هبة آلسهيت تكتب: حول قصة "حدث في الواحة" لـ حسام عقل

  • أحمد عبد الله
  • السبت 05 يونيو 2021, 11:05 صباحا
  • 76
الناقدة هبة آلسهيت - والدكتور حسام عقل

الناقدة هبة آلسهيت - والدكتور حسام عقل

عندما قرأت هذه القصة القصيرة لأستاذنا الدكتور حسام عقل ، ترددت بل تهيبت في البداية عن تناولها بالنقد ، فالإقدام على الدكتور حسام عقل نقديا أمر ليس بهين ، لكن كيف  أفلت من يدي نصا بهذا الثراء ، نصا يستفز الناقد ويحرضه على التناول ، وظللت أقدم رجلا وأؤخر  أخرى ، حتى حسمت أمري ، بأنه كما قال الشاعر " وفاز باللذة الجسور" ، فليسامحني الدكتور الجليل على هذه الجرأة ، وأرجو ، أن يجد فيها جرأة محمودة ، وما قدمته سوي لقمة متطفل  على  مائدته ، وغيض  من فيضه ، ونقطة من بحره . أو كما يقول الزمخشري في ربيع الأبرار " رشاش من سجله  ، ورذاذ من وبله  . أنا كمهدي الماء إلى لجة البحر"

نوع القصة :

 سنسميها اسما جديدا لم يرد في الأجناس الأدبية الوافدة لنا. نسميها :(فانتازيا واقعية ) مع ما يبدو من  تضاد الكلمتين ظاهريا  ، إلا أنها تنطبق على موضوع  السردية . 

1- تطالعنا العتبة الأولى للنص لتدفع  القارئ للسؤال ؟ ماذا حدث في الواحة ؛ فالعنوان إما أن يكون :(حَدَثَ في الواحة ) أي وقع أمر ما في الواحة ، العنوان يتكون من فعل يفيد (الوقوع)  ، ثم شبه جملة ،  فالغموض يكتنف العبارة . 

وإما أن يكون العنوان (حدثٌ في الواحة ) وهنا نكون بصدد جملة خبرية مبتدأها نكرة ، فما يزال الغموض هو مصيرنا . 

فنجحت العتبة في شد انتباه القارئ للتقدم لفك اللغز وكشف المخبأ؛ ببنيتها  المراوغة .

والغموض  هنا ليس بغرض التشويق فقط ، بل للتهويل  لأنه حدث عجيب خارج عن المألوف . 

تقول السرديه 

"لا يدري، على وجه التحديد، ما الذي نقله في خفة خيالية كانخطافة البصر، إلى هذه الواحة المخضلة، حيث يتناهى إلى سمعه خرير خفيف  هامس لماء الغدير، الذي يقع على مبعدة أمتار منه و قد نفذت في خيشومه رائحة الماء ،  حية  ناضرة برذاذها المتشذر  ، معبأة بنكهة الواحة  العامرة ،  بزيتونها  ذي الأغصان المتهدلة و نخيلها الوارف    ؟" 

ونقول :

تبدأ السردية بعتبة ثانية تتوافق مع الأولى ، ف (لا أدري) تنفي المعرفة وتؤكد الغرابة والعجائبية في الأحداث . 

-ثم نواجه فورا فقرة ، تبرز  حساسية  عالية في استخدام الفونيم ، فلو تأملنا الفقرة لوجدنا استخدامه لحرف (الخاء ) بشكل مكثف في قوله " (في خفة خيالية كانخطاف ،المخضلة خرير،خفيف ، خيشومه ، نخيلها ) وحرف الخاء من حروف الهمس ، ضعيف رخو ، يحتل موقعه في المفردات التي يدل معناها على الخفوت والهمس في الأداء  ، وتم استخدامها في أول الكلمات في (خفة خيالية ، خرير خفيف) وهو دلالة  خفوت الحدث مع دلالة معنى الكلمات .

