د. خالد فوزي حمزة يكتب: تفسير قوله تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالذِي أُنْزِلَ عَلَى الذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}

  • أحمد عبد الله
  • الأربعاء 22 يونيو 2022, 12:10 مساءً
  • 308
ا.د خالد فوزي حمزة

ا.د خالد فوزي حمزة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه..

أما بعد.. فيقول الله تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (*) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 72، 73].

هذا الموضع من سورة آل عمران مما أشكل فيه تفسير الآية الثانية، من حيث مدى ارتباطها بالآية قبلها، ومرجع الضمائر فيها..

وقد نص جمع من المفسرين على أنها من المشكلات، قال النحاس: (هذه الآية من أشكل ما في السورة)، وقال الرازي: (واعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة)؛ وقال القرطبي: (وهذه الآية أشكل ما في السورة). [إعراب القرآن للنحاس (1/386)؛ تفسير الرازي (8/259)؛ تفسير القرطبي (4/112)].

** فمن المفسرين من اقتصر على تفسيرها بقول واحد:

ومنهم الإمام ابن كثير فقد قال: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} هذه مكيدة أرادوها ليلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اشْتَوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

قال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، في قوله تعالى إخبارًا عن اليهود بهذه الآية: يعني يهود، صَلَّت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر وكفروا آخر النهار، مكرًا منهم، ليُرُوا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة، بعد أن كانوا اتبعوه.

وقال العَوْفِي، عن ابن عباس: قالت طائفة من أهل الكتاب: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فَصَلّوا صلاتكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا. وهكذا روي عن قتادة والسدي والربيع وأبي مالك.

وقوله: {وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} أي: لا تطمئنوا وتظهروا سركم وما عندكم إلا لمن اتبع دينكم ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين، فيؤمنوا به ويحتجوا  به عليكم؛ قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ}، أي هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان، بما ينزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات، وَإنْ كتمتم ؛أيها اليهود؛ ما بأيديكم من صفة محمد في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين.

وقوله {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} يقولون: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين، فيتعلموه منكم، ويساووكم فيه، ويمتازوا به عليكم لشدة الإيمان به، أو يحاجوكم به عند الله، أي: يتخذوه حجة عليكم مما بأيديكم، فتقوم به عليكم الدلالة وتَتَركَّب الحجةُ في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} أي: الأمورُ كلها تحت تصريفه، وهو المعطي المانع، يَمُنّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصور التام، ويضل من يشاء ويُعمي بصره وبصيرته، ويختم على سمعه وقلبه، ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة والحكمة.

{وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} أي: اختصكم أيها المؤمنون؛ من الفضل بما لا يُحَد ولا يُوصَف، بما شرف به نبيكم محمدًا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء وهداكم به لأحمد الشرائع" [تفسير ابن كثير (2/59)].

وقد صدر صاحب الكشاف، تفسيره للآية بهذا الوجه فقال: «قوله وَلا تُؤْمِنُوا متعلق بقوله: أَنْ يُؤْتى وما بينهما اعتراض، أي: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم. أرادوا: أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب اللّه مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ عطف على أن يؤتى. والضمير في يحاجوكم لأحد، لأنه في معنى الجمع، بمعنى: ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة ويغالبونكم عند اللّه تعالى بالحجة» [تفسير الكشاف (1/373)].

** ومن المفسرين من ذكر الخلاف:

قال الماوردي: قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبعَ دِينَكُمْ} فيه قولان:

أحدهما: معناه لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم.

والثاني: لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع دينكم.

واخْتُلِفَ في تأويل ذلك على قولين:

أحدهما: أنهم كافة اليهود، قال ذلك بعضهم لبعض، وهذا قول السدي، وابن زيد.

والثاني: أنهم يهود خبير قالوا ذلك ليهود المدينة، وهذا قول الحسن.

