سلطان بركاني يكتب: صورة “ناسا” النّاطقة!

  • جداريات Jedariiat
  • الجمعة 22 يوليو 2022, 3:40 مساءً
  • 36

قبل أيام، نشرت وكالة “ناسا” الفضائية الأمريكية، صورة كونية، قيل إنّها الأعمق والأبعد في تاريخ البشرية، لعنقود مجري (مجموعة من المجرات)، يبعد عنّا مسافة 4.6 مليار سنة ضوئية، التقطت الصّورة بواسطة التلسكوب الفضائي الحديث جيمس ويب، واستغرق إخراجها قرابة 6 أشهر، بالاعتماد على كمّ هائل من البيانات المرصودة، وباستخدام تقنيات الأشعة تحت الحمراء.. صورة مذهلة تقف أمامها العين مشدوهة خاضعة، أمام هذا الإبداع الذي يستحيل العقل المنصف أن يوجد صدفة أو عبثا.

الصّورة تبدو سماءً سوداءَ مليئة بالنّقاط مختلفة الأحجام والإضاءة، كلّ نقطة منها عبارة عن مجرة كاملة، وكل مجرة تحتوي حوالي 400 مليار نجم.. المذهل والمعجز في الأمر أنّ المجرات البادية في الصّورة -وكذا غيرها- يتم تحديدها من خلال مواقع النجوم الموجودة في تلك المجرات.. فمن كان يظنّ أنّ مواقع النّجوم بكلّ هذه الأهمية؟! من كان يتوقّع كلّ هذه الدقّة وهو يقرأ قول الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾.. كنّا نقرأ هذه الآية فنظنّ أنّ الله يقسم بهذه النّجوم التي نراها في صفحة سمائنا، قبل أن يتبيّن مع تطوّر العلم أنّ مواقع النّجوم علم قائم بذاته.. فكيف لرجل عاش في صحراء الجزيرة العربية في القرن السابع الميلاديّ أن يعلم بهذه الحقيقة، لولا أنّ خالق الكون هو من أنبأه؟

وكالة ناسا قالت إنّ رقعة السماء التي في الصّورة لا تشكل بالنّسبة إلى الكون سوى “حبة رمل يحملها شخص ما على الأرض وينظر إليها بطول ذراعه”.. فهذا الكون يقدّر علماء الفلك أنّه يحتوي ما يمكن أن يصل إلى 200 مليار مجرّة، وكل مجرة تحتوي عددا هائلا من النجوم، وهنالك اعتقاد بأن لكل نجم من تلك النجوم عددا من الكواكب يدور حوله.. يتراوح قطر المجرّة الواحدة بين 3000 و300 ألف سنة ضوئية، ومجرّتنا “درب التبانة” يبلغ قطرها في أقلّ تقدير 100 ألف سنة ضوئية، أي ما يقرب من 9.5 تريليون كلم أي 9.5 مليون مليار كلم، وتحتوي ما لا يقلّ عن 100 مليار نجم، ومئات المليارات من الكواكب، يقول الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون﴾.. هذه عظمة الخلق، كيف لعظمة الخالق الذي لا يقاس به شيء وليس كمثله شيء؟

هذه الأرض التي نعيش على سطحها وتبدو لنا عظيمة وهائلة، ويقدّر العلماء قطرها بـ13 ألف كلم؛ هذه الأرض لا تساوي شيئا أمام مجموعتنا الشّمسية، كيف بدرب التبانة؟ كيف بالكون المنظور؟ كيف بالكون غير المنظور الذي لا يمكن رصده ويمثّل 150 * 10 أس 24 ضعفا من حجم الكون المنظور.. الأرض كلّها لا تساوي شيئا في خلق الله، ونحن البشر جميعا لا نمثّل شيئا بالنسبة إلى الأرض.. يقدّر العلماء أنّ حجم ملايير البشر أمام الأرض هو صفر فاصلة 13 صفرا، ثمّ 1.. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾.

يفترض في من ينظر إلى صورة المجرّات التي نشرتها وكالة ناسا أن يستشعر عظمة الله الخالق سبحانه، ويحمله ذلك على الخوف ممّن أبدع كلّ هذا وخلقه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ الخالق الذي أبدع هذا الخلق الهائل، وعد من أطاعه واتّقاه بثواب عظيم عنده، وتوعّد من كفر به وعصاه بعقاب أليم حين يعود إليه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.

من ينظر إلى عظمة خلق الله، يفترض فيه أن يستحيي من خالقه ومولاه، وهو ينظر إلى ضعف العبد وقلّة حيلته، ويستحيي من العليم الخبير أن يعصيه وهو -سبحانه- يراه ويعلم حاله وما يكنّه صدره.. يستحيي من الله أن يعصيه طاعة لمخلوق آخر ضعيف لا يملك من أمره شيئا: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

يستحيي العبد من مولاه أن يتثاقل عن طاعته، وكلّ ما في هذا الكون مطيع لمولاه وبارئه لا يكلّ ولا يملّ ولا يتعب ولا يفتر؛ فلا يوجد موضع أربعة أصابع في كلّ هذا الكون العظيم إلا وملَك ساجد أو راكع لله.. الكون مليء بالملائكة التي تسجد وتخضع وتسبّح ربّها، بل إنّ كلّ الأجرام السماوية وكلّ المخلوقات تسبّح بحمد ربّها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.

