بدر العبري يكتب: الإلحاد الشمولي وأثره على العقل الجمعي

  • جداريات Jedariiat
  • الإثنين 27 يونيو 2022, 09:31 صباحا
  • 90

وأنا استمع إلى بعض الشّباب اليوم وهم يرددون مصطلح «الإلحاد الشّموليّ»، وفي السّابق لم أسمع عنه، بيد أنني أجده لا يقل ضبابيّة وخطورة عن مصطلح الإلحاد ذاته في العقل الجمعيّ، فهو أشبه بإحياء تكفير المجتمعات عند بعض الجماعات القديمة والمعاصرة، ولكن بطريقة أكثر أدبًا وتقيّةً إن صح التّعبير.

 

جاء ذكر الإلحاد في القرآن الكريم أقرب إلى الجانب اللّغويّ في رمزيتّه المطلقة، كما في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف: 180]، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) [فصلّت:40]، فهنا الإلحاد بمعنى الميل، ومنه الميلان، فهذا مصطلح لغويّ واسع، إنزاله كمصطلح له حدّه وسوره ومنتهاه لا ينبغي أن ينزل إلا مقننًا وواضحًا؛ لأنّه سيترتب عليه مصاديق تؤثّر على العقل الجمعيّ إيجابًا أم سلبًا.

 

والآن لو سألنا العقل الجمعيّ «مَنِ الملحد؟» أتصوّر حسب مجالستي للعديد من الشّباب بأطيافهم المختلفة أنّ الملحد في العقل الجمعيّ هو الدّهريّ حسب تعبير القرآن من قوله تعالى: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) [الجاثية: 24]، أي بمعنى اليوم هو المنكر للذّات الإلهيّة، وهذا يترتب عليه فقها أحكامٌ، بعضها تراثيّة قاسية تصل إلى قطع الرّقاب، وفسخ الزّواج، وحرمان الإرث، وعدم جواز دفنه إن مات في مقابر المسلمين، ولا يغسّل ولا يكفن، فهل إذا قلنا «بالإلحاد الشّموليّ» سيسقط مصداق ذلك في العقل الجمعيّ على فريق واسع من النّاس، وبالتّالي اتّساع دائرة الاتّهام بالإلحاد والتّكفير، ممّا يولد ثنائيّة في المجتمع تحدث انفصامًا لا يوجد بينها خطّ تقاطع، وحينها يحدث الصّدام الأثنيّ اجتماعيًّا بشكل كبير، وقد يقودنا إلى إزهاق أرواح حال وجود سلطة نافذة في ذلك.

 

بيد أننا نجد القرآن الكريم لا يرتب ذلك بالكليّة، لا على مستوى التّساؤل والبحث، ولا على مستوى الخطاب والوعظ، ولا على مستوى الإيمان والاقتناع، ومن هذا قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) [العنكبوت: 20]، وقوله: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة: 256]، وقوله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29].

 

والأمر في الجانب الفلسفيّ معقّد ومتداخل، فهناك الدّهريّ المنكر للّذات الإلهيّة رأسًا، وهناك الرّبوبيّ المؤمن بالذّات دون النّبوات والشّرائع، وهناك اللّاأدريّ المتوقف كتوقف إيليا أبو ماضي [ت 1957م] في طلاسمه، ويقابل هؤلاء اللّاهوتيّ، وهؤلاء لهم قراءات مختلفة ومتباينة من صفات الذّات وحتّى التّعامل مع النّص، والاجتهادات والإضافات الزّمكانيّة لما بعد النّصّ الأول.

 

والأمر ذاته عند اللّاهوتيين المسلمين، ليست لهم قراءة واحدة، والنّص متضخم بينهم بشكل متباين، وتفاسير الاجتهاد بإضافات التّأريخ متباينة، ومن هؤلاء مثلا أبو بكر محمّد بن فورك [ت 406]، وهو من الصفاتيين من أهل الحديث يقول في كتابه «بيان مشكل الأحاديث» ردًّا على المعتزلة والأشاعرة والشّيعة والخوارج «فلم يبق إلا أّن هؤلاء المبتدعة إنّما تقصد بهذا التّهجين الكشف عمّا تسّره من العقائد الرّديئة في هذه الطّائفة الطّاهرة الّتي هي بالحق ظاهرة سبيل اعتراض الملحدة على جملة أهل الشّريعة –أي أهل الحديث-»، أي هذه الفرق عدا أهل الحديث جميعها من «الملحدة».

 

وفي المقابل في ندوة «الإلحاد وحقيقة التّوحيد» الّتي أقيمت مؤخرًا في جامعة السّلطان قابوس في إحدى الورقات المقدّمة حول التّحذير من الوقوع في الإلحاد من ذلك «فضلًا عن غير ذلك من الأسباب قد تنشأ أفكار مخالفة لدين الله تعالى فيما يتعلّق بتنزيهه سبحانه، أو تشبيهه بخلقه، أو التّجسيم، أو فيما يتعلّق ارتباط الجزاء بالعمل»، وهذا يجرنا إلى الخلاف الكلاميّ القديم كالخلاف حول الصفات الخبرية أو المضافة، وانفصال صفات الذّات عن الذات أو هي عين الذات، وقضايا الرؤية والشفاعة والتوسل والاستغاثة ودعاء الأموات وغيرها.

