شاهيناز الفقي تكتب: قراءة نقدية لقصة "حدث في الواحة" للناقد حسام عقل

  • أحمد عبد الله
  • الجمعة 04 يونيو 2021, 00:10 صباحا
  • 326


بداية أود أن أقدم التهنئة للصديق الغالي د/ حسام عقل على هذه المقطوعة النثرية، وللحق أقول إنني توقفت طويلا أمام هذا النص وقرأته أكثر من مرة، المرة الأولى للولوج لعمق الفكرة ومرادها، والثانية للتمتع باللغة الثرية الشديدة الرقة والتي تتناسب مع موضوع النص وفكرته، وقرأته رغبة مني في استدعاء تلك الحالة الصوفية الرائقة من جذب وانطلاق في واحة الروح وطمعًا في التمتع بحضرة ينقلنا إليها النص ويصفها بدقة.
"حدث في الواحة" نص ينقلنا فيه حسام عقل إلى عالم موازٍ من الجمال والصوفية وسحر اللغة وكل ذلك دون تكلف أو صنعة إنما تشعر بسلاسة التحرك داخل النص وربما قد تقرأ بعض الفقرات بعينها مرة أخرى للتزود من هذه الحالة الصوفية والجو الروحاني للنص بعيدا عن عمق الفكرة وتكاملها.
"حدث في الواحة" عنوان النص جملة خبرية تقريرية توحي بتمام العلم والمعرفة بما حدث ومعرفة أيضا بالواحة ولكن للدهشة يبدأ الكاتب النص بلا النافية، هو ينفي عن نفسه الدراية والمعرفة وليزيد من حيرتنا أضاف عبارة (على وجه التحديد) وهي عبارة في معناها تنفي نفي الدراية بل تؤكدها لكن بدون تحديد أو دقة في المعرفة حيث أن على وجه التحديد تشير إلى معرفة مختلطة أو مشوشة وليست دقيقة.
"كانخطافه البصر"، تناص مع النص القرآني " قبل أن يرتد اليك بصرك" وقد وصف الله تعالى قائل هذه العبارة أنه عنده علم من الكتاب، وعند المتصوفة ينسبونها لسيدنا الخضر الذي أرسله الله لموسى وأخبره أنه لديه علم من الكتاب. نتلمس طريقنا من الكلمات الأولى أن هذا النص ينقلنا لحالة شعورية ووجدانية مختلفة وممتعة ومحيرة، نتأرجح داخل النص بين المعرفة والجهل وبين علم شرعي وعلم لدني بين صخب الواقع وسكينة العالم البرزخي الذي يصحبنا داخله حسام عقل.
سحرت عيناه الواحة بانجذابه صوفية، هذا الانجذاب الصوفي فيه انعتاق من رق النفس وثقل البدن وهي حالة اتصال بالعالم العلوي وانطلاقة في الملكوت وغياب للقلب عن العالم الظاهري، الانجذابة الصوفية نقلت البطل (حمدي ولاختيار الاسم دلالة هامة فهو مشتق من الحمد) للواحة بمرائيها المبهرة التي ترف كتكوينات حلم، يراوغنا الكاتب في كل فقرة من فقرات النص هل هو حلم أم حالة جذب.
"طائر الكاردينال بريشه الأحمر الكثيف يشمخ برأسه إلى أعلى في عز الاباطرة وهيئتهم المهيبة"... لماذا الكاردينال!!
طائر الكاردينال يحدد مساحة موطنه ويتقاتل عليها لا يقبل بوجود آخر يعتدي على حدوده، يتقاتل حتى مع صورته المنعكسة على سطح الماء، وهذا المشهد الذي صوره الكاتب بين حمدي وطائر الكاردينال يوضح العلاقة ويفسر الأمر (سلط حدقته –بتركيز وحس مأخوذ- على طائر الكاردينال الذي حدق بدوره في عينيه).
(هو الآخر).. وكأن طائر الكاردينال ما هو الا انعكاس صورة حمدي الشامخ المعتز بنفسه الذي لا يقبل أن يتجاوز معه أحد أو يتخطى الحدود وسنعود لتلك الرمزية فيما بعد داخل النص.
هذه المرة على غير العادة لم تند عنه بادرة مناوئة منتفضة أو دفاع جاد أو تمرد أمام صرخات هيثم العبادي الذي شبهها الكاتب بنفخة الصور وهو تشبيه لا يعني ارتفاع الصوت فقط وإنما هي تنبيه لمصير منتظر وحساب وعقاب، بالفعل هو تلقى إنذارا رسميا يطالب فيه المنذر بأجرة (أربعة أشهر)، لرقم أربعة دلالة هامة وذُكر في القرآن الكريم أكثر من مرة إذ يقول المولى سبحانه..
(قَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) سورة فصلت
(فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) سورة التوبة
ولكني توقفت أمام آية رقم (36) من سورة التوبة، ولأسم السورة القرآنية دلالتها في النص كما سنرى لاحقا..
(إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)
الكاتب يستدرجنا فقرة تلو فقرة لعمق الفكرة فإذا ما أمسكنا بخيط أفلت من بين أيدينا لنمسك بالآخر وكما قلت هو نص مراوغ لأبعد الحدود، هنا يظهر الكاردينال مرة أخرى ولكن في صورته الحقيقية، حمدي ينظر للمرآة المنتصبة في غرفة الاستقبال، ولكنه يقرر ألا يتعارك مع ذاته، في تلك اللحظة يهرب من سلطة (الأنا) ويبسط سجادة الصلاة ويتشبث بالورد الوحيد الذي علمه إياه جده صلاح (للأسماء عند حسام عقل دلالة هامة)، يبدأ في قراءة الورد ويغمض عينه لننتقل مرة أخرى إلى قلب الواحة ونسمعه يردد في عدد لم يحصه
(اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)
يستدعي هذا الورد في أذهاننا سورة التوبة (فلا تظلموا فيهن أنفسكم)
بطل القصة حمدي في عالم الواحة البرزخي أو الحضرة العلوية، يسمع الأمر الإلهي ويجيب في اعتراف وتوبة، يعترف أنه ظلم نفسه ظلما كثيرًا، يطلب المغفرة والرحمة من الله.
النص يسير بشكل دائري، الواحة في البداية ثم العودة بالذاكرة للعاصمة وصخبها وهيثم العبادي ثم سجادة الصلاة، والعودة مرة أخرى للواحة، تقنية العودة للخلف (فلاش باك) من تقنيات الكتابة التي استخدمها الكاتب في النص ببراعة وسلاسة ودون أن يفقد القارئ خيوط القصة أو يتشتت ذهنه في ترتيب الأحداث.
القافلة و(تناص قرآني) وارتباطها في أذهاننا بالنجاة، حيث كانت القافلة هي من أخرجت يوسف من البئر.
نرى الرمز للحرم والطواف في مشهد الشيخ يتحلق حوله أفراد القافلة في دائرة مكتملة.. من الجدير بالذكر أن المشاهد في هذه القصة هي مشاهد تنبض بالحياة، الحركة فيها واضحة ومرئية.
(هل تعرفني يا شيخ، من أنت، ماهي حقيقة الواحة) أسئلة تصدر عن رغبة في معرفة الحقيقة والتيقن منها، وفي جملة (أربعة ممن يصحبون الشيخ) يعود رقم أربعة للظهور مرة أخرى في النص وهو رقم ارتبط في أحد المواضع بالبحث عن الحقيقة واليقين، ويستدعي ذلك إلى ذهننا مشهد قرآني، يبدأ بطلب ثم سؤال ثم تأكيد ثم رجاء ثم استجابة..
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ)
سؤال إبراهيم في هذه الآية لم يكن عن شك بل كان عن شدة إيمان، سؤال يبحث في إجابته عن عين اليقين ليطمئن قلبه.
الشيخ الجنيد هو علم من أعلام السنة والتصوف، أو علم الشريعة وعلم الحقيقة أو بمعنى أدق علم الظاهر والباطن، يطلب من حمدي أن يداوم على الورد في إشارة للتوازن بين هذا وذاك..
نجح الكاتب بشكل كبير في تصوير الفرق بين عالم الواحة حيث السكينة والهدوء (خرير خفيف هامس.. أغصانها متهدله.. نخيلها وارف.. صمت مهيب) وبين عالم العاصمة حيث استخدم مفردات مثل (هدير.. صرخات المردة.. نفخة الصور.. وعيد.. يصرخ معنفا)
لم ندرك حتى نهاية النص أين تقع الواحة على الخريطة، لأن المكان لا أهمية له رغم جمال المناظر والهدوء والسكينة كل ذلك ليس من صفات المكان وإنما هو انعكاس للحال، والدليل على ذلك أن البطل لم يبرح سجادة الصلاة حتى نهاية النص، هو فقط انتقل لعالم برزخي روحاني خلع فيه عباءة الجسد وترك عالم الصخب ليرتكن لسكينة النفس وسلام الروح وطمأنينة القلب.
نص ثري، عميق الفكرة، لغة متفردة، مناسبة لأجواء النص والحالة الصوفية، وكما أكرر دائمًا أن الابداع لا يتجزأ وها هو الناقد العلامة حسام عقل خير برهان على صدق هذه المقولة، فكما أبدع في النقد لسنوات طوال استحق أن يكون فيها من أهم النقاد في مصر والوطن العربي، يفاجئنا بإبداعه في القصة القصيرة ويتمكن من خلال قصته أن يحلق بنا في عالم من المتعة والفكر وسحر وجماليات اللغة، بالإضافة لروحانيات وتجليات النص، نقدم له التحية ونتمنى له التوفيق وفي انتظار المزيد من الابداع.

تعليقات