فاضل متولي يكتب: فصول محو الإلحاد

  • جداريات Jedariiat
  • الخميس 13 يناير 2022, 5:37 مساءً
  • 383

مسألة الغيب: هناك مفهوم تدل عليه كلمة الوجود ومفهوم تدل عليه كلمة العدم.

وتحت عنوان الوجود هناك موجودات، لكن تحت عنوان العدم ليست هناك معدومات. فنحن نستطيع أن نقول: من أمثلة الموجودات كذا وكذا وكذا. لكننا لا يمكننا أن نقول: من أمثلة المعدومات كذا وكذا؛ ذلك أن العدم لفظ دال على لا شيء. (نحن نعلم أن الخيال قد يخلق صورا وأجساما وأصواتا، وقد يخلق كيانا يجتمع فيه الصوت والصورة والجرم، وقبل التمثيل للمعدوم لا بد أن يخلق الخيال شيئا يذكره مثالا على المعدوم. فيقول: الغول من المعدومات، أو الغول من أمثلة العدم)

وقد يسأل سائل: فلما وضع لفظ دال على لا شيء؟

والجواب يسير: إن اللفظ هو الذي يفهم المعنى، فلو أن أحدا سألني ماذا غير الوجود؟ فلذت بالصمت فإنه لن يفهم شيئا، فلا بد إذن أن أتلفظ بكلمة وإن كان مفهوم هذه الكلمة لا شيء حتى يفهم السامع. فكلمة العدم أدل على لا شيء من الصمت.

وأما الوجود فهو لفظ دال على الموجودات المعلومة والمجهولة سواء أثبتت وجودها أو أنكرته. فإنكاري لها رغم وجودها لا ينفي وجودها وإنما يدل على جهلي بها: فإذا قلت لشخص: في جسم الإنسان كمية حديد تكفي لصنع مسامير كبيرة، فأنكر ذلك فإن إنكاره ليس قدحا في الحقيقة بل هو قدح في علمه هو والحقيقة ثابتة. ولا بد أن نذكر جيدا أن كل من ينكر يستحث قدراته الجدلية وفرضيات وتصورات وما بلغه من علم صحيح أو غير صحيح يستجمعه ليستنتج بطلان هذه الحقيقة التي يجهلها، وهو يحاول أن يزاوج بين معلوماته وبين منطقه الذي يصطنعه.

وفي نفس الوقت تغيب عنه حيثيات مهمة لو استحضرها لتغير حكمه، هذه الحيثيات موجودة، لكنه لم يفطن إليها.

ورغم كل ذلك تبقى الحقيقة حقيقة لا يطعن في كونها حقيقة جهل جاهل أو إنكار منكر.

تنقسم الموجودات إلى واقع وغيب.

الواقع هو ما يقع في دائرة الحواس الخمس واحدة منها على الأقل. وليس المقصود بالواقع أو ما يقع في دائرة الحواس اسم الشيء أو وصف يتعلق به كالحجم أو اللون أو الرائحة أو الملمس أو الطعم أو صفة تتعلق بالصوت المنبعث منه. وإنما تقتصر كلمة واقع على المدرك الذي يشترك فيه الإنسان والحيوان.

أو يشترك فيه الإنسان الذي لم يتعلم الأسماء والإنسان الذي تعلمها كتابة ولم يتعلمها صوتا والذي تعلمها صوتا وكتابة.

خذ مثلا الأرض: وأنت تنظر الأرض، وتقول: هذه هي الأرض. وينظر إليها من لم يسمع الكلام قط لكنه تعلم كتابة فإذا سألته باللغة المناسبة له؟ ما هذه؟ فسيكتب )أرض( لكنه لو نطقت أمامه وسمع الكلمة دون مصاحبة النطق بما يدل عليها، فإنه لن يعرف أن المراد بهذا النطق هذه الأرض.

فمن الصم من يستطيع أن يعرف الأشياء ولكن وجودها في ذهنه ليس كوجودها في ذهن الناطق لا عن قصور في ذكائه ولكن عن اختلاف طريقة دخول المعلومة إلى عقله وبالتالي الطريقة التي تطبع بها هذه المعلومة في ذهنه.

