شيماء مصطفى تكتب: بأحد العمرين

  • جداريات Jedariiat
  • الأحد 06 نوفمبر 2022, 8:27 مساءً
  • 64

 

دعونا نفتتح هذا المقال تاركين لخيالنا العنان في تصوُّر هذا المشهد المهيب، هناك حيث رمضاء مكة التي تفوح بحقد المشركين وكيدهم للمسلمين، وبينما شبح الخوف والقهر يتبختر في كل مكان، فإذا بسيفين في يدي فارسين عظيمين يُشهران لنحر هذا الشبح، وإعلان حتفه ونهاية عهده، إنهما سيفا عمر وحمزة رضي الله عنهما وأرضاهما.

 

استجابة الدعوة النبوية

لمّا رأى رسول الله ﷺ حال المسلمين وما كانوا عليه من ضعف واضطهاد، توجّه إلى ربه عز وجل يدعوه بأن يرزق الأمة بصاحب مَنعة، فتقوى به شوكة الإسلام، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ (اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ بأحبِّ هذين الرجُلين إليك بأبي جهلٍ أو بعمرَ بنِ الخطابِ) يقول ابن عمر: فكان أحبُّهما إلى اللهِ عمرَ بنَ الخطابِ [أخرجه الترمذي]، ولأن المناقب العمريّة كانت تروي قلبه حتى في جاهليته، فكان هو المختار المُكرَم بوقوع الاستجابة عليه، وببزوغ الفرقان على يديه، فقد كان المسلمون قبل إسلام عمر وحمزة يخفون إيمانهم خوفًا من تعرضهم للأذى، لقلة حيلتهم وعدم وجود من يدافع عنهم، أما بعد إسلامهما فأصبح للمسلمين من يدافع عنهم ويحميهم، لا سيما أنهما كانا من أشد الرجال في قريش وأمنعهم، وكان عمر يجاهر بالإسلام ولا يخشى أحدًا، فلم يرضَ مثلًا عن أداء المسلمين للصلاة في شعاب مكة بعيدين عن أذى قريش، بل فضل مواجهة القوم بكل عزم، فقام وقال للنبي: “يا رسول الله ألسنا على الحق؟”، فأجابه: “نعم”، قال عمر: “أليسوا على الباطل؟”، فأجابه: “نعم”، فقال عمر بن الخطاب: “ففيمَ الخفية؟”، قال النبي: “فما ترى يا عمر؟”، قال عمر: “نخرج فنطوف بالكعبة”، فقال له النبي: “نعم يا عمر”، فخرج المسلمون لأول مرة يكبرون ويهللون في صفين، صف على رأسه عمر بن الخطاب وصف على رأسه حمزة بن عبد المطلب وبينهما النبي محمد، حتى دخلوا وصلّوا عند الكعبة. ومن بعيدٍ نظرت قريش إلى عمر وإلى حمزة وهما يتقدمان المسلمين، فَعَلتْ وجوهَهُم كآبة شديدة، يقول عمر “فسماني رسول الله ﷺ الفاروق يومئذٍ”. [ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء، وذكر ما يسانده ابن سعد في الطبقات، وكلاهما ضعيف]

 

 

 

ويُلاحظ فرحة المسلمين بإسلام عمر في عدّة أقوال منسوبة إلى عدد من الصحابة، منها ما قاله صهيب الرومي “لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودُعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به”، وما قاله عبد الله بن مسعود “ما كنا نقدر أن نصلّي عند الكعبة حتى أسلم عمر”، و “ما زلنا أعِزَّة منذ أسلم عمر”، وغير ذلك من المرويات الكثيرة [سيرة حضرة عمر الفاروق – إلياس عادل].