واختلف في سبب نهيهم أن يؤمنوا إلا لِمَنْ تَبعَ دينهم على قولين:

أحدهما: أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلاً يكون طريقاً لعبدة الأوثان إلى تصديقه، وهذا قول الزجاج.

والثاني: أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلاَّ يعترفوا به فيلزمهم العمل بدينه لإقرارهم بصحته" [تفسير الماوردي النكت والعيون (1/401)].

وبناه الإمام أبو جعفر النحاس على الإعراب؛ ففي إعراب القرآن للنحاس: قال أبو جعفر هذه الآية من أشكل ما في السورة وقد ذكرناها، والإعراب يبينها، فيها أقوال:

فمن قال: إن في الكلام تقديما وتأخيراً؛ فإن المعنى ولا تؤمنوا أن يأتي أحد مثل ما أوتيتم إلا من اتبع دينكم، وجعل اللام زائدة فهو عنده استثناء ليس من الأول وإلا لم يجز التقديم.

ومن قال: المعنى على غير تقديم ولا تأخير جعل اللام أيضا زائدة أو متعلقة بمصدر أي لا تجعلوا تصديقكم إلا لمن اتبع دينكم بأن يؤتى أحد من العلم برسالة النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما أوتيتم.

وتقدير ثالث أي كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم.

وقال الفراء يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله إلا لمن تبع دينكم ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم {قل إن الهدى هدى الله} أي إن البيان بيان الله {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} أي بين أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وصلحت أحد لأن "أن" بمعنى لا، مثل: {يبين الله لكم أن تضلوا} أي أن لا تضلوا.

قال أبو جعفر: في قوله: {قل إن الهدى هدى الله} قولان:

أحدهما: أن الهدى إلى الخير والدلالة على الله بيد الله جل وعز يؤتيه أنبياءه فلا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم مثل ما أوتيتم فإن أنكروا ذلك فقل {إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء}.

والقول الآخر {قل إن الهدى هدى الله} الذي أتاه المؤمنين من التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم لا غيره {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} من البراهين والحجج والأخبار بما في كتبهم أو يحاجوكم عند ربكم.

قال الأخفش: أي ولا يؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا تصدقوا أن يحاجوكم يذهب إلى أنه معطوف، وقال الفراء: "أو" بمعنى "حتى" و"إلا أن" [إعراب القرآن للنحاس (1/386)].

وتوسع ابن الجوزي فذكر أربعة أقوال، لكنها اجتهد في بيانها بما ليس لغيره، قال: (قوله تعالى: {ولا تؤمنوا إِلا لمن تبِع دينَكم} اختلف العلماء في توجيه هذه الآية على أربعة أقوال.

أحدها: أن معناه: ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحدٌ مما أوتيتم من العلم، وفلق البحر، والمنِّ، والسلوى، وغير ذلك، ولا تصدقوا أن يجادلوكم عند ربكم، لأنكم أصح ديناً منهم، فيكون هذا كله من كلام اليهود بينهم، وتكون اللام في «لمن» صلة، ويكون قوله تعالى: {قل إِنَّ الهدى هدى الله} كلاماً معترضاً بين كلامين، هذا معنى قول مجاهد، والأخفش.

والثاني: أن كلام اليهود تام عند قوله: {لمن تبع دينكم} والباقي من قول الله تعالى، لا يعترضه شيءٌ من قولهم، وتقديره: قل يا محمد: إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم يا أمة محمد، إلاّ أن تجادلكم اليهود بالباطل، فيقولون: نحن أفضل منكم، هذا معنى قول الحسن، وسعيد بن جبير. قال الفراء: معنى: «أن يؤتى» أن لا يؤتى.

والثالث: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، تقديره: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، إلا من تبع دينكم، فأخرت «أن»، وهي مقدمة في النية على مذهب العرب في التقديم والتأخير، ودخلت اللام على جهة التوكيد، كقوله تعالى: {عسى أن يكون رَدِفَ لكم} [النمل: 72] أي ردفكم.

