محمد نبيل يكتب: فلسفة الغيب وجدلية الحساب

  • جداريات Jedariiat
  • الثلاثاء 26 يوليو 2022, 3:06 مساءً
  • 167

 لنبدأ مقالنا بهذا السؤال الذي يتكرر على نحو مستمر: إن كان الله هو علام الغيوب، لماذا يحاسب الإنسان على الشر وقد كان في علمه مسبقا أنه سيرتكبه عندما خلقه؟

 

إن الخوض في هذه المسألة وما شابهها من المسائل يحتاج لحذر شديد، حيث إن التفكّر في الغيبيات كقدرة الله تعالى ومحاولة تفسيرها قد يصل بالمسلم إلى السؤال عن الذات الإلهية وكنهها، وهو أمر منهي عنه كما جاء في حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (تفكروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله) [أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان].

 

بحثًا عن الأسباب

إن تأثير الإلحاد في مجتمعاتنا العربية المسلمة خفيٌّ داخل موجة العلمانية، والتصريح بشكوك النفس في الإيمان ما زال غير ظاهر بين العوام. وهذا يصعّب الوقوف على الأسباب الكاملة لخروج ملحدين من بين المسلمين. كما يسهل على البعض أن يعزو الأسباب بالدرجة الأولى لمشاكل أسرية واجتماعية دون الانتباه للمشاكل العَقدية.

 

لذلك، فإنه من الواجب الرد على الأسئلة الجدلية في الإيمان حرصا على التصدي لهذه الهجمات، ولكن مع حفظ الأدب في الحديث عن قداسة الله تعالى والترفع عن التشبيه قدر الإمكان. قال أبو حنيفة: “لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء، بل يصفه بما وصف به نفسه” [شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي]

 

بدايةً فإن الغيب يختص بكل ما عجز الإنسان عن إدراكه بعقله وحواسه، فهو غير معلوم كليًّا. وأسباب العجز هذه مرتبطة بتحديد قدرة المخلوقات بعوامل مذكورة في القرآن، ففي قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز، قالت بعدما خرج يوسف من السجن كما أخبر الله تعالى: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} [يوسف: 52].

 

فحقيقة هذه الحادثة أنها كانت غيبًا عن عزيز مصر بسبب قصور تواجد الإنسان على مكان واحد فقط. وقد أخبر الله تعالى رسوله محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم وهو في عصر آخر عن قصة يوسف في قوله {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} [يوسف: 102]. فهذا الأمر كان من جملة الغيب عن رسول الله بسبب قصر زمن حياة الإنسان نسبيًّا في تاريخ البشر.

 

نلاحظ في قصة موت سليمان عليه السلام، قول الله تعالى {فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} [سبأ: 14]. فهذا الأمر كان من جملة الغيب عن الجن الذي لا نراه ويرانا، وذلك بسبب قصوره في الإلمام التام بحالة المادة.

 

إذاً من المستحيل على الإنسان معرفة الغيب وهو مقيد بالمكان والزمان والمادة. ولن يستطيع الإنسان استيعاب قدرة الإله في الإحاطة بالغيب طالما يقيس الأمر بالحيثيات التي تتأتى من قصور قدراته البشرية.

 

على سبيل المثال فإن الخضوع لعامل الزمن، ينشأ عنه مفهوم الانتظار. لكن عندما لا يخضع شيء للزمن، فلا معنى للانتظار، فليس هناك ماض أو مستقبل، ولذلك فإن أي مسألة مبنية على هذا القياس القاصر ستكون مسألة مغلوطة كالمسألة المطروحة هنا والتي تضفي شيئا من قصور الإنسان الحسي على قدرة الخالق (جل وعلا). لا يمكننا طبعا فهم كيفية إطلاع الخالق على الغيب لكن يمكننا أن نصحح الحيثيات التي تتفق وقدرته، بحيث تصبح معرفة الغيب نتيجة طبيعية لقدرة الله تعالى دون تشكيك بعدله في محاسبة عباده عن علم مسبق بأفعالهم.

 

ليس كمثله شيء

 نحتاج أولا فهما أوسعا لبعض الصفات الإلهية. أخبرنا الله تعالى عن نفسه بأنه الحي الذي لا يموت، وبأنه الأول الذي لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء فهو الآخر، وهو الظاهر والباطن والمحيط بكل شيء.

 

إن تفكرت جيدا في هذه الصفات ستجد أنها تفيد بأنه سبحانه لا يحدّه أي من عوامل المكان ولا الزمان ولا المادة. بالتالي فإن ما يغيب عن جميع المخلوقات هو بالضرورة مكشوف لله تعالى.