- ثم نلاحظ في كلمتى (خرير خفيف ) أنهما على وزن ( فعيل )واتفاقهما يصنع نوع من المحاذاة التي تؤدي إلى أن يصنع الصوت اللغوي مواءمة أسلوبية ذات أثر جمالي لاستعمال المفردة . 

 وتآزرت هذه الأدوات الصوتية والدلالية  على إبراز معنى الاختطاف اللاإرادي ، وهو الانتقال  الزمني والمكاني السريع   . كلمح البصر ، بانفتاح عين الروح على هذه الواحة ، والتي اشتركت في إدراكها كل أدوات الحس المادية من بصر وسمع وشم ، إنها واحة حقيقية .

 وتستدعي عبارة (كانخطافة البصر )قول الله تعالى : ({وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ } [القمر: 50]

فاتسقت النقلة العجائبية اللحظية  ،مع التناص في أنها حدثت بأمر الله الذي إذا أراد تكوين شيء جرى  كَوَّنَهُ بكلمة (كُنْ) .

والواحة التي تغمرها  مياه المطر  ، مخضرة يانعة ، يسمع صوت تدفق ماء المطر إلى مسيله .واستخدام (هامسا ) تؤنسن الماء وتنفث في الجمادات الحياة ، وتضفي نوع من الحميمية فالهمس النطق بصوت خفيض للإفضاء  بسر ما . 

واستخدمت السردية كلمتين جاسئتين هما الخيشوم ، المتشذر ، فكانتا كلمتين خشنتين في إطار الجمال واللطف والليونة التي تصفها الفقرة . 

 وربما صدمتا الذائقة اللغوية المعاصرة ، ولا ننسى ما قيل عن (مستشزرات إلى العلا ) في كتب البلاغة .  

تقول السرديه 

"سحرت عينيه ، بانجذابة صوفية منتشية ، مشاهد هذه الواحة العجيبة  ( المباغتة ! )  و مرائيها الأثيرية المبهرة التي ترف كتكوينات الحلم  ، و هو ابن المدينة  الذي ألف الصخب وتعاطي البنايات الشاهقة ، و حركة المركبات الغوغائية ،  المحتشدة المتدافعة في الطرق المتعرجة التي تعمرها نداءات العاصمة  ! 

أي يد صناع  غلابة  بشكيمتها المهيمنة ، نجحت في أن تنتزعه من الحواضر الحية الطافحة بالجؤار و الأصوات المتداخلة إلى هذه الواحة ، بصمتها المهيب و أشجارها و غدرانها و رمالها العاكسة لخيوط أشعة الشمس المائلة  ؟!"

ونقول :

نتوقف عند فقرة  وصف تلك الواحة السحرية أو التي كادت أن تكون سحرية ،أو هي قطعة من الجنة أو كادت أن تكون كذلك ، حيث الانكشاف المفاجئ لها ، والتعبير عن الحدث ب(المباغت)  ، يفيد أن الانكشاف للواحة حدث ليس فقط فجأة؛ بل ظهرت كلها دفعة واحدة .مما يتسق ويؤكد من انكشافها المفاجئ الذي وقع بكلمة (كن ) الإلهية كما سبق . 

- كما أن قوله (أي يد صناع غلابة مهيمنة  ) تستدعي  لنا في تناص متسق مع الحدث قول الله تعالى  (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } [النمل: 88]

- لكن الفقرة بدأت بجملة (سحرت عينيه ) والسحر : تخييل خلاف الحقيقه ، وأكد هذا المعني بجملة (بانجذابة صوفية منتشية ) مما يؤكد معنى السحر الذي ذكرناه ، حيث النشوة هي السكر ، والانجذاب الصوفي طي مراحل السلوك وطي المقامات في لحظة مما يصيب صاحبه بغيبته عن الواقع ؛فالعبارة تشي بوقوع صاحبنا في الوهم البصري والاختلاط الذهني . 