وقال الشاعر: (ما كنتُ أخدعُ للخليل بخلَّة... حتى يكون ليَ الخليلُ خَدوعا)

أراد: ما كنت أخدع الخليل.

وقال الآخر: (يذمّون للدنيا وهم يحلبونها... أفاويقَ حتى ما يَدِرُّ لها ثُعْل)

أراد: يذمون الدنيا، ذكره ابن الأنباري.

والرابع: أن اللام غير زائدة، والمعنى: لا تجعلوا تصديقكم النبي في شيء مما جاء به إلا لليهود، فإنكم إن قلتم ذلك للمشركين، كان عوناً لهم على تصديقه، قاله الزجاج.

وقال ابن الأنباري: لا تؤمنوا أن محمداً وأصحابه على حق، إلا لمن تبع دينكم، مخافة أن يطلع على عنادكم الحق، ويحاجوكم به عند ربكم. فعلى هذا يكون معنى الكلام: لا تقروا بأن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، وقد ذكر هذا المعنى مكي بن أبي طالب النحوي.

وقرأ ابن كثير: أان يؤتى بهمزتين، الأولى مخفّفة، والثانية: مليّنة على الاستفهام، مثل: أانتم أعلم. قال أبو علي: ووجهها أن «أن» في موضع رفع بالابتداء، وخبره: يصدقون به، أو يعترفون به، أو يذكرونه لغيركم، ويجوز أن يكون موضع «أن» نصباً، فيكون المعنى: أتشيعون، أو أتذكرون أن يؤتى أحدٌ، ومثله في المعنى: {أتحدِّثونهم بما فتح الله عليكم} [البقرة: 76].

وقرأ الأعمش، وطلحة بن مصرّف: إن يؤتى، بكسر الهمزة، على معنى: ما يؤتى.

وفي قوله تعالى: {أو يحاجوكم عند ربكم} قولان:

أحدهما: أن معناه: ولا تصدقوا أنهم يحاجوكم عند ربكم، لأنهم لا حجة لهم، قاله قتادة.

والثاني: أن معناه: حتى يحاجوكم عند ربكم على طريق التعبّد، كما يقال: لا يلقاه أو تقوم الساعة، قاله الكسائي.

قوله تعالى: {إن الفضل بيد الله} قال ابن عباس: يعني النبوة، والكتاب، والهدى {يؤتيه من يشاء} لا ما تمنَّيتموه أنتم يا معشر اليهود من أنه لا يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم) [زاد المسير في علم التفسير (1/364)].

وقال القرطبي: (قوله تعالى: {وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} هذا نهي، وهو من كلام اليهود بعضهم لبعض، أي قال ذلك الرؤساء للسفلة. وقال السدي: من قول يهود خيبر ليهود المدينة. وهذه الآية أشكل ما في السورة.

فروي عن الحسن ومجاهد: أن معنى الآية ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنهم لا حجة لهم فإنكم أصح منهم دينا. و"أن" و"يحاجوكم" في موضع خفض، أي بأن يحاجوكم أي باحتجاجهم، أي لا تصدقوهم في ذلك فإنهم لا حجة لهم. {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} من التوراة والمن والسلوى وفرق البحر وغيرها من الآيات والفضائل. فيكون "أن يؤتى" مؤخرا بعد {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ}، وقوله {إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} اعتراض بين كلامين.

وقال الأخفش: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا تصدقوا أن يحاجوكم؛ يذهب إلى أنه معطوف.

وقيل: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ فالمد على الاستفهام أيضا تأكيد للإنكار الذي قالوه أنه لا يؤتى أحد مثل ما أتوه؛ لأن علماء اليهود قالت لهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ أي لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ فالكلام على نسقه. و"أن" في موضع رفع على قول من رفع في قولك أزيد ضربته، والخبر محذوف تقديره أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم تصدقون أو تقرون، أي إيتاء موجود مصدق أو مقر به، أي لا تصدقون بذلك.

