جوهانس كلومنك يكتب: دليل الفطرة

  • أحمد عبد الله
  • الأربعاء 27 أبريل 2022, 07:30 صباحا
  • 59
أرشيفية

أرشيفية

من مقالات مركز يقين لنقد الإلحاد واللادينية.


 قد وردت كلمة الفطرة في كثير من نصوص القرآن والسنة، مثل قوله تعالى: (فَأَقِم وَجهَكَ للدين حَنِيفًا فِطرَتَ الله التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيها) [سورة الروم:30]، وهي مذكورة في قول الرسول r: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصراه أو يمجسانه) [صحيح البخاري (1319)، وصحيح مسلم (2658)]. والمراد بالفطرة في هذه النصوص عند عامة علماء السلف هي: الإسلام [انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (18/ 72)].

ولكن، ليس المراد بهذا الحديث أن الطفل يعرف الإسلام عقائده وشرائعه، ولكنّ الفطرة تقتضي الإسلام؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وإذا قيل: إنه وُلد على فطرة الإسلام، أو خلق حنيفًا ونحو ذلك. فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده. فإن الله تعالى يقول: (وَاللهُ أَخرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمهاتِكم لا تَعلَمُون شيئًا) [سورة النحل:78]. ولكن فطرته مقتضية موجبة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبته. فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضاها تحصل شيئًا بعد شيء، بحسب كمال الفطرة، إذا سلمت عن المعارض)) [درء تعارض العقل والنقل: (8/ 383)].

وقال رحمه الله أيضًا: ((إذا ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته ومحبته، حصل المقصود بذلك، وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج كثير منهم في حصول ذلك إلى سبب معين للفطرة: كالتعليم والتخصيص. فإن الله قد بعث الرسل، وأنزل الكتب، ودعوا الناس إلى موجب الفطرة: من معرفة الله وتوحيده، فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة، وإلا استجابت لله ورسله، لما فيها من المقتضى لذلك. ومعلوم أن قوله: كل مولود يولد على الفطرة، ليس المراد به أنه حين ولدته أمه يكون عارفاً بالله موحداً له، بحيث يعقل ذلك. فإن الله يقول: (وَاللهُ أَخرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمهاتِكم لا تَعلَمُون شيئًا) [سورة النحل: 78] ونحن نعلم بالاضطرار أن الطفل ليس عنده معرفة بهذا الأمر، ولكن ولادته على الفطرة تقتضي أن الفطرة تقتضي ذلك، وتستوجبه بحسبها.

فكلما حصل فيه قوة العلم والإرادة، حصل من معرفتها بربها، ومحبتها له، ما يناسب ذلك كما أنه ولد على أنه يحب جلب المنافع ودفع المضار بحسبه، وحينئذ فحصول موجب الفطرة، سواء توقف على سبب، وذلك السبب موجود من خارج، أو لم يتوقف، على التقديرين يحصل المقصود. ولكن قد يتفق لبعضها فوات الشرط أو وجود مانع، فلا يحصل مقصود الفطرة))[1].

والخلاصة من كلام شيخ الإسلام أن في الفطرة قوّتين يجدهما الإنسان في نفسه بالضرورة، وهما: القوّة العلمية والقوّة الإرادية. والقوّة العلمية مستلزمة للقوّة الإرادية عند انتفاء الموانع، والقوّة الإرادية تتضمّن العلم بالمراد، إذ يستحيل أن تكون الإرادة لغير مراد معلوم [انظر: مجموع الفتاوى (4/ 32)].

الصياغة المنطقية لدليل الفطرة:

ويمكن الاستدلال بدليل الفطرة على وجود الله بالصياغة المنطقية التالية:

المقدّمة الأولى: الاعتراف بوجود إله ذي كمال مطلق علم ضروري لكلّ إنسان.

المقدّمة الثانية: كلّ علم ضروري للإنسان لا بدّ أن يكون له وجود واقعي خارج ذهنه.

النتيجة: إذن، المعرفة الفطرية الضرورية بالله ذي كمال مطلق دالّة على وجوده الواقعي خارج إطار الذهن.

الاستدلال على المقدّمة الأولى:

قد أثبت العلم التجريبي في هذا الزمان أن الاعتراف بالخالق علم ضروري لدى كلّ إنسان، وذلك من جانبين: علم الوراثة (Genetics)، وعلم النفس (Psychology).

العلم الأوّل: علم الوراثة. أشهر عالم اهتمّ بقضية الفطرة هو الدكتور دين هامير (Dean Hamer) – عالم الوراثة الأمريكي وحامل شهادة الدكتوراه في علم الوراثة من جامعة هارفارد -. وقد اهتمّ اهتمامًا كبيرًا بفطرية الإيمان بالله، وتوصّل إلى النتيجة أن الإيمان بالله مربوط بقوّة في جينات الإنسان. وقد ألّف كتابه المشهور: الجين الإلهي – كيف أن الإيمان مربوط بقوّة في جينياتنا – (The God Gene – How Faith is Hardwired into our Genes). ويزعم أنه قد وجد الجين المسؤول عن هذا الإيمان الفطري، وهو جين (VMAT2). وهذا الكتاب ليس مبنيًا على أسس دينية، بل المؤلّف نفسه يصنّف بأنه لاأدري.