- انتقل السارد   إلى وصف مشاعر الشخصية الرئيسية بين مرأى هذه الواحة الشفيفة الرفيفةالمبهرة ، ومقارنته بينها وبين جمالها وهدوئها ؛وبين المدينة وضجيجها   

- وننوه إلى أن  هذه الفقرة تحمل في أحشائها  أكثر مما يبدو في ظاهرها وتخبئ من الأسرار والدلالات أكثر مما تشي به

-  حيث أن المقارنة هنا ليست هدفها  إبراز الفارق الشاسع  بين الواحة والمدينة فقط ، بل الهدف الأهم دلالة أن صاحبنا كان متمالكا لقواه العقلية بشكل كامل فليس هو  في حلم ولا في دروشة صوفية ، ولا في عوالم وهمية ، وليس هناك اختلاط عقلي يجعله يتصور ما يريد أن يتصوره ، بل هو مالك لكامل وعيه ، بحيث بدأ عقله في عمل المقارنة بين الواحة وبين المدينة التي يعيش فيها .

- بل هو يتساءل بشكل عقلاني منطقي مادي ؛عن كيفية حدوث هذه النقلة الإعجازية من مدينته إلى هذه الواحة ، إن عقله يعمل بكامل قواه وبحياد تام ، وهو في حالة وعي كاملة ، لكنه أيضا في حالة هدوء وسكينة وطمأنينة تُجلّل  كيانه . إنها فقرة حاشدة بالمعاني والدلالات .

- لكننا نرى بينها وبين الفقرة السابقة( والتي بدأت بكلمة سحرت عيناه )  تضاد في الدلالة .. وهو تعبير عن  حدة  الصراع النفسي (في نفس المسلم المعاصر) بين الاعتقاد في إمكانية وقوع الكرامة والتي أجمع عليها أهل السنة ، وبين العقلية المادية المعاصرة والمهيمنة ، والمسفهة لكل ما هو غيبي . 

تقول السرديه 

" و أين _ ياترى _ من مواقع الأطالس و الجغرافيا تقع هذه الواحة ؟! لا أثر لشخوص مؤنسة  تذرع المكان ،  بل أسراب حائمة من الطيور تحوم بجلال -لا  تلوي على شيء- و في المدى الدائري  القريب من الإبصار لمح طائر " الكاردينال " بريشه الأحمر الكثيف ، يشمخ برأسه إلى أعلى في عز الأباطرة و هيئتهم المهيبة ، بعد أن انحنى على الغدير القريب يحسو من مائه!  "

ونقول :

إنه يتساءل بعقله المادي الواعي ، أين تقع هذه الواحة الغناء الباهرة على الخريطة ؟؟ يتساءل والجمال حوله من كل مكان ، والطمأنينة تشمله و تشمل  الكائنات فيها، ويذكر منها أسراب الطيور التي تحوم فوقه ، والوصف هنا كان المفروض أن يكون (بجمال ) لكنه الآن في حضرة (الجلال) ؛  فالحضرة تفرض نفسها على لسانه فقال : (تحوم بجلال ) .  

وحتى طائر الكاردينال البارع الجمال (يصفه وصفا يشير إلى حضرة الجلال التي هو فيها، ولا ينفك الجلال عن الجمال كما يقول الشيخ الأكبرفي فتوحاته : (ولهذا لا يتجلى (أي الله ) تعالى  في جلاله أبداً لكن يتجلى في جلال جماله لعباده،  فبه يقع التجلي ) من هنا نرى اختلاط الجلال بالجمال في السردية .وكذا يقول الكاشاني في معجم اصطلاحات الصوفيه : (ولهذا الجمال جلال هو احتجابه بتعينات ال"أكوان ، فلكل جمال جلال ووراء كل جلال جمال "، وهنا تبرز دقة التعبير الدلالي في السردية . 


-  أما سؤاله عن موقع الواحة على الخريطة ، وتعرضه لهذا الأمر  مرة أخرى في آخر السردية مبينا إستحالة معرفة مكانها ، إذ أنها ليست من عالم الشهادة( العالم الدنيوي )  بل من عالم الجبروت ،الذي هو بين عالمي الملك والملكوت كما يشرح  (الغزالي أبو حامد في إحياء علوم الدين   ) 

- ويستدعى هذا السؤال ، ما ورد عند  الشيخ السهروردي ، في رسالة أصوات  أجنحة جبرائيل عندما سأل السائل  : من أين أقبل هؤلاء السادة ...فأجابني (أي أحد الشيوخ ) .. "قد وصلنا إليك من حيث أين لا أين . 