 

رجلٌ ذو همة .. يُحيي أمة

إنّ من كرامات الدعاء المحمدي الذي بثه لربه ليظهر الدين، أنها لم تُحبس في حيز “بأحد العمرين”، بل اخترقت حاجز الزمان والمكان لتنعم الأمة ببركة هذه الدعوة إلى يوم الحساب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ {إنّ الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها} [رواه أبو داوود وصححه الألباني]، وبهذه البشارة النبوية نتيقن أنّه ثمة عهدًا إلهيًّا يضمن استمرار هذه الدعوة، ويبشر الأمة أنّ دين الله سيحيى بإذنه مهما خَفَت وضعف حضوره في قلوب الناس، وأنه مهما بلغ الفساد في الأمة سيظل فيها من الخير الذي يُخرج لها من يبعثها ويجددها، وهذا يؤكد على أهمية وجود وصناعة حملة الدين ورايته، إذ إنّ الحق لا يعلو إلا بهم، هذه سنة الله في خلقه، وهذا ما فهمه وأدركه الملهَم المحدَث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فعندما كان في دار من دور المدينة المباركة جلس عمر إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا. فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهباً أنفقه في سبيل الله. ثم قال عمر: تمنوا، فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجوهراً أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. ثم قال: تمنوا، فقالوا: ما ندرى ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: ولكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله.

 

عمريُّون

لو حلّقنا عاليًا فوق تاريخ الأمة الإسلامية، سنجد سُرُجًا وضّاءة مبثوثة في حلقات التاريخ، إنهم أولئك المجددون الذين اصطُفوا كما اصطُفي عمر، وقد تنوع نفوذ البشارة النبوية بين صحابيٍ وتابعيٍ وأميرٍ وقائد، بين من جدد في محاريب العلم، ومن فرض شروطه في ميادين الحسم بين صليل السيوف، بل نجد أنّ منهم العربي والأعجمي، والأبيض والأسود، والغني والفقير، والكهل والشاب.

 

وإنّ ثمة حكمة إلهية عظيمة تفيض من هذا التنوع، حيث أراد الله تعالى ألا يفقد أيٌ من أبناء الأمة جمعاء أملَ التجديد والبعث في أنفسهم ومن حولهم، وأنّ إحياء الأمة ليس محصورًا في بقعة ما أو شريحة ما، وإنما أي مكانٍ وزمانٍ فيه مسلمون، فهو أهلٌ لتنطلق منه بعثة التجديد، ورغم ما يحمله هذا الأمر من تشريف للأمة التي لا تفضل عربيًا على أعجميٍ، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى، وأن الجميع كأسنان المشط، إلا أنه يحمل في طياته تكليفًا عظيمًا، لأنّ هذا يعني أنّ كل أبناء الأمة مكلَّفون بالتنقيب عن مهد هذه البعثة وتهيئة الأجواء لانطلاقها.

 

 

 

جاء دورك .. ابحث عن “عمر” بداخلك!

إنّ من أكثر الرسائل التي يعمل الإعلام على ترسيخها في عقول الأمة عامة، وشبابها خاصة، تتمثل في تمرير قبول هذا الوضع، ونشر روح التثبيط واستحالة القيام، وأنّ مجرد التفكير في الوصول إلى الريادة الأممية دربٌ من الأوهام والعبث والشطط، وليس لنا سوى تناول المسكنات بالعيش في أمجاد الماضي، أو إلهاء النفس في سفاهات الحاضر.

 

وعلى الرغم من أن الأمة حقًا تمر بنكبة على كافة الأصعدة لم تعهدها في سابقتها التاريخية، وأن الثغور التي شُقَّت كنِتاج لإرهاصات العصر كثيرة جدًا سواء في ذاتها أو في مآلاتها، إلا أنّ العمل الصادق من أبناء الأمة لو سار على النسق الصحيح، بأن يقوم كلٌ منا حقًا ليتخذ له ثغرًا ويقوم عليه ويسده، والثغور التي تحتاج لحماية وقيام عليها لا تُحصى في هذا الزمان، فوالله لو قمت على ثغر نفسك بأنك أصلحتها تربويًا وفكريًا وزكيتها فانعكس ذلك في حسن خلقٍ مع من حولك، فنعم الثغر هو، بل هذه هي البداية لنا جميعًا بلا استثناء، ثم تنطلق بعدها إلى الثغر المناسب لك ولقدراتك ولبيئتك وكذا أدواتك المعرفية، وعيناك على الغاية العظمى، فأنت تسد وتفرح أيما فرح برؤيتك الثغور الأخرى وهي تُسَد، لأنك لا تريد أن تكون “الوحيد” بل تريد أن تتحقق غاية “التوحيد”، فتظل تعمل وعينيك هنالك محلقة، تنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي يكتمل فيه البناء وتُسد فيه كل الثغور، فعهدٌ مني أدركه تمامًا أن جوهر الأمة سيتغير تمامًا في سنوات معدودات، بل سيتغير تغَيُّرًا يفوق ظنون المصلحين أنفسهم، وهذا دأب العقيدة الصحيحة إذا تمكنت من أصحابها، ولنا في قدوتنا ﷺ خير أسوة في صناعة الإنسان الذي على أكتافه تُبنى الأمم، في ثلاثة عشر عامًا بمنتهى الصبر والحكمة بنى أصحابه وزكاهم وعلمهم كيف يحملون أعباء الرسالة بحق، وكيف يضحون في سبيلها، وكيف ينطلقون ويعملون في رحابها، ليتحولوا جذريًا من حفاة رعاة، عبدَ كثيرٌ منهم الأصنام، إلى قوّاد الدنيا وأسيادها وأسياد خلق كثير إلى يوم القيامة.

