نيهال القويسني تكتب حول "حانة الست"

  • أحمد حماد
  • الخميس 04 نوفمبر 2021, 10:13 مساءً
  • 501

قد تكون مغامرة كبرى، أن يقدم كاتب روائي على تناول حياة شخصية فنية معاصرة، طبقت شهرتها الآفاق على مدى عقود طويلة. وربما كانت المغامرة الأكبر منها أن يقدم على التحدث بلسانها وليس بصفته السارد أو الراوي العليم. ولكن هذا هو ما فعله كاتب هذا العمل الأدبي، وما وضع نفسه فيه بمحض إرادته، ربما من باب تحدي قدرته الإبداعية.

ومبلغ الخطورة في المغامرة الأولى أن الأحداث والشخصيات مازالت حاضرة في أذهان قطاع عريض جدا من المعجبين بفنها، ومن تعاملوا معها عن قرب أو تداخلت خيوط حياتهم مع حياتها بصورة أو بأخرى. أضف إلى ذلك المسلسل التليفزيوني الشهير الذي
أرِّخ لأحداث حياتها ولكل المحيطين بها.

اما المغامرة الثانية، والتي تقترب في نظري من المستحيل، هي أن يُقدم رجل على التحدث بلسان أنثى في مراحل عمرية مختلفة. ففي قناعتي ان الرجل لا يمكنه مطلقا الإحساس بمشاعر الأنثى، خاصة وإن كانت طراز متميز جدا وغير تقليدي من النساء. والأكثر جرأة ان يصف ما تختلج به نفسها في لحظات مختلفة من حياتها، تناول فيها أطراف من حكايات نعرفها عنها، وحكايات نعرف طرفا منها وقد اختلطت بالشائعات والنميمة. ثم أكمل الدائرة باستحضاره لروح بطلته، ومحاولة استشعاره لنوازعها الداخلية في ضوء دراسته المتعمقة لشخصيتها، مضافا إليها وعيا اظنه نابع من دراسة نفسية سيكولوجية متعمقة للنفس الإنسانية.

وعلى الرغم من هذه العقبات القوية التي لا يستهان بها، إلا أن الكاتب أقدم على هذه التجربة طائعا مختارا، وهو مدرك تماما لمغبة إقدامه عليها من كافة النواحي. وأظنه أمرا يستحق الإعجاب والتقدير.
 
وقد رسم الكاتب صورة شاملة وافية لنشأة بطلته في قرية من قرى مصر الفقيرة، خلال عصر كانت حقوق الإناث فيه مهدرة، وكان يُنظر إليها على أنها هم وعبء على ذويها، وخاصة في الأرياف والقرى، لذا كان عليها، طوال الوقت، بذكائها الفطري، أن تبذل جهدا كبيرا لتثبت قيمتها وقيمة وجودها في الحياة. وقد أجاد في رسم هذه الصورة بحرفية كاتب متمكن.
ثم انتقل بنا ليرسم صورة أخرى لبداياتها في القاهرة، بنمط الحياة فيها والأماكن والشخصيات والسياق العام بمنتهى السلاسة. فأجاد ايضا في وصف تلك النقلة النوعية التي غيرت شكل حياتها ومضمونها بكل تفاصيلها.

أضف إلى ذلك تأثير ظهور شخصية الشيخ أبو العلا محمد في حياتها، والدور المحوري الذي لعبه في تغيير دفة حياتها، بإستقدامها إلى القاهرة. إلى جانب تأثيره النفسي والعاطفي عليها، والذي اعتقد انه احتاج لجهد كبير وحساسية فائقة من الكاتب كي يصيغه على الصورة التي وصفها بها في سياق الرواية.  

والمطالع لهذا العمل لا بد أن يدرك أن كاتبه قد قام بجهد بحثي مستفيض ومتعمق حول حياة بطلة روايته والعصر الذي كانت تعيش فيه والشخصيات التي كانت حولها. فقد جمع وقرأ وغاص في كل المعلومات المتاحة عنها. المطربة المصرية الأشهر في التاريخ الحديث، تلك الشخصية المثيرة للإعجاب حد الهوس بجمال صوتها وقوته، وذكائها الفني في اختيار الكلمات والألحان، وللجدل والأقاويل  بكل ما أثير حولها من شائعات، ومن خلال كل الأحداث التاريخية التي مرت بها ومواقفها منها. فنجد انه قد أرخ للوجدان المصري خلال حقبة تاريخية هامة كانت تعج بالأحداث الجسام والتقلبات الحادة.  

وقد يظن بعض من يطالعون الرواية أن الكاتب يُعَرِض بسيرة بطلته أو يهاجمها عن طريق تأكيد الأقاويل التي أثيرت عنها في مراحل حياتها المختلفة. لكني في الواقع أراه قد أنصفها حيث كان موضوعيا وحياديا في طرح  كل ما أثير حولها. فقد عرض كل شيئ تصريحا أو تلميحا، فلم يترك شاردة أو واردة سواء كانت موثقة ومعروفة أم شائعة أثيرت في الأروقة وعلى ألسنة المنافسين. المهم انه غطى كل ما وقع تحت يديه من أخبار واحداث، نعلم منها جزءا ونجهل الآخر.  وترك الحكم في النهاية لمن يقرأ، ولكنه ككاتب لم يحاكم الشخصية أو يتخذ منها موقفا محددا، وترك للقارئ أن يقدر ذلك بنفسه، فهي في النهاية بشر.

يأخذنا ذلك إلى نقطة أراها هامة جدا في كتابة هذا العمل الأدبي، حيث تمكن كاتبه، بجهد عقلي ونفسي كبير من خلق حلقة الوصل بين ما نعرفه وما لا نعرفه، وما يدور في خلد بطلته باستخدام خياله الأدبي.  واعتقد انه قد احتاج لدراسة سيكولوجية بطلته والغوص في أعماقها بصورة كبيرة لكي يتمكن من تحقيق ذلك الرابط. بالإضافة لدرايته بعلم النفس من عدة زوايا، وظفها كلها لخدمة هذه التجربة الأدبية المتميزة واحسن استخدامها.

اما من ناحية اللغة المستخدمة في الكتابة، فقد أجاد الكاتب في  صياغتها واختيار ألفاظها وتوظيفها بصورة حققت قدرا كبيرا من السلاسة للقارئ العادي، سواء بسواء مع القارئ المتعمق المتخصص، الذي لا يتوقف عند الإستخدامات المعتادة للغة. بحيث حققت اللغة المستخدمة متعة القراءة ورسمت صورة واضحة المعالم في خيال المتلفي، وتركت قدرا آخر ليستشفه بذكائه من بين السطور.
وهناك مقاطع متعددة أظهرت موهبة الكاتب الأدبية في الصياغة، والحرفية في غزل الخيوط الدرامية الدقيقة، بحيث رسم لقارئه صورة ذهنية غاية في الأمانة عن الشخصية التي اختارها بطلة لهذا العمل الأدبي.

وفي واقع الأمر أن تصنيف هذا العمل الأدبي من الصعوبة بما كان..فهو ليس رواية بالمعني التقليدي للكلمة، كما أنه ليس خيالا محضا، ولا هو سيرة ذاتية محققة. في النهاية هو طراز مختلف ومتميز وعميق من الكتابة الأدبية، من الواضح أن كاتبه قد بذل جهدا كبيرا ليخرجه بهذه الصورة، وقد نجح في ذلك بامتياز.

تعليقات