- فلما لم يفهم مقالته سأله : في أي إقليم توجد تلك المدينة؟ فقال : في إقليم لا تجد السبابة إليها متجها " 


- وهذا الاستدعاء للنصوص التراثية يشف عن تناص مستبطن في السردية ، يلمحه القارئ المستهدف. 


- كما يشير إلى اتساع المصادر التراثية التي تمتح منها السردية ، مما يشير بدوره إلي موسوعية السارد . 

 

تقول السرديه 

"أحس في ساقه اليمنى خدرا ً خفيفا ً ، و في ترقوته ألما ً متناميا ً ، و دارت رأسه  المخروطية كالبندول ، في كل الاتجاهات الجغرافية الممكنة ، يملأ عينيه من مرائي الواحة التي هبطت فجأة ، في ثورة مكانية شاملة  تقتلع المرائي القديمة _ دون مقدمات _  و تستلب الروح ، فتحوم معها على بساطها الطليق  ! سلط حدقته _ بتركيز و حس مأخوذ _ على طائر " الكاردينال " الذي حدق ، بدوره ، في عينيه كأنما يستطلع ( هو الآخر ! ) غريب الواحة الذي اقتحم حرمها دون استئذان  ، و دس وجوده الطفيلي في خلوتها الآمنة  دون أن يستفتي عمارها أو يستأذنهم ! "

- ونقول :

-  تبدأ هذه الفقرة بجملة وصفية لأحاسيس جسمية " أحس في ساقه اليمنى خدرا خفيفا ، وفي ترقوته ألما متناميا ، ندّعي أن هذه الأوصاف الحسية وجه آخر للصراع الثقافي الذي ذكرناه ، فهو تدعيم التأكيد على الفقرة الأولى السابقة التي تؤكد أنه بكامل وعيه بل وبكامل إحساسه المادي ، فالنقلة والمشاهد هي حقيقية ، فليست أحلام نائم ، ولا هلوسات مخدّر، ، بل هي مشاهد مادية واقعية يراها ويستشعرها ويستقبلها بحواسه المادية التي اشترك فيها البصر والسمع ، وسيشارك اللمس في ذلك بعد قليل .

-  ولكنها في نفس الوقت تدعم –خِفية- أن تلك الأحداث قد تكون عوارض لتغير فيزيائي في الجسم فالوجع في الرأس والترقوة يشير إلى تغيرات جسمانية قد تكون السبب في تلك المرائي ، فلا غيبيات في الموضوع . 

وهو ما يؤكد مسألة الصراع الثقافي بين المعتقدات الغيبية الراسخة ، والوافد المادي الثقافي الذي يهمش ويسفه كل ما هو غيبي  .

- يصف حال المشاهد والدهشة التي أصابته من هذه النقلة المفاجئ إلى هذه الواحة بكل هذه التفاصيل وهذا الجمال  . 

-  وتشبه السردية رأسه وهي تتحرك في كل الاتجاهات ، بالبندول وربما التشبيه هنا لم يكن موفقا لأن البندول البسيط والمزدوج حركته في مستوى ذي بعدين ، في حين الإنسان في عالم له  ثلاثة أبعاد ، فوجه الشبه منتفي . 

- وتشير السردية إلى أن صاحبنا ليس من عُمّار الواحة فحتى طيورها تنظر إليه باستغراب ، فصاحبنا متطفل على المكان ، فللواحة إذا عُمّار ؛ والطيور تدرك الوافد الغريب من الثاوي المقيم.