العلم الثاني: علم النفس. قد اهتمّ البروفسور جاستين باريت (Justin Barrett) – حامل شهادة الدكتوراه في علم النفس من جامعة كورنيل، وعمل في جامعة أكسفورد كباحث علمي فترة طويلة – بإجراء أبحاث علمية نفسية في البحث عن الفطرة الإنسانية اهتمامًا بالغًا. فقاد البروفسور باريت مع زميله روجير تريغ – بروفسور الفلسفة في جامعة أكسفورد - مشروعًا علميًا ضخمًا مع 57 باحثًا من 20 دولة عن فطرية الإيمان، وكتب البروفسور تريغ كخلاصة عن بحثهما بقوله: ((لقد جمعنا أدلة كثيرة تثبت أن التديّن حقيقة مشتركة في طبيعة الإنسان في المجتمعات المختلفة))

[انظر: https://www.telegraph.co.uk/news/politics/8510711/Belief-in-God-is-part-of-human-nature-Oxford-study.html].

وألّف البروفسور باريت كتابه المشهور: مؤمنون بولادة - علم الإيمان الديني لدى الأطفال – (Born Believers: The Science of Children's Religious Belief)[2]. وهذا الكتاب مبني على تجاربه العلمية خلال عشرين سنة، وقد دلّل بأدلة كثيرة جدًّا مبنية على أبحاث علمية أن الأولاد يولدون مفطورين على الإيمان بالخالق، وأن المبادئ الفطرية – التي أنكرها جون لوك – موجودة لدى الإنسان منذ ولادته. وخلاصة كتابه أنه قال: ((وبغضّ النظر عن الثقافة ودون الحاجة إلى تلقين بالإكراه، ينمو الأطفال بنزعة للبحث عن معنى محيطهم وفهمه، وعند منح المجال لتطوّر عقولهم ونموّها طبيعيًا يؤدّي بهم هذا البحث إلى اعتقاد بعالمَ مصمّم له غاية، وأن صانعًا حكيمًا قد صمّمه، ويفترضون أن هذا الصانع المقصود كلّي القدرة، وكلّي العلم، وكلّي الإدراك وأبدي. ولا يحتاج هذا الصانع أن يكون مرئيًا أو متجسّدًا مثل البشر. ويربط الأطفال بسهولة هذا الصانع بالخير الأخلاقي وبأنّه مصدر الإلزام بالقيم الأخلاقية. وتعلّل هذه الملاحظات والاستنتاجات جزئًا سبب الانتشار الواسع للإيمان بالآلهة بهذه الصفات العامة عبر الثقافات وعلى مدى التاريخ)) [فطرية الإيمان  - كيف أثبتت التجاترب أن الطفال يولدون مؤمنين بالله – (20 – 21)].

الاستدلال على المقدّمة الثانية:

الاستدلال على المقدّمة الثانية هو استدلال منطقي من أن المعارف الضرورية لا بدّ أن يتحقّق مقتضاها في الخارج. وقد لخّص الدكتور عبد الله القرني اقتضاء القوة العلمية لفطرية معرفة الله بكلام بديع إذ قال: ((معرفة الله تعالى ليست من جنس التصوّرات الممكنة، بل هي تصوّر ضروري مفروض على الذهن، ولهذا لم يمكن الفصل بين تصوّر وجوده وتحقّق وجوده كبقية الأشياء؛ لأن تصوّرها ليس ضروريًا بل ممكنًا، ولم يمكن تصوّر أكثر من إله؛ لأن معرفة الله إنما تتعلّق بمعيّن متّصف بجميع صفات الكمال، والضرورة الفطرية لا تحتمل اتّصاف غير الله بها، كما لا يمكن النقص من صفات الكمال الثابتة لله تعالى بالفطرة لأنها ضرورية، ولو كانت قائمة على تصوّر نظري لأمكن النقص منها ... والحاصل أن من سلّم بالمعارف الفطرية فلا بدّ أن يسلّم بهذا الاستدلال على وجود الله تعالى؛ لأنه مجرّد كشف عن حقيقة المعرفة الفطرية لله تعالى، وهي معرفة لا تقوم على الاستدلال والنظر، وإنما على المعرفة المباشرة، من حيث هي مقتضى الخلقة والفطرة التي فطر الله الناس عليها. وأما من نفى المعارف الفطرية، وادّعى أنه لا يمكن إثبات وجود الله تعالى إلا عن طريق الاستدلال النظري فإنه لا يمكن أن يثبت وجود الله تعالى من مجرّد تصوّر الكمال المطلق؛ لأنه عنده تصوّر ممكن وليس بضروري)) [المعرفة في الإسلام (213 – 215)].

وقد سبق الاستدلال من العلم التجريبي على أن هذه المعرفة ضرورية، وليست نظرية. وذلك أن هذه المعرفة الضرورية قد غرسها الله تعالى في كلّ إنسان، كما سبق في الحديث النبوي الشريف. وقد ذكر ذلك رينيه ديكارت – الفيلسوف الفرنسي المشهور – إذ يتحدّث عن المعرفة الضرورية بوجود الله: ((لا يبقى ما يقال بعد ذلك إلا أن هذه الفكرة وُلدت ووُجدت معي منذ خُلقت، كما وُلدت الفكرة التي لدي عن نفسي، والحقّ أنه لا ينبغي أن نعجب من أن الله حين خلقني غرس فيّ هذه الفكرة لكي تكون علامة للصناع مطبوعة على صنعته)) [التأمّلات: (155)].

النتيجة:

فبناء على هاتين المقدّمتين كانت النتيجة واضحة وجليّة، وهي أن الله تعالى هو الخالق الذب خلق الإنسان، وفطره على المعرفة به وإرادة التوجّه إليه.

[كتبه: جوهانس كلومنك (عبد الله السويدي)، الباحث في يقين لنقد الإلحاد واللادينية]


[1] المصدر السابق (8/ 460 - 461)

[2] وقد ترجم مركز دلائل هذا الكتاب وطبعه بعنوان: فطرية الإيمان  - كيف أثبتت التجاترب أن الطفال يولدون مؤمنين بالله –.

تعليقات