رقّاه خالقه وسواه بشرا كاملا وخلق له السمع والبصر والفؤاد وأعطاه لكل حاسة لذائذ وفوائد!!

ألا يستصغر النبي -بعد ذلك- شأن أبي جهل ؟!

وهب أن ملايين من مثل أبي جهل ما عساها تفعل مع رجل اختاره الله لتشريف البشرية كلها إذ جعله الرسول بين الله وخلقه الذين أراد أن يشرفهم بتعريفهم إياه ورجوعهم إليه وأن مرجع الإنسان في إدارة حياته آن أن يتخلص من الهوى والفوضوية وأن يكون على منهج أرسله الله تعالى للناس عبر رسولين رسول من السماء هو جبريل ورسول من النور هو محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم..؟!

ثم قال اقرأ.. وربك الأكرم ..

" الأكرم " بصيغة التفضيل المطلقة .. فليس الله أكرم من أحد يشاركه الكرم حاشاه فهو مصدر كل كرم والكرماء من خلقه من خلقه فهم منه وإليه ..

وإنما هو الأكرم هكذا الأكرم في وحدانيته والأعلى في قدسيته وكل ما كان لله على وزن أفعل فهو لا يدل على مشاركة في الفعل وإنما يدل على السعة والشمول اللذين يليقان بذاته سبحانه ..

تأمل وضع "العلق" مع "الأكرم" الذي علم بالقلم ..

علم الإنسان ما لم يعلم ..

ثم يطغى الإنسان ..

كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ..

لقد انصرفت الآية عن أبي جهل لتجعل من عتوّه وكبره وعناده نافذة إلى تذكير الإنسان بأن هذه الصفات الإبليسية أخرجت إبليس من الرحمة إلى ضيق اللعنة ..

ومع ذلك يطغى الإنسان ..

يطغى بالقوة حين يشتد عوده

وبالمال حين يتوهم نفسه مالكا متصرفا وهو مملوك لا يملك نفسه ..

ويطغى بالبنين إذا رزقه الله بنين

ويطغى بالعقل وبالذكاء ناسيا أنه مؤتمن على نعمة

ويطغى بالقبيلة والنادي والعائلة والمنصب والجاه ..

وما ذلك إلا لأنه استغنى ..

استغنى بالنعمة ونسي الرب الذي أنعمها عليه ..

إن إلى ربك الرجعى ..

لم يستخدم الحق سبحانه مصدراً: الرجع ولا الرجوع ولا الرجعان ..

وليس لي أن أقول في ذلك إلا ما أستشعره من صيغة "فُعلى" ومن تلقيه من هالة واسعة الدلالة شاملة المعنى مفتوحة التصور ..

من أول إيقاع جرسها إلى تناسب حروفها في التنسيق بين المخارج والصفات لتؤدي هذا الجو الذي ينطلق من الخاص في الحديث عن أبي جهل إلى العام في خطاب نبي مرسل إلى العالمين ..

هذا جو السورة .. التي تلفت الإنسان إلى أوليته المعدومة ثم المخلوقة أطواراً ..

الرجعى..

وآه من الرجعى كل شيء إلى الله مرجعه .. لكن أتراك لاحظت  معي أن كلمة مرجع في مثل قوله تعالى " إلى الله مرجعكم جميعا " خاصة بالناس ؟!

وأن الرجعى عامة في جميع الخلق؟!

لو صح ذلك فإن ما غمر نفسي من أثر الراء المضمومة والجيم الساكنة المقلقلة ثم العين الناصعة المفتوحة التي تظهر كانفجار يفضى إلى الألف المقصورة في الآخر حتى تأخذك إلى ينتهى بك المدى من كثر تصور المروجعات إلى الله ..

"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون "

أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى .. أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى .. أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى ..

إن كلام رب العالمين هنا كلام رب رحيم قادر عظيم عزيز مقتدر .. ما زال يرحم أبا جهل ويعطيه فرصته للتوبة فلا يأخذه بعذاب فوريٍّ ؛ بل يكتفي إلى هنا بالعتاب .. ألم يعلم بأن الله يرى ..

وهو عتاب في طيّ حروفه تهديد عظيم .. لأن الذي يرى هو الله .. هل تعرف معنى أن الله يراك ؟!! ما أرحمها وما أقساها ..

الله الرحمن هذا كله يراني؟!!

 فما أسعدني طائعا وما أشقاني عاصيا .. وما أفخرني مقربا وما أخجلني مبعدا من حضرته سبحانه ومطرودا من رحمته !!

لم يلبث العتاب أن انقلب تهديدا صريحا إذ لا يليق بالعبد إلا أن يكون عبدا ..

كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية ..

هل تكون الناصية ناصية العبد ذاته يعني ناصية أبي جهل وكل أبي جهل ؟!

أم تكون الناصية معنيا بها أبو جهل كله لأنه ناصية لقومه ؟!

والناصية مركز اتخاذ القرار في الجبهة .. فتأمل السفع وهو الأخذ الشديد وتصور الذم والتبكيت في قوله : ناصية كاذبة خاطئة ..

فهي بوصفها مركزا لاتخاذ القرار ضلت عن وظيفتها فهي خاطئة

وصدقت نفسها فهي كاذبة ..

فليدع ناديه .. وليدع كل أبي جهل ناديه

سندعو الزبانية .. ملائكة العذاب على الفورية في الحادثة الأولى وعلى ما يشاء الله فيمن سلك مسلك أبي جهل بالتعجيل أو التأجيل ..

كلا لا تطعه .. ولا تخف تهديده ..

واسجد .. عند البيت وفي المسجد وأينما رغبت في السجود بشرطه فاسجد سجود صلاة في الفرض والنفل  أو سجود تلاوة أو سجود شكر أو سجود سهو 

واقترب.. اقترب افتعل القرب

سبحان الله بين تقرب واقترب فرق في الأثر فالتقرب فيه شدة يحتاج إلى جهد

أما الاقتراب فليس فيها تكلف القرب بل تشعر فيها بالمطاوعة يعني مجرد أن تهم بالقرب سندفعك إليه فاقترب تقربْ..

واسجد واقترب ..

قانون إلهي فيزيائي لا يتخلف ..

واسجد واقترب ..

وإن الواو العاطفة لفاعلة عندي أثر الترداد .. فأنا لا أراها إلا معطوفة على نفسها .. فاسجد فإن لم تقترب فاسجد واسجد واسجد ما استطعت إلى السجود سبيلا ..

اسجد مطلقا

واسجد مقيدا

واسجد مستطيعا واسجد بقلبك إن عجزت عن سجود الجبهة ..

أرأيت ناصية المؤمن كيف نجت حين أسلمت لله .. ؟!

ثم أتذكرت معي تلك الناصية الكاذبة الخاطئة التى استنكفت أن تسجد لله ولم تكتفِ بل راحت تنهى عبدا إذا صلى ؟!!

انظر مصير الناصية الكاذبة الخاطئة .. لنسفعاً بها

وانظر إلى مصير الناصية الصادقة المهتدية ما مصير سجودها .. واقترب ..

اقترب ..

تعليقات