تقول السرديه 

"كان عسيرا ً أن يربط المشاهد، في بنية متلاحمة تجود بأي معنى لافت أو مفهوم  ، لكنه  استطاع أن يقنص من أضابير الذاكرة الفوضوية  و ثنياتها المتعرجة الباقية ، آخر مشاهد العاصمة _ ما قبل الواحة _ حيث تلقى إنذارا ً رسميا ً  على يد محضر ، يطالبه  المنذر فيه بأجرة أربعة أشهر متأخرة ، عجز عن سدادها بعد نفاد حسابه المصرفي  _ لآخر رائحة دينار ! _ و تلاحق الخسائر التجارية  القاصمة للظهور  ، و كانت المرة الأولى التي تعجز يمناه عن سداد إيجار السكنى منذ اكترى هذه الوحدة بالعقار ذي الطوابق التسع ، قبل خمس سنوات خلت ! إنذار على يد محضر و هدير متوعد من " هيثم العبادي " المؤجر يحمل الهواء صوته الذي يحاكي صرخات المردة  ، يهل من الطابق العلوي ، منذرا ً بالمصائر الجديدة كنفخة الصور ! لا يدري كيف تبدلت المعايير في الخارطة المتشكلة الجديدة ،  فأصبح متلقيا ً للوعيد و الوعود ، ينقاد لتحذيرات " العبادي " بهذا الصمت المستخذي دون أن تند عنه بادرة مناوأة  منتفضة  أو دفاع جاد ، او تعربد فيه خلية  واحدة بتمرد من أي نوع ، و هو الذي اعتاد أن يصرخ في الآخرين معنفا ً أو  آمرا ً بمثل ما اعتاد أن يحصي ورق البنكنوت طوع يده دون حساب ، لكنها الأقدار التي تقلب _ دون اكتراث _ ظهر المجن  ؟!

فعليا ً لم يرد على إهانات " العبادي " و لم يقم بأي ردة فعل ( مفهومة ) و هو يبسط أمامه ورقة الإنذار الرسمي ، الصادر من المحكمة ، فما نشب أن تطلع بنظرة ضارعة إلى المرآة المنتصبة في غرفة الاستقبال ، و  سجادة الصلاة المبسوطة في غرفة الإعاشة ، و في الأعماق الفائرة  كالمرجل ، حامت ظلال   " ورد وحيد " تعلمه من جده " صلاح بحيري " كبير المعلمين _  سابقا ً _ بنظارة المعارف العمومية   ، في أيام السحر و تباشير الصباح الأولى ، فلطالما  نبهه جده دوما ً إلى أهمية " الورد الحصين "  _  خصوصا ً في عين العاصفة _ و مازالت أصداء صوت جده تتجاوب كبحة الأرغول  : " وردك يا " حمدي ! "   

ما أبعد الفروق بين أديم الواحة الفضي المصقول ،  الذي  يلمع تحت أشعة الشمس الممتدة كالأيدي السماوية الفائضة بالعطاء السرمدي ، و بين العقار الكالح في أطراف العاصمة ، تدنس أروقته العطنة أنفاس " العبادي " و أصواته المنكرة  ! آخر ما بقي من ذاكرة العاصمة الصدئة :  صورة المحرر الرسمي و صرخات " العبادي "  في الفراغ ، و سجادة الصلاة المبسوطة و " ورد الجد " ، و إطباقة جفن طويلة ، لايدري ما جرى بعدها !  "

ونقول :

عرفنا بعملية استرجاع  القصة ، فحمدي يتعرض لأزمة مالية ساحقة ، والمالك استصدر أمرا من المحكمة بطرده ، وعليه أجرة شهور متأخرة ، والمالك آخذ في إهانته وفضحه ،وحمدي من مساتير الناس ،  وهنا لم يجد أمامه إلا سجادة الصلاة وورْد جَدِّه الذي أوصاه به : " اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، و ارحمني ، إنك انت الغفور الرحيم " وهو دعاء ذي النون وهو في بطن الحوت، والذي أنقذه من محنته بطريقة غرائبية . 

