عبير عروقي تكتب: ماذا لو كان في كل امرأة (خديجة)؟

  • جداريات Jedariiat
  • الإثنين 21 نوفمبر 2022, 2:18 مساءً
  • 42

لطالما راودني هذا السؤال، -خاصة في الآونة الأخيرة- كون أنّ الحرب على الفطرة قد حمي وطيسها، أتأمّل في صفاء الفطرة وكدر المطروح عليها من أعدائها، كيف يمكنُ للقذارة أن تنال من الصفاء؟!

 

إنّه أمر محزن للغاية، أن يعودوا ليقفوا بالمرأة على أعتاب الجاهلية، كيف تهانُ كرامة مَن أكرمها الله من فوق سبع سماوات؟! أم كيف يستطيعون غسيل دماغ البعض منهنّ، حتى تحمل إحداهنّ راية ممزّقة مطالبة بما لم تفقهه روحها اللاهثة وراء السراب!

 

إذن أعود لسؤالي.. ماذا لو كان في كلّ امرأة (خديجة)؟

 

امرأة قلّ مثيلها

إنّ الأمر الأوّل الذي ينبغي الوقوف عنده عندما نناقش شخصية السيدة خديجة رضي الله عنها، هو أنّها كانت شخصيّة فريدة قبل الإسلام، يعني في (الجاهلية) كان نسيج السيدة خديجة نسيجاً سويّاً فريداً، لأنّ الأصالة والتربية إنّما هي أمور مفصليّة، لذلك كثيراً ما نقرأ في السيرة النبوية عن أولئك الذين كانوا يقومون بحضور حلف الفضول لنصرة الضعيف، تلك كانت أخلاق النبلاء، بعيداً عن العقيدة وقبل نزولها.

 

فإن قالت إحداهنّ الآن: إنّنا صدّعنا رؤوسهنّ بالشريعة وحدودها الجميلة، فها نحن لم نبدأ بعد وإنما طرحنا نقاء الفطرة ونبل الخصال قبل نزول الوحي.

 

السيدة خديجة كانت تاجرة لها اسمها ولها بصمتها في الحياة، ورغم قوّة شخصيتها إلا أنها كانت تبحث عن شخص أمين قويّ يقوم بأعباء التجارة والانتقال، وهذا الشخص كان سيد الخلق محمد . وهنا يتبادر سؤال استشكالي: لماذا لم ترفع السيدة خديجة شعار (المرأة القوية المستقلة) strong independent woman؟  ولماذا لم تقم بتأسيس رابطة نسويّة للقيام بأعباء التجارة؟

 

الجواب الوحيد أنها كانت صادقة مع نفسها ومع التكوين النفسي الذي جبل الله تعالى الأنثى عليه. بعد زواجها من رسول الله ، وغياب رسول الله الليالي ذوات العدد وهو يتحنّث في غار حراء، لم تشكُ يوماً، بل كانت سنداً تأخذ الزاد وتقطع الطريق الوعر كي تعطيه لسيّد الخلق. فلا عجب أنّ كتفها كان الملاذ الآمن لسيد الخلق حين رأى الوحي لأوّل مرّة، إذ إنه لم يذهب إلى صديق ولم يطلب المساعدة من أي رجل، وإنّما لاذ إلى الركن الحاني، إلى زوجته خديجة رضي الله عنها.

 

 

 

روح الكلام ويقين الفعل

في رجفة التعب، كان الجواب الحكيم وبثّ الاطمئنان (كَلَّا والله لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ). [أخرجه البخاري في صحيحه] ولم تكتفِ رضي الله عنها بالجانب الكلامي، بل بادرت إلى الاحتواء العملي ورافقته إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ليقصّ النبيّ عليه الخبر. لو رفعت السيدة خديجة ذاك الشعار لكان منحى الأحداث اتخذ شكلاً آخر، أوّله أنّ القارئ للسيرة النبوية لن يشعر بسكينة ودفء بنيان الأسرة عند قراءة موقف كهذا، وآخره ليس أقلّ شدّة من أوّله.

 

تلك رحلة لم يكن هذا الموقف الوحيد فيها، بل كانت سلسلة من المواقف الناصعة التي تركت في قلب رسول الله بصمة خير، إذ أنّ سيدنا محمّد لم يكن ينسى من أحبّوه، ولا يتجاهل من اعتنوا به وآزروه، فكان يتعاهد بإرسال العطاء صديقاتها ويكرمهنّ، وكان أن بشّر الله تعالى السيدة خديجة ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: (مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلاَثِ سِنِينَ لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِيهَا إِلَى خَلاَئِلِهَا ) [أخرجه مسلم في الصحيح برقم 2435]

 

في القرن الواحد والعشرين .. ماذا لو تأسّيتُ بالسيدة خديجة ثمّ ظُلِمت!

كوني خديجة، يَفِضِ الله تعالى على الطرف الآخر بالنفحات الإيمانية والقدوة بالسيرة المحمدية..

 

وهنا يحضرنا أمر هام، وهو أنّ الشخص السويّ نفسياً هو من يقدّرُ خديجة التي في داخلك، إذ لا يقيّم الذهبَ ميزان بائع الفحم. ولا يعني توقّع الأسوأ أن نهجر القيم، ولا يعني هبوب عاصفة ما أن نحكم على جميع الفصول بالقسوة.

 

حقيقةً هذا ما يحدث، إنهم يحيلون الفصول إلى فصل قاتم يقومون بهندسته وفقاً لأمزجتهم وأجنداتهم، فإن قبلت روحكِ العيش في هذا الفصل، فلا تقومي بالشكوى من الهلع والفزع فيما بعد، وهذا ما سيحدث.

 

ولكن: ماذا عن الابتلاء؟ ألا يمكن أن أتشبّه بخديجة وأجد أمامي من يشبه أبا لهب؟!

 

في الحياة كلّ الخيارات مطروحة، لأن الابتلاء سنّة من سنن الحياة، فممكنٌ جداً أن تكوني خديجية الخطوات وتجدي أمامك لهبيّ التصرفات. ومن الممكن أيضاً أن يكون أحد ما محمّدي الخطوات ويجد أمامه امرأة سوء تشبه امرأة لوط.

 

إلا أننا نسأل الله العافية..

 

الحياة فيها الكثير من الخيارات والكثير من الطرق، ولا سيما عندما تتعلّق بالعلاقات الإنسانية، وكلّ حالة ولها علاجها الخاص، وكلّ مشكلة ولها أسبابها ونتائجها. ولكنّ تخلّيك عن فطرتك تحت داعي الخوف من الظلم ظلمٌ لنفسك في الدرجة الأولى، وتخليك عن فطرتك تحت داعي اقتناص دور لم تُخلقي له، جهلٌ بتكوينك النفسي.

 

فاستمسكي بتكريم الله لك ما استطعت وعضّي على ما حباك به الإسلام من مكرمات بالنواجذ، وقاومي ارتفاع موج الفتن التي تقوّض بنيان روحك، وإلا صدقيني لن يغرَق أحدٌ إلاكِ.

 

 

تعليقات