وأما الحيوان فيدل على معرفته للأشياء أن تعامله معها منظم: فالحمامة تصنع بإحكام الطبق الذي تبيض فيه من مواد مناسبة تختارها هي لذلك الغرض ولا تخطئها، وهذا يدل على أنها تعرفها، ولكنها لا تستطيع أن تربط بين الأشياء وبين الألفاظ الدالة عليها  وليس الكلام هنا عن مقدار الذكاء ولكنه عن طريقة إدخال المعلومة وطريقة تخزينها في الذهن. ولا تحدثني عن الدواب التي تدرب على الربط بين اللفظ والمدلول بحيث إذا قلت لواحد منها: هات الحقيبة. فإنه يعرفها ويأتيك بها؛ فهذه الظاهرة لا تشمل إلا قدرا لا يذكر من أمة البهائم.

أنت ترى النور بعينيك، وتسمع الصوت، وتلمس الحرارة أو البرودة أو الخشونة، فهذا الشيء الذي تراه أو الذي تسمعه أو الذي تلمسه هو المادي، هو الواقع، أما اسمه وصفته وحكمك عليه فغيب.

إذن فالواقع هو الشيء ذاته والحالة المحسوسة التي يترتب عليها الحكم عليه بصفة تناسب هذه الحالة حسب لغة الشخص المدرك، أما الأحكام التي نطلقها عليه سواء كانت صفة حقيقية متفق عليها أو رأيا ناتجا عن استنباط العقل فكلها غيب. وهذا يقودنا إلى القول بأن كل واقع يتعلق به غيب أنه ليس هناك واقع منفصل تماما بلا غيب.

وتطلق كلمة غيب على شيء له وجود، لكن وجوده لا يدرك بإحدى الحواس الخمسة.

الحواس الخمسة هي السمع والبصر واللمس والشم والتذوق.

ومعنى هذا الكلام أن العدم ليس غيبا؛ فالغيب لا يعني العدم ولكنه يعني وجودا خارجا عن الإدراك بالحواس الخمسة كما ذكرنا.

وهذا –بدوره- يعني أن كل شيء موجود في الحقيقة وعلى نحو معلوم أو مجهول هو غيب ما دمت لا تستطيع أن تدرك وجوده بواحدة من حواسك السابق ذكرها.

ومثال ذلك إذا كنت تجالس شخصا ما: أباك، صديقك، وكان متعطرا بعطر نفاذ، ثم قام وصافحك ثم انصرف وهو يتلو شيئا من كتاب يحفظه ثم غاب عن يدك مس يده وعن أنفك فوح عطره وعن أذنك ترجيع صوته ولكن بقي في دائرة بصرك فليس غيبا. أما عندما يختفي عن عينيك ويتساوى من حيث هذه الحواس بمن لم ترهم قط فعندئذ يكون غيبا.

ولكنه لا يكون عدما.

هكذا فهمنا الفرق بين الغيب والعدم: الغيب له وجود لكن لا تحيط به الحواس الخمسة. والعدم لا وجود له .

كل ما خرج عن نطاق الحواس الخمسة هو غيب سواء كانت له علامات ترشد إليه أم لم يكن.

ونخرج من ذلك أيضا أن الحواس الخمسة ليست هي فقط وسائل الإدراك للإنسان.

 

والعلامات ثلاثة أنواع: علامات سابقة وهي المقدمات، وهي التي تسبق الوجود أو الحدوث.

علامات مزامنة، وهي التي تكون موجودة في وقت الوجود أو الحدوث.

علامات لاحقة تخبر بوجود أو حدوث الشيء قبلها وقد انتهى وبقيت هذه العلامات دليلا عليه وهذه العلامات تسمى أيضا الآثار.

مثال:

يكون الجو معتدلا أو مائلا إلى البرودة في أول الصباح، ويرى الناس الضباب أو الشبورة فيقولون: سيكون اليوم حارا.

فهذا التنبؤ غيب وإن كانت له مقدمات ظاهرة وهي الضباب.

يرى الطبيب تغيرا في لون العين فيقول للمريض: أنت مصاب بشيء في كبدك أو كذا أو كذا. فهذه الإصابة غيب وإن كان لها علامات ترشد إليها.

وترى أنت شجرة جافة في صحراء فتقول كان هنا ماء.

 

تعليقات