تقول السرديه "في الواحة هسيس أصوات مؤنسة  قادمة من بعيد ، خلف الكثبان ، و لا يقطع صمتها المتصادي بالأصوات المؤنسة ، إلا مرور عابر لحرباء مسرعة  أو ضب مبلل  ، لم يعد يشغله زخم السؤال المتصل بتداخل " الواحة " الطارئة ، و عقار العاصمة بحيزه الشبحي المقبض ، لكنه تلقى ورد جده النابت  من جوف الأعمار المنصرمة ، و نفثه من صدره ضارعا ً يشق به السماء ، التي بدت  ، في تلك اللحظة السابحة في المواجيد   ، صفحة ممتدة رافلة في الزرقة  ، مفعمة بالصحو الحقيقي : " .. اللهم إني ظلمت نفسي ظلما ً كثيرا ً ، و لا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك، و ارحمني ، إنك انت الغفور الرحيم " . كرر العبارة _ لايدري كم من المرات _ و سطع في الواحة الجاثية تحت الأديم السماوي الناصع ، سكينة معتقة كالسر العرفاني يشرق في قلب القطب ، فيتلقاه _ كالكهارب النابضة  _ المريدون . 

ويشرح السارد حالة الواحة وحالة الداعي ، وحالة الوجد التي انتابته ويبدع السارد في وصف تلك الحاله حيث 

تقول السرديه  : 

" لكنه تلقى ورد جده النابت  من جوف الأعمار المنصرمة ، و نفثه من صدره ضارعا ً يشق به السماء ، التي بدت  ، في تلك اللحظة السابحة في المواجيد   ........ و سطع في الواحة الجاثية تحت الأديم السماوي الناصع ، سكينة معتقة كالسر العرفاني يشرق في قلب القطب ، فيتلقاه _ كالكهارب النابضة  _ المريدون . "

ونقول :

هنا يشرح لنا حالة الاضطرار التي حلّت بالداعي ، وحالة الاضطرار هي انسداد كل أبواب الأسباب أمام الإنسان ، فلا يجد أمامه إلا الله يقف في حضرته عبدا خالصا لا يرتكن في أعماقه لأي سبب قريب أو بعيد ،دقيق أو جليل ،  إنه موقف العبودية الخالصة ويستدعي هذا "موقف العبدانية( العبودية) عند النفري في مواقفه حيث يقول  : (أوقفني في العبدانية وقال لي :أتدري متى تكون عبدي إذا رأيتك عبدا لي .... هنالك تكون عبدي فإذا كنت هنالك كنت عبدالله وإذا كنت عبدالله لم يغب عنك الله ، وإذا كنت منعوتا بسوى الله غاب عنك الله فإذا خرجت من النعت رأيت الله فإن أقمت في النعت لم تر الله .....وقال لي : قل لسريرتك تقف بين يديّ ولا لشيء أجعل الملكوت الأكبر من ورائك وأجعل الملك الأعظم تحت رجليك) 

وهو الوصف الذي وصف الله به نبيه تشريفا له في مقام الإسراء  فقال : (سبحان الذي أسرى بعبده ) 

- وتعبيره عن الورد (النابت  من جوف الأعمار المنصرمة ) يشير بها إلى البعد الزماني القديم الذاهب أي انه من المواريث القديمه. والقِدَم يهل علينا هنا من مباني  العبارة قبل المعاني 

تقول السرديه " 

ظهر من بعيد ظل أشباح لقافلة قادمة ، تقدمت تدريجيا ً نحوه ، فأمكن أن يعاين أفرادها بدقة توازيا ً مع دنوهم  التدريجي من زاويته المكانية    ، أربعة اشخاص يتقدمهم شيخ ربعة يعتمر عمامة و يشتمل بعباءة بنية اللون ، تحلق حوله أفراد القافلة في دائرة مكتملة ، و قال شيخهم الكبير : " يا حمدي .. تزود لبُعد الشُقَّة ! "   و ببادرة عفوية ، هتف " حمدي " : " .. هل تعرفني ياشيخ ؟! .. من أنت ؟!  و ما حقيقة هذه الواحة ؟! و من أتى بي هنا ؟! " قال الشيخ بنبرة أسيانة : " لا تعرفني ! .. أنا شيخك المحب لك  _ و لجدك _ " أبو القاسم الجنيد " !  و هتف أحد الأربعة ، ممنن يصحبون الشيخ : " هذا شيخنا الجنيد ، شيخ العارفين و قدوة السائرين  ، الذي تلقى الفقه عن الشافعي المتحقق " أبي ثور " ، فأفتى و هو ابن عشرين عاما ً " قالها و نظر إلى " حمدي " مستنكرا ً ." 