ويجوز أن تكون "أن" في موضع نصب على إضمار فعل؛ كما جاز في قولك أزيدا ضربته، وهذا أقوى في العربية لأن الاستفهام بالفعل أولى، والتقدير أتقرون أن يؤتى، أو أتشيعون ذلك، أو أتذكرون ذلك ونحوه.

وبالمد قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد. وقال أبو حاتم: "آن" معناه "ألأن"، فحذفت لام الجر استخفافا وأبدلت مدة؛ كقراءة من قرأ {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} [القلم: 14] أي ألأن.

وقوله {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ} على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين؛ أو تكون "أو" بمعنى "أن" لأنهما حرفا شك وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر. وتقدير الآية: وأن يحاجوكم عند ربكم يا معشر المؤمنين، فقل: يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن عليه.

ومن قرأ بترك المد قال: إن النفي الأول دل على إنكارهم في قولهم ولا تؤمنوا. فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم: لا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أي لا إيمان لهم ولا حجة؛ فعطف على المعنى من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى وفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات، أي أنها لا تكون إلا فيكم فلا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم. فالكلام فيه تقديم وتأخير على هذه القراءة واللام زائدة. ومن استثنى ليس من الأول، وإلا لم يجز الكلام. ودخلت "أحد" لأن أول الكلام نفي، فدخلت في صلة "أن" لأنه مفعول الفعل المنفي؛ فإن في موضع نصب لعدم الخافض.

وقال الخليل: "أن" في موضع خفض بالخافض المحذوف. وقيل: إن اللام ليست بزائدة، و"تؤمنوا" محمول على تُقِرّوا.

وقال ابن جريج: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم.

وقيل: المعنى لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم إلا لمن تبع دينكم لئلا يكون طريقا إلى عبدة الأوثان إلى تصديقه.

وقال الفراء: يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله عز وجل {إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ}. أي إن البيان الحق هو بيان الله عز وجل {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} بين ألا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، و"لا" مقدرة بعد "أن" أي لئلا يؤتى؛ كقوله {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176] أي لئلا تضلوا، فلذلك صلح دخول "أحد" في الكلام. و"أو" بمعنى "حتى" و"إلا أن"؛ كما قال امرؤ القيس: (فقلت له لا تبك عينك إنما... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا)، وقال آخر: (وكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما).

ومثله قولهم: لا نلتقي أو تقوم الساعة، بمعنى "حتى" أو "إلى أن"؛ وكذلك مذهب الكسائي. وهي عند الأخفش عاطفة على "ولا تؤمنوا" وقد تقدم. أي لا إيمان لهم ولا حجة؛ فعطف على المعنى.

ويحتمل أن تكون الآية كلها خطابا للمؤمنين من الله تعالى على جهة التثبيت لقلوبهم والتشحيذ لبصائرهم؛ لئلا يشكّوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم. والمعنى لا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدين، ولا تصدقوا أن يحاجكم في دينكم عند ربكم من خالفكم أو يقدر على ذلك، فإن الهدى هدى الله وإن الفضل بيد الله. قال الضحاك: إن اليهود قالوا إنا نحاج عند ربنا من خالفنا في ديننا؛ فبين الله تعالى أنهم هم المدحضون المعذبون وأن المؤمنين هم الغالبون. ومحاجتهم خصومتهم يوم القيامة. ففي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن اليهود والنصارى يحاجونا عند ربنا فيقولون أعطيتنا أجرا واحدا وأعطيتهم أجرين فيقول هل ظلمتكم من حقوقكم شيئا قالوا لا قال فإن ذلك فضلي أوتيه من أشاء".

قال علماؤنا: فلو علموا أن ذلك من فضل الله لم يحاجونا عند ربنا؛ فأعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم يحاجونكم يوم القيامة عند ربكم، ثم قال: قل لهم الآن {إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

وقرأ ابن كثير "آن يؤتى" بالمد على الاستفهام؛ كما قال الأعشى: (أأن رأت رجلا أعشى أضر به... ريب المنون ودهر متبل خبل).