هذه الصّور التي تنشر من حين إلى آخر، ينبغي أن تزيدنا يقينا بخالقنا ومولانا، ويقينا بديننا الحقّ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، وإن لم تحرّك فينا هذه الآيات المنظورة ساكنا وتزد يقيننا بالله، فلنعلم علم اليقين أنّنا أوتينا من قبل نفوسنا، من قبل معاصينا التي غلّفت قلوبنا: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.

بعض النّاس، وبينهم بعض المنتسبين إلى الإسلام، ما وجدوا ما يقولونه وهم ينظرون إلى الصورة التي نشرتها “ناسا” مؤخّرا إلا أن يعيّروا المسلمين بتخلّفهم عن ركب الغرب، ولم يجدوا إلا أن يلمزوا الإسلام دين الله الحقّ بأنّه سبب التخلّف، في المقابل أعلوا من شأن علماء الغرب الذين أخذوا الصّورة ونشروها.. والعلماء الغربيون الذين جمعوا المعلومات وأنشؤوا الصّورة ونشروها، يستحقّون التحية والشّكر على ما قدّموا، والمسلمون الذين كان في وسعهم أن يقدّموا شيئا ولم يقدّموا ملومون على تقصيرهم.. لكن أن ننشغل بالصورة وننسى خالقها، فهذا خلل؟ هل وكالة ناسا هي التي خلقت هذا الذي في الصّورة؟ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾، ﴿قُل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُون﴾.

صدق الله القائل: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾.. خلال عقود مضت، أصغى العلماء كثيرا لنظرية داروين، وحاولوا إيجاد صنو لها في علم الفلك والفيزياء، لكن مع توالي الاكتشافات، تبيّن لأكثر العلماء المنصفين أنّ الحقائق العلمية تبدو ساطعة وناطقة بأنّ لهذا الكون بداية محدّدة في لحظة محدّدة، وأنّه يسير إلى نهاية محدّدة في وقت محدّدة، ووجود البداية لا يعني إلا شيئا واحدا هو وجود المبدئ الخالق سبحانه.. آيات الله في الآفاق البعيدة تتّجه بالعلم إلى وجهته الصحيحة ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، رغم الضّغوط الهائلة التي تمارسها الماسونية ويمارسها أرباب الأموال لجرّ العلم إلى الإلحاد.

الملاحدة يشكّلون لوبيا ضاغطا على مؤسسات البحث لتوجيه العلوم، لكنّهم لم يستطيعوا كتم صوت الحقّ الصّادح في الآفاق بأنّ للكون خالقا عليما خبيرا حكيما، خاصّة مع الوصول إلى حقيقة أنّ للكون بداية ونهاية، والوقوف على الثّوابت الكونية الدقيقة التي يسير عليها الكون، ما يجعل وجودها صدفة أمرا مستحيلا.

لقد اكتشف العلماء قوى كونية كثيرة بالغة الدقّة يقوم عليها نظام الكون، ولو أنّ قوة واحدة منها نقصت أو زادت بمقدار ضئيل، لفسد الكون واختلّ نظامه، بل إنّ هذا الكون كان يستحيل أن ينشأ ويصل إلى ما هو عليه، لو اختلفت مقادير القوى الكونية بمقدار ضئيل جدا.. وأهمّ هذه القوى الكونية قوى أربع، هي: قوة الجاذبية، القوة الكهرومغناطيسية: وهي أقوى من الجاذبية بـ10 أس 36 مرة، القوة النووية الكبرى: وهي أقوى بـ100 ضعف من القوة الكهرومغناطيسية، وأخيرا القوة النووية الصغرى.. هذه القوى تم تشكلها في بداية الخلق في أقل من جزء من المليون جزء من الثانية بعد الانفجار الكوني الكبير. ويقول العلماء إنّ هذه القوانين لو تأخرت في التشكل ولو بأقل مقدار لكانت المواد المتفجرة من الرتق الكوني ستتبعثر نهائيا من دون أن ينجذب بعضها إلى بعض لتكوِّن مجراتٍ ونجومًا وكواكب.. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

رغم كلّ هذه الآيات المبهرة، لا يزال العلمانيون في بلاد المسلمين يلهثون خلف الملاحدة المستكبرين، لحجب ضوء الشّمس بأيديهم الكليلة العليلة.. لكن ورغم تمكّنهم من ناصية الإعلام ووسائل التأثير، ورغم الدّعم غير المحدود الذين يلقونه من جند الدجّال، إلا أنّ سعيهم دائما ما يعود عليهم بالخيبة.. الله جلّ وعلا قد وعد أنّه سيجعل آيات الكون دالّة على وجوده وعلى أحقية دينه الذي ارتضاه لعباده، وهذا الوعد ماض ونافذ لا محالة، مهما حاول دجاجلة العلم وأباطرة المال والسياسة أن يحولوا دون تحقّقه.. ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الروم).

 

نقلا عن صحيفة الشروق الجزائرية

 

تعليقات