 

وكما يرى رشيد الخيّون [معاصر] في كتابه «آراء إخوان الصّفا وخلان الوفا إعجاب وعجب» أنّ نظريّة التّطوّر الدّاروينيّة الّتي أثارت الكنيسة حينها، إلا أنّها لم «تثر حفيظة الفقهاء والخطباء فكرة قرب القرد من الإنسان، والقول بارتقاء الإنسان منه، رغم تكرارها في كتب الجاحظ وإخوان الصّفا، وبعدهم الوطواط وابن خلدون، الّتي تبدو واضحة ومثيرة عنده»، ونظريّة داروين [ت 1882م] تبناها من الأعلام والفلاسفة في الدّولة العثمانيّة وما بعدها، ومن هؤلاء جميل صدقي الزّهاويّ [ت 1936هـ]، الذي يقول كما ينقل عنه الخيّون في كتابه «المذهب القويّ في رأيي هو مذهب داروين في النّشوء والارتقاء، وقد تبعته، ولم يتبعه غيري قبلي، وقد شاع بسببي في العراق».

 

لهذا يرى الخيّون أنّ معاداة نظريّة داروين [وإدخالها في الإلحاد لاحقا] في العالم الإسلاميّ، رغم الصّراع المتأخر حولها مقابل التّقدّم في معاداة اللّاهوتيّين المسيحيّين في ذلك؛ حسبما يرى «لم يكن لسبب ديني فحسب، أي الدّفاع عن المسلّمات الدّينيّة، وهي خلق الإنسان من طين، وحواء خلقت من ضلعه، وأنّ الكائنات خلقت منفصلة بعضها عن بعضها الآخر.... لقد دخل شيء كثير في مواجهة نظريّة أصل الأنواع من السّياسة، وما لا يباح منها»، فالقضيّة سياسيّة وظفت دينيّا لمواجهة الامتداد الماركسي والشّيوعي أكثر منه توظيفًا معرفيًّا في نقد نظريّة أصل الأنواع ذاتها.

 

ومع ظهور جدليّة الحاكميّة مجدّدًا عند أبي الأعلى المودوديّ [ت 1979م] وسيّد قطب [ت 1966م]، واستغلالها تكفيريًّا في العقل الجمعيّ من جهة، والجماعات المكفّرة من جهة ثانية، ضدّ الأنظمة السّياسيّة المعاصرة، والنّظريّات العلمانيّة والدّيمقراطيّة، كما وظّف ذلك محمّد عبد السّلام فرج [ت 1982م] في كتابه «الفريضة الغائبة»، إذ كفّر بعض الدّول العربيّة، ومنها المصريّة فيما يبدو، وأنّ حكّام العصر كفّار مرتدون وعقوبتهم أشدّ، ويرى «أنّ إعانة الدّول الّتي لا تحكم بالشّريعة حرام، وأموالهم مستباحة بعد التّخميس، وقتالهم واجب، ولا تجوز موالاتهم، ويعتبر الدّولة دار حرب لهذا الفريق –أي فريق المتعاون مع السّلطة من الجيش والحكومة والموظف فيها- دون عامّة النّاس، ودماؤهم وأموالهم مستباحة.

 

ومع ضبابيّة مصطلح الحاكميّة حينها، الّذي ربط في العقل الجمعيّ بالتّكفير، والذي كاد يفتك بالمجتمعات العربيّة والمسلمة، لولا ظهور مصطلح تكفير المعيّن وربطه بقضاء الدّولة، إلا أنّ مصطلح الإلحاد لم ينتشر بتلك الصّورة الّتي نراها اليوم، فمصطلح الحاكميّة بضبابيّته السّابقة نجده يتكرر اليوم وفق مصطلح الإلحاد، وزاده ضبابيّة ما يسمّى بالإلحاد الشّموليّ.

 

وضبابيّة الإلحاد تكمن في التّصنيف المسبق وإدخال التّصنيف في الإلحاد جملة من جهة، ومثل هذا العقلانيّة والنّسويّة واللّبراليّة والحداثويّة والإنسانويّة والعلمويّة، ومن جهة ثانيّة إدخال بعض الجوانب الحياتيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة في الإلحاد، ومثله الدّيمقراطيّة والعلمانيّة والنّباتيّة والعلاج الرّوحي والطّاقة، هذه الضّبابيّة بلا شك تؤدي إلى تشظي في المجتمع من خلال تكفير (إلحاد) السّلطة ذاتها بمؤسّساتها المختلفة، وتكفير العديد من النّظريات السّياسيّة والفكريّة والاجتماعيّة، الّذي يؤدّي بدوره إلى تكفير شريحة كبيرة من المجتمع، وجعلهم في ثنائيّة الإيمان والكفر، وخلق صراع مجتمعيّ، وتصدّع مدني في دولة المواطنة بسبب هذه الثّنائيّة، إذا خرجت عن حيّزها الفرديّ كما هو أصل الأديان، إلى الحيّز الجمعيّ الأثنيّ.

 

لا أريد ممّا سبق إكراه أحد أو إلزامه لغير ما يريده مصطلحًا وإسقاطًا، ولكن يهمني هنا خطورة إطلاق مصطلحات غائمة، وغير منضبطة، مع الخطاب الإنشائيّ غير المقنن والمقعد، وفق مقتضيات العصر الذّي نعيشه، مع تطوّر الخطاب الإنساني وما يحويه من وجه دينيّ، وتطوّر نظريّة الدّولة واتّجاهها إلى دولة المواطنة، كلّ هذا يجعلنا أن نقترب من فردانيّة الخطاب من جهة، ومركزيّة سلطة دولة المواطنة من جهة ثانية، ليبعدنا عن تكرار خطأ ضبابيّة الحاكميّة، الّتي أفرزت جماعات متطرّفة، لندخل في ذات الدّوامة باسم «الإلحاد الشّمولي»، ولو كانت الغاية حميدة ابتداء، إلا أنّ ضبابيّة المصطلح ذاته عن العقل الجمعيّ سيكون له عواقب ليست حميدة بعد حين.

 

بدر العبري كاتب عماني مهتم بقضايا التقارب والتفاهم

نقلا عن صحيفة عمان

 

تعليقات