وقرأ الباقون بغير مد على الخبر. وقرأ سعيد بن جبير "إن يؤتى" بكسر الهمزة، على معنى النفي؛ ويكون من كلام الله تعالى كما قال الفراء. والمعنى: قل يا محمد "إن الهدى هدى الله إن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم" يعني اليهود؛ بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم. ونصب "أو يحاجوكم" يعني بإضمار "أن" و"أو" تضمر بعدها "أن" إذا كانت بمعنى "حتى" و"إلا أن". وقرأ الحسن "أن يؤتي" بكسر التاء وياء مفتوحة، على معنى أن يؤتي أحد أحدا مثل ما أوتيتم، فحذف المفعول.

قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} فيه قولان:

أحدهما: إن الهدى إلى الخير والدلالة إلى الله عز وجل بيد الله جل ثناؤه يؤتيه أنبياءه، فلا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم مثل ما أوتيتم، فإن أنكروا ذلك فقل لهم: {إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}.

والقول الآخر: قل إن الهدى هدى الله الذي آتاه المؤمنين من التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم لا غيره.

وقال بعض أهل الإشارات في هذه الآية: لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم فإن من لا يوافقكم لا يرافقكم. والله أعلم.

{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}: أي بنبوته وهدايته؛ عن الحسن ومجاهد وغيرهما. ابن جريج: بالإسلام والقرآن "من يشاء". قال أبو عثمان: أجمل القول ليبقى معه رجاء الراجي وخوف الخائف، {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}) [تفسير القرطبي (4/112)].

وقد لخص الأقوال كلها في تفسير الوسيط، فقال: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ.

وقوله سبحانه حكاية عنهم وَلا تُؤْمِنُوا معطوف على قوله تعالى في الآية السابقة آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ.

وقد فسر بعضهم {وَلا تُؤْمِنُوا} بمعنى ولا تقروا، أو ولا تعترفوا فتكون اللام في قوله إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ أصلية.

وعليه يكون المعنى: أن بعض اليهود قد قالوا لبعض: أظهروا إسلامكم أول النهار واكفروا آخره، لعل هذا العمل منكم يحمل بعض المسلمين على أن يتركوا دينهم الإسلام، ويعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر ولم يكتفوا بهذا القول بل قالوا أيضا على سبيل المكر والخديعة، ولا تقروا ولا تعترفوا بأن أحدا من المسلمين أو من غيرهم يؤتى مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة والفضائل، أو بأن أحدا في قدرته أن يحاججكم أي يبادلكم الحجة عند ربكم يوم القيامة، ولا تقروا ولا تعترفوا بشيء من ذلك «إلا لمن تبع دينكم» أي إلا لمن كان على ملتكم اليهودية دون غيرها.

فالمستثنى منه على هذا التفسير محذوف، والتقدير: ولا تؤمنوا أي تقروا وتعترفوا لأحد من الناس بأن أحدا يؤتى مثل ما أوتيتم أو بأن أحدا يحاججكم عند ربكم إلا لمن تبع دينكم، لأن إقراركم بذلك أمام المسلمين أو غيرهم ممن هو على غير ملتكم سيؤدي إلى ضعفكم وإلى قوة المسلمين.

فهم على هذا التفسير يعلمون ويعتقدون بأن المؤمنين قد أوتوا مثلهم من الدين والفضائل عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله اللّه رحمة للعالمين، ولكنهم لشدة حسدهم وبغضهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولأتباعه، قد تواصوا فيما بينهم بأن يكتموا هذا العلم وتلك المعرفة، ولا يظهروا ذلك إلا فيما بينهم، وصدق اللّه إذ يقول في شأنهم {الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.....

هذا هو الوجه الأول في تفسير الآية الكريمة.