 

يقول عز وجل {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59]، وقد أجاب ستيفن هوكينج عالم الكونيات الملحد في مقابلة قديمة على سؤال مفاده “هل يستطيع العلم أن يصف ما هي قدرة الإله؟” فرد على ذلك مجيبًا: “إن كان هناك شيء يستطيع اختراق الزمكان والتنقل بحرية في العوالم المتوازية –التي هي عماد نظريته- دون تقييد قوانين الفيزياء له، يمكننا حينها أن نطلق عليه اسم إله”.

 

هذا يعني، أن الله تعالى يسمع ويرى ويعلم حال كل شيء، في أي مكان وأي زمان. وكما هو قادر مثلا على أن يرى ما يَحدث في كل الأماكن في ذات الوقت، فهو قادر على أن يرى ما يحدث لشخص في كل أوقات حياته في ذات المكان. وهو قادر أيضا على أن يختص من رسله برؤية الغيب كما قال الله تعالى {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد، إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه رصدا} [الجن: 25، 26]. وهو ما كُشف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورآه بنفسه وأخبر عنه من أحوال أهل الجنة وأهل النار عندما عرج إلى السماء السابعة بعدما أسري به. وهؤلاء من وصفهم في الجنة والنار هم من بني آدم.


ما سيحدث قد حدث

بناء على ما تقدم يمكننا القول إن حياة البشر بالنسبة للخالق جل في علاه -وليست بالنسبة لنا-، بما فيها من تفاصيل ومجريات منذ خلق آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة على بني آدم، قد حدثت كلها، ولا تستوجب ما نصفه نحن بالانتظار.

 

يقول الله تعالى {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين} [يونس: 20]. لذلك فإن يوم الحساب قد جاء فعلا، وغل الكافرين إلى جهنم فهم يتعذبون، وسيق المؤمنون للجنة فهم يتنعمون. والكثير من الآيات التي تتكلم عن الحساب والنعيم والعذاب بعد قيام الساعة تصف أحوال العباد بكل وضوح وكأنها حدثت أو تحدث أمام المولى.

 

يصعب علينا فهم هذه الحقيقة لأن العوامل السالف ذكرها كلها تدركها أجسادنا وتجري عليها. لكن بمجرد أن نخرج من الخط الزمني، ولا يحدنا الجسد ولا المكان كما حدث مع رسول الله في معجزة الإسراء والمعراج، هنا فقط يمكننا استيعاب أن ما قدره الله لنا من عيش في الدنيا، قد حدث فعلا في حياته الأبدية إنما نحن ما زلنا نعيش القَدَر ونتفاعل معه ونحن خاضعون لعامل الوقت، نتحسّر على أخطاء الماضي ونعارك فتن الحاضر ونتوجس مما يحمله المستقبل دون قدرة على التنقل بينها جميعا لتلافي العثرات والسقطات.

 

الخلاصة

إن الغيب أمر خارق فقط لدى الإنسان لأن إحاطته بالعلم عن شيء ما تقتضي حدوثه ضمن حدود قدرته، وحال أنه لم يحدث فهو غير معلوم. أما عند الله تعالى فهو المحيط بكل شيء ضمن قدرته وحال كل شيء قد حدث أمام القدرة الإلهية من رؤية ماضي وحاضر ومستقبل الإنسان معا.

 

إذًا المسألة ليست كما يظن الغالبية، أن الله تعالى ينتظر الإنسان لينظر إلى ما سيفعل وهو يعلم ما سيفعل. إنما الله تعالى يعلم ما سيفعل لأن الإنسان قد فعله. وعلى هذا، فإن السؤال “لماذا يحاسب الله تعالى العبد على شر هو يعلم أنه سيرتكبه؟” هو سؤال خاطئ في جوهره، لأنه يُقَدّم وكأن الأمر تحقيق فعل محقق كعقيدة الجبرية.

 

إن الصواب هو أن الله تعالى يحاسب العبد على فعل رآه وهو يفعله باختياره حقيقة. كما يتضح لنا أنه لا يجوز قياس حياة الإنسان على حياة الله الأبدية أو العكس. ويخطئ من يمثل حياة الإنسان رياضيا بخط بياني قصير أحد محاوره الزمن، بتوازٍ مع خط بياني آخر لا نهائي لحياة الرب الأبدية. لأن ماهيّة كلٍ من الحياتين مختلفتان، فإحداهما غير خاضعة للزمن، فلا يجري عليها قبل وبعد أو أمام وخلف، ومن ثمّ فإن هذه المقارنة مرفوضة وتؤدي لفهم خاطئ يصدر منه مثل هذه المسألة المغلوطة.

 

محمد نبيل

مهندس تقني مهتم بالفكر الإسلامي

نقلا عن منصة السبيل

تعليقات