ونقول :

تفاجئنا السردية بذلك الرهط او تلك القافلة المارة والتي تتكون من أربعة أشخاص يتقدمهم شيخ يتحلقون حوله ، لنعرف أنه الشيخ الجنيد سيد  الطائفة والأربعة المحيطون بها إشارة للأوتاد الأربعة بحسب الترتيب الصوفي للقطب والإمامان والأوتاد الأربعه والأبدال الأربعين ..الخ  فيقول ابن عربي في فتوحاته (والمجمع عليه من أهل الطريق أنهم على ست طبقات أمهات أقطاب وأئمة وأوتاد وأبدال ونقباء ونجباء)ويقول عنهم الكاشاني في معجم مصطلحاته (الأوتاد هم الرجال الأربعة الذين هم على منازل الجهات الأربع من العالم ....محال نظره تعالى . 

ويعرف أحد الأربعة  الجنيد ل(حمدي)   :

تقول السرديه 

"(هذا شيخنا الجنيد ، شيخ العارفين و قدوة السائرين  ، الذي تلقى الفقه عن الشافعي المتحقق " أبي ثور " ، فأفتى و هو ابن عشرين عاما) "

ونقول

كان من المفترض أن يُعرَّف الجنيد بسلسلته الروحية ، السري السقطي، أحد أولياء الطريقة، ومعادن أسرار الحقيقة، خال الأستاذ أبو القاسم الجنيد وأستاذه، وتلميذ الشيخ الكبير معروف الكرخي .لأننا في مجال الأرواح  والسلوك ، لكن  لما كانت  هذه الأسماء مجهولة لدي أكثر الناس ، فقد استبدلها بسلسته الفقهية : أبي ثور فالإمام الشافعي الأشهر من الجميع ، وأحد الأوتاد عند  الصوفية .. 

لكن ما أهمية هذه القافلة وهذا الحوار ؟ وما وظيفته في السردية ؟؟ 

إن الواحة وان اتسمت بجمال بالغ ، فإن الإنسان يحتاج إلى إيناس ، وإلا أحس بالغربة والوحشة بعد قليل ، فمرور القافلة يكون من باب الإيناس ، بل والجنيد يخبره أنه يعرفه ويعرف جده ، فازداد الإيناس إيناسا . وهذا إحساس بالغ الرهافة من السارد ، كما أن اختيار شخوص القافلة من كونهم سيد الطائفة الجنيد(القطب ) ومعه الأوتاد الأربعة ، هو تشريف وتكريم لشخص (حمدي)  ،  وطمأنة له بأن نقلته هذه كانت خيرا محضا ليس من ورائها شر . 

-فكما نلاحظ أن لكل حدث وظيفة ، ولكل شخصية دور ، وهو ما يجعل السردية كلها مشدودة إلى بؤرتها بشكل منتظم ومتسق  فلم يشبها أي  ترهل . 

تقول السرديه 

" و في مساحة الأعراف الساربة بين الحلم و اليقظة ، شعر " حمدي " _ بدلالة الملمس الناعم المميز  _ أن أطراف أصابعه تغوص في أوبار سجادة أو في طراز خاص من الرمال ، حيث كرر عبارته المفعمة  بروح الترجي و السلوى : " .. اللهم إني ظلمت نفسي ظلما ً كثيرا ً .." قبل أن يهتف صوت أليف  إلى جوار أذنه : "  " ثروت "  ،، سدد كل المتأخرات للعبادي  " !  فيما كانت الواحة لائذة بصمتها ، منطوية على غدرانها و نخيلها الهاجع 

ونقول :

هنا يؤكد السارد أن حمدي كان في عالم المثال ، أي عالم ما بين النوم واليقظه ، يستشعر حمدي سجادة الصلاة إيذانا بالعودة من رحلته الروحية ، يردد عبارة الورد ، ليهتف به صوت أحد خلانه ، أن ثروت سدد كل المتأخرات للعبادي .  