وهناك وجه آخر يرى أصحابه أن قوله تعالى {وَلا تُؤْمِنُوا} بمعنى ولا تصدقوا أو ولا تعتقدوا، فتكون اللام في قوله لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ زائدة للتقوية.

فيصير المعنى على هذا الوجه: أن بعض اليهود قد قالوا لبعض: أظهروا الإسلام أول النهار واكفروا آخره لعل عملكم هذا يجعل بعض المسلمين يترك دينه ويعود إلى الكفر الذي كان عليه؛ لا تصدقوا أن أحدا من البشر يؤتى مثل ما أوتيتم يا بنى إسرائيل من الكتاب والنبوة، أو أن أحدا في قدرته أن يحاججكم عند ربكم فأنتم الأعلون في الدنيا والآخرة وأنتم الذين لا تخرج النبوة من بينكم إلى العرب، وما دام الأمر كذلك فلا تتبعوا إلا نبيّا منكم يقرر شرائع التوراة، أما من جاء بتغيير شيء من أحكامها أو كان من غير بنى إسرائيل كمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تصدقوه.

فالمستثنى منه على هذا الوجه هو قوله «أحد» المذكور في الآية، والمستثنى هو قوله إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ.

والتقدير: ولا تصدقوا أن أحدا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم أو يمكنه أن يحاججكم عند ربكم إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ أي إلا من كان على ملتكم اليهودية، أما أن يكون من غيركم كهذا النبي العربي فلا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة، لأنهما في زعمهم حكر على بنى إسرائيل.

فهم على هذا الوجه من التفسير يزعمون أنهم غير مصدقين ولا معتقدين بأن المسلمين قد أوتوا كتابا ودينا وفضائل مثل ما أوتوا هم أي اليهود، ويرون أنفسهم لغرورهم وانطماس بصيرتهم أنهم أهدى سبيلا من كل من سواهم من البشر.

وعلى كل من الوجهين يكون قوله تعالى: {أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} مفعول به لتؤمنوا.

والتقدير: ولا تصدقوا أو ولا تقروا لأحد بأن أحدا يؤتى مثل ما أوتيتم أو بأن أحدا يحاججكم عند ربكم.

وعلى كل من الوجهين أيضا يكون قوله تعالى: {وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} وقوله: {أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} حكاية من اللّه تعالى لما تواصى به بعض اليهود فيما بينهم من أقوال خبيثة، وأفكار ماكرة.

ويكون قوله تعالى {قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ} كلاما معترضا بين أقوالهم ساقه اللّه تعالى للمسارعة بالرد على أقوالهم الذميمة حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ويزدادوا هم رجسا إلى رجسهم، وينكشف ما أضمروه وما بيتوه للمؤمنين من سوء وحقد.

أي قل لهم يا محمد إن هداية اللّه تعالى ملك له وحده، وهو الذي يهبها لمن يشاء من عباده، فهي ليست حكرا على أحد، ولا أمرا مقصورا على قوم دون قوم، وإذا كانت النبوة قد ظلت فترة من الزمان في بنى إسرائيل، فاللّه تعالى قادر على أن يسلبها منهم لأنهم لم يشكروه عليها وأن يجعلها في محمد العربي صلى الله عليه وسلم لأنه أهل لها وهو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته.

هذا، ويرى بعض المفسرين أن أقوال اليهود التي حكاها القرآن عنهم قد انتهت بنهاية قوله تعالى {وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ}.

وأما قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ}؛ فهو من كلام اللّه تعالى وقد ساقه سبحانه للرد عليهم.

فيكون المعنى عليه: أن بعض اليهود قد قال لبعض: أظهروا إسلامكم أول النهار واكفروا آخره لعل بعض المسلمين يرجع عن دينه بسبب فعلكم هذا، ولا تعترفوا بفعلكم هذا إلا لأهل دينكم من اليهود حتى يبقى عملكم هذا سرا له أثره في بلبلة أفكار المسلمين ورجوع بعضهم عن الإسلام.