 

فحالنا الآن لم يبلغ حالهم قبل بزوغ نور الدعوة المحمدية، لأن أصل التوحيد فينا، وجذور الفطرة ضاربة في أعماقنا، مهما ذبلت بعض أوراقها أو عطبت بعض ثمارها لِمَا لقت من البيئة حولها، فالصلاح والعودة أقرب وأسهل بكثير مما نظنه نحن عن أنفسنا، ومما تصوره عنّا الترسانة الإعلامية التي تجاهد أيما جهاد لتأخير تلك اللحظة الحتمية.

 

 

 

هو ذاك..

إصلاح الأسس والجوهر، وكلٌ على قدره وحسب وسعه، ولا تحقرن من المعروف شيئًا، المهم أن تبدأ بنفسك وتشعر بالمسئولية الفردية تجاه دينك وأمتك، ولا تتواكل على غيرك بل وتزيد على كاهله اللوم والنقد، انظر حولك فحتمًا ستجد بدل الثغر عشرات تناديك بشوقٍ أن تسدها فقد أعياها الشق.

 

فهيا قم إليها، وانفض عنك عفرة العجز، وافعل ما في وسعك، فالدنيا فانية وكلنا إلى التراب، فأن تذهب وأنت في ذودٍ عن هذه الأمة وجهاد لها مهما كانت درجته، خير ألف مرة من أن تذهب وأنت منتمي إلى هذه الأمة اسمًا ورسمًا لا قلبًا وهُوية.

 

فلتذهب وأنت تقول بصدق “لا أبالي على أي جنبٍ في الله مصرعي”.

 

فلئن عَرف التاريخُ أوسًا وخزرجًا *** فلله أوسٌ قادمون وخزرجُ

 

وإنّ كنوز الغيب تخفي طلائعًا *** صابرة رغم المكائد تخرُجُ

 

إياك أن يكون آخر جهدك لحظات التحفيز!

لعل الكثير منكم الآن بعدما شارف على نهاية المقال وقد سرت رسالة الأمة وحلم البعث في قلبه واختلطت بعقله وضميره، إلا أنه بمجرد الوصول لنهايته لن يلبث إلا أن يعود إلى حاله الأول، دون أن يحمل قضية الأمة بين جنبيه، ولعل السبب هو الخلط بين التحفيز الذي يكون {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39]، وبين التحفيز الذي يحمل في طياته قضية الحق الأعظم، تلك القضية التي لأجلها خلق الله السماوات والأرض، ذلك الدين الذي فدته أعناق الرجال، ذلك الدين الذي كتابه لا ريب فيه هدىً للمتقين، فلا أريد أن تنتهي من المقال وتكمل ما كنت تفعله، بل تبحث بجدٍ وصدق عن “عمر” بداخلك، أن تحضر ورقًا وقلمًا وتكتب ما يمكن أن تقدمه للأمة، أن تسأل نفسك بصدق: هل علمت ما لا يسعك جهله في الدين؟ هل تحتسب ما تفعل لله؟ هل تقيم الدين في نفسك وحياتك؟

 

ثم بعد الإجابة، ابحث عن ثغرك، لعلك تكون أنت عمر.

نقلا عن منصة السبيل 

تعليقات