- اختار الكاتب أن تبدأ  القصة من اللحظة العجائبية ، ثم – توقف الإيقاع كثيرا عند الواحة ووصفها ، وهي تمثل  المنحة ، وأسرع في وصف المحنة ، ثم اختصر المنحة الأخيرة  لأنها أيضا قدرية ، ليكون مبنى القصة متماهيا  مع بنية الآيات  " {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5، 6]، فيقع العسر بين يسرين كما في الآيات  ، وتصدق العبارة التراثية: لن يغلب عسر يسرين . 

- القصة تبعث الأمل والرجاء في نفوس المبتلين ، وتعزي الممتحنين ،  وتبشرهم أن في كل محنة منحة ، وأنهم بعين الله التي لا تنام ، وأن الفرج يأتي من حيث لا يحتسبون .   

-  استطاعت السردية أن تطوع المعاني الصوفية والمعتقدات الغيبية ،وتؤكد الإيمان بالقدر ،  وعرّفت القارئ  بشخصيات تراثية ، كالجنيد ، وأبي ثور والشافعي ، وحرضت القارئ المستهدف للبحث عن الدلالات وراء الرموز والمختصرات ، كالأوتاد ، وعالم المثال ، والكرامات ، ومقام العبودية،  والاضطرار ، ومصطلحات الجلال والجمال ، كل ذلك ،في نص أدبي قصير  متميز لغة وتشويقا وجمالا  ، فأضافت إلى الجمال الأدبي الثراء المعلوماتي . 

- استخدمت السردية  تقنيات الاسترجاع حيث خالف زمن السرد ترتيب أحداث القصه فولدت مفارقه سرديه ،  كما استخدمت الحوار ، والوصف ، والاختصار 

- تميزت الألفاظ والتراكيب المستخدمه في السرديه بطاقتها الإيحائيه والتعبيريه والترميزيه العاليه .

-  وتنوعت الشخصيات بشكل متناسق ، بين الشخصية الرئيسية( حمدى) والشخصيات الثانوية التي عملت كل منها في مكانها بشكل متناغم ومتسق . 

- استطاع الوصف ( وهووقفه في الإيقاع )أن يقدم صورة ديناميكية ولوحة متحركة فلم تؤثر الوقفة سلبا بل أمتعت وأفادت  ، تتحاور فيها مظاهر الطبيعة والطيور مع الشخصية الرئيسية ، بغير كلمات لكن بلغة يفهمها القارئ . 

- جاءت أسماء الشخصيات متناغمة مع أدوارها في السردية ، فحمدي الشخصية الرئيسية نسبة إلى الحمد ، جده (صلاح) اسمه  يتماهى مع دور الجد في السرديه  و(ثروت )المبشر بدفع الدين ، و(هيثم عبّادي )المالك القاسي الذي يتماهى اسمه مع شخصيته فاسمه الأول ( هيثم ) نجد أن مادة الإسم ( هَثَمَ )  تعني الدق والسحق والهيثم الصقر وبالتالي اختيار هذا الإسم تشير الي انقضاض من أعلي بغية الدق  والسحق  ويشير الإسم الثاني ( عبادي) الي  استعباد الغير ؛  فكانت الأسماء موفقه .  

- لغة السردية رصينة راقية ، استخدم فيها الفونيم والمحاذاة ، وهي أدوات لا يحسنها إلا من كانت اللغة له طبعا لا تطبعا . 

- ولا يفوتنا حسن اختيار اسم (الواحة ) وهي المنطقة الحية الثرية المباركة في وسط محيط من الصحارى  الميتة ، فهي نقطة الحياة بين إطار يشيع فيه الموات . وهي الموئل والمهرب والنجاة لعابر الصحراء . ففيها ماء الحياة . أنها الروح والحياة والجمال ،  بين عالم المادة المظلم الكئيب القبيح  .

تعليقات