وهنا يأمر اللّه تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم وبالكشف عن مكرهم فيقول: قل لهم يا محمد إن الهدى هدى اللّه، أي إن هداية اللّه ملك له وحده فهو الذي يهدى من يشاء وهو الذي يضل من يشاء، وقد هدانا سبحانه إلى الإسلام وارتضيناه دينا لنا ولن نرجع عنه.

وقل لهم كذلك على سبيل التوبيخ والتهكم بعقولهم: أمخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة: أو مخافة أن يحاججكم المسلمون عند ربكم يوم القيامة حيث آمنوا بالحق وأنتم كفرتم به، أمخافة ذلك دبرتم ما دبرتم من هذه الأقوال السيئة والأفعال الخبيثة؟ لا شك أنه لم يحملكم على ذلك المنكر السيئ إلا الحسد لمحمد صلى الله عليه وسلم ولقومه وزعمكم أنكم أفضل منهم لأنكم كما تدعون أبناء اللّه وأحباؤه فدفعكم ذلك كله إلى كراهية دينه والكيد لأتباعه.

قالوا: ويؤيد هذا الوجه من التفسير للآية قراءة ابن كثير «أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم..» بهمزتين أولاهما للاستفهام الذي قصد به التوبيخ والإنكار، والثانية هي همزة أن المصدرية.

وقد أشار إلى هذا الوجه الفخر الرازي فقال ما ملخصه: « واعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة... ويحتمل أن يكون قوله تعالى أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ من كلام اللّه تعالى فقد قرأ ابن كثير «آن يؤتى أحد...» بمد الألف على الاستفهام، ويكون الاستفهام للتوبيخ كقوله تعالى أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ. إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. والمعنى أمن أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم من الشرائع تنكرون اتباعه، ثم حذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير. يقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه. وبعد كثرة إحسانه إليه: أمن قلة إحسانى إليك؟ والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت» [تفسير الرازي (8/259)].

ثم أمر اللّه تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم مرة ثانية حتى يبطل مزاعمهم ويفضحهم على رؤس الأشهاد فقال: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ} أي قل لهم يا محمد: إن الفضل الذي يتناول النبوة وغيرها من نعم اللّه على عباده هذا الفضل وذلك العطاء بيد اللّه تعالى وحده، وهو سبحانه المتفضل به على من يشاء التفضل عليه من عباده، وإذا كان سبحانه قد جعل النبوة في بنى إسرائيل لفترة من الزمان، فذلك بفضل منه ورحمته، وإذا كان قد سلبها عنهم لأنهم لم يرعوها حق رعايتها وجعلها في هذا النبي العربي فذلك أيضا بفضله ورحمته، وهو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته، وهو سبحانه صاحب الاختيار المطلق في أن يؤتى فضله لمن يشاء من عباده. وهو سبحانه واسِعٌ الرحمة والفضل عَلِيمٌ بمن يستحقهما وبمن لا يستحقهما.

ثم قال تعالى {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ} أي يختص بالنبوة وما يترتب عليها من الهداية والنعم من يشاء من عباده.

وقوله {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ} أي هو سبحانه صاحب الجود العميم والفضل {العظيم}، فلا عظمة تساوى عظمة فضل اللّه تعالى على خلقه، وإنما هو وحده صاحب النعم التي لا تحصى على عباده، فعليهم أن يشكروه وأن يفردوه بالعبادة والخضوع.

وبذلك تكون الآيات الكريمة قد كشفت عن مسلك من مسالك اليهود الماكرة التي أرادوا من ورائها كيد الإسلام والمسلمين، وفي هذا الكشف تنبيه للمسلمين إلى ما يبيته لهم هؤلاء الأعداء من شرور وآثام حتى يحذروهم. [التفسير الوسيط للقرآن الكريم (2/147)].

والله أعلم وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


كتبه:

أ. د. خالد فوزي عبد الحميد حمزة

الأستاذ الدكتور بجامعتي العلا ومينيسوتا

تعليقات