د. خالد فوزي حمزة يكتب: آيات الفصول العشرة وإعداد الداعية

  • أحمد عبد الله
  • الخميس 03 يونيو 2021, 10:20 مساءً
  • 1031
أ.د خالد فوزي حمزة

أ.د خالد فوزي حمزة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه..

أما بعد..

فمذ شرفني الله بالاشتغال بالتفسير، وكنت أطالع في تفسير ابن كثير إبان العمل على تحقيقه (مشاركة) ثم اختصاره؛ استوقفني قول لابن كثير رحمه الله عند تفسيره لسورة الشورى لقول الله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} الآية، [الشورى: 15]، حيث قال: "اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات، كل منها منفصلة عن التي قبلها، لها حكم برأسه، قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنها أيضا عشرة فصول كهذه". انتهى كلامه.

وقد فتح الله بأن آية سورة النور {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35]، كذلك عشرة فصول، وقد يكون ابن كثير أو من أشار إليهم لم يعدوا آية النور، لأن كلماتها ليست فيما قال: "مستقلات، كل منها منفصلة عن التي قبلها، لها حكم برأسه"، لكن أرى أنها ليست بعيدة عن الآيتين المذكورتين، لأن كلماتهما أيضاً ليست بذاك الانفصال التام، فلا يختلف الحكم، والله أعلم.

لكن كلامه رحمه الله أثار في فضول الجمع بين هذه الآيات الثلاث، فأمعنت النظر في ذلك؛ فرأيت أن هذه الآيات عشرية الفصول يمكن تأسيس إعداد الداعية بها، فآية الكرسي فيها تأسيس الإيمان العلمي، وآية سورة النور فيها تأسيس الإيمان القلبي والروحي، وآية سورة الشورى فيها تأسيس الإيمان العملي الدعوي.

ولذا رأيت أن أبين كيفية إعداد الداعية من خلال هذه الآيات الثلاث كما يلي:

أولاً: تأسيس الإيمان العلمي من خلال آية الكرسي:

قال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255].

هذه الآية ثبت في الصحيح أنها أعظم آية في كتاب الله فعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال قلت الله ورسوله أعلم قال يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال قلت: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قال فضرب في صدري وقال والله ليهنك العلم أبا المنذر) [رواه مسلم، ومعنى: ليهنك العلم: أي ليكن العلم هنيئا لك]. وورد في البخاري في قصة سرقة الشيطان من زكاة الفطر حيث كان أبو هريرة رضي الله عنه يحفظها وفيها أنه قال لأبي هريرة: (دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت ما هن قال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح)، وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة: (أما إنه قد صدقك وهو كذوب؛ تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: لا؛ قال: ذاك الشيطان).

وقد اشتملت هذه الآية على أصول الإيمان، ففيها توحيد الألوهية من مطلعها: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} واسم {الله} متضمن صفة الألوهية، وبعده كلمة التوحيد: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ومعناها إفراد الله بالعبادة، وهذا أعظم الأوامر الإلهية، ولذا أرسل الله الرسل، فقال كل واحد لقومه {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} كما ذكره ربنا عن نوح وهود وصالح وشعيب، بل كل الأنبياء أتوا بهذا المطلب، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

وقوله تعالى: {الحي القيوم} فيه اسمان من أسمائه تعالى؛ وقيل إنهما اسم الله الأعظم، "فإنهما يتضمنان إثبات صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه، ويدل القيوم على معنى الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظ "القديم". ويدل أيضا على كونه موجودا بنفسه، وهو معنى كونه واجب الوجود. .. ويفيد قيامه بنفسه، باتفاق المفسرين وأهل اللغة، وهو معلوم بالضرورة. وهل تفيد إقامته لغيره وقيامه عليه؟ فيه قولان، أصحهما: أنه يفيد ذلك. وهو يفيد دوام قيامه وكل قيامه، لما فيه من المبالغة، فهو سبحانه لا يزول ولا يأفل، فإن الآفل قد زال قطعا، أي: لا يغيب ولا ينقص ولا يفنى ولا يعدم، بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال، موصوفا بصفات الكمال. واقترانه بالحي يستلزم سائر صفات الكمال، ويدل على بقائها ودوامها، وانتفاء النقص والعدم عنها أزلا وأبدا. .. فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما ترجع معانيها. فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، ولا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها، استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة. وأما "القيوم" فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته، فإنه القويم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته. فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام. [باختصار من شرح الطحاوية].

وقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} هو من كمال القيومية، والسِنة: النعاس وهو أول النوم، وقوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فيها حصر ما في السموات والأرض لله، فتقديم الخبر {له} على المبتدأ يفيد ذلك الحصر. وقوله {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} وهذا الاستفهام يتضمن النفي لوجود الإثبات بعده {إلا بإذنه}، ففيه نفي جميع أنواع الشفاعات إلا ما أذن الله فيها، بالإذن الكوني، حتى سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم لا يبتدئها حتى يقال له (واشفع تشفع)، وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} فيها إثبات علم الله تعالى العام الشامل التام، وأن العباد لا يحيطون من علمه علم الأسماء والصفات والأفعال، أو لا يحيطون من معلومه أي مما يعلمه في السموات، والأرض إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه، وقوله: {وسع كرسيه السماوات والأرض}؛ أي شمل، وأحاط، و«الكرسي» هو موضع قدمي الله عز وجل؛ وهو بين يدي العرش؛ وقد صح ذلك عن ابن عباس موقوفاً، ومثل هذا له حكم الرفع؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه؛ وأما ما ورد أن الكرسي هو العلم، ففيه ضعف، وقد ثبت في الحديث الآخر عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن الكرسي موضع القدمين؛ وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما السموات السبع والأرضون بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» [رواه ابن حبان وغيره وصحه الألباني]؛ وهذا يدل على سعة هذه المخلوقات العظيمة التي هي بالنسبة لنا من عالم الغيب. وقوله {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}: أي لا يثقله ويشق عليه، وقوله: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}: فهو سبحانه العلي أي ذو العلو المطلق، وهو الارتفاع فوق كل شيء؛ و{العظيم} أي ذو العظمة في ذاته، وسلطانه، وصفاته.

فقد تضمنت الآية: إثبات هذه الأسماء الخمسة؛ وهي {الله}؛ {الحي}؛ {القيوم}؛ {العلي}؛ {العظيم}؛ وما تضمنته من الصفات، مع إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية في قوله تعالى: {لا إله إلا هو}، وإثبات صفة الحياة لله عز وجل؛ وهي حياة كاملة: لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا توصف بنقص، وإثبات القيومية لله عز وجل؛ وهذا الوصف لا يكون لمخلوق؛ لأنه ما من مخلوق إلا وهو محتاج إلى غيره، فما من أحد يكون قائماً على غيره في جميع الأحوال؛ بل في دائرة ضيقة؛ ولهذا قال الله تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} [الرعد: 33] ؛ يعني الله؛ فلا أحد سواه قائم على كل نفس بما كسبت. ومن كمال حياته، وقيوميته، سبحانه أنه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، وفي الآية إثبات كمال الملك لله، وفي ذلك التسليم، وتسلية الإنسان على المصائب، وعدم إعجاب الإنسان بما حصل بفعله؛ لأن هذا من الله؛ والملك له. وفي الآية إثبات كمال سلطان الله بمنع الشفاعة عنده إلا بإذنه، والإذن هو الأمر ولابد مع الإذن رضا الله عن المشفوع فيه أن يشفع فيه، قال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28]، وفي ذلك تضمن إثبات اليوم لآخر.

وفي الآية: إثبات علم الله، وأنه عام في الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم}، وأنه لا يحاط به علماً كما لا يحاط به سمعاً، ولا بصراً؛ قال تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103]، وقال تعالى: {ولا يحيطون به علماً} [طه: 110] . وأننا لا نعلم شيئاً عن معلوماته إلا ما أعلمنا به؛ {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}، وفيها إثبات مشيئة الله.

وفي الآية وصف لعظم كرسيه تعالى: {وسع كرسيه السموات والأرض}، وعظم المخلوق يدل على عظمة الخالق، وإثبات قوة الله؛ وأنه سبحانه وتعالى لا يثقل عليه حفظ السموات، والأرض؛ وذلك يتضمن: إثبات صفات العلم، والقدرة، والحياة، والرحمة، والحكمة، والقوة. وفيها إثبات علو الله سبحانه وتعالى، وإثبات العظمة لله؛ وإثبات صفة الكمال باجتماع الوصفين؛ وهما العلوّ، والعظمة. [وانظر: تفسير القرآن للعثيمين (5/200)].

فتضمنت هذه الآية العظيمة أصول ما يحتاج إليه الداعية إلى الله من الإيمان بعظمة الله تعالى، فإن تعظيم الرب تعالى عند المدعوين هو أساس الدعاية الحق للإسلام.

ثانياً: تأسيس الإيمان القلبي والروحي من خلال آية سورة النور:

قال تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35]

قال بعض العلماء ما ملخصه: هذه الآية الكريمة من الآيات التي صنفت فيها مصنفات، منها «مشكاة الأنوار» للإمام الغزالي ... وقال الإمام ابن القيم "وقد فسر قوله تعالى الله نور السموات والأرض بكونه منور السموات والأرض وهادي أهل السموات والأرض، فنوره اهتدى أهل السموات والأرض وهذا إنما هو فعله، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به ومنه اشتق له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى، والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: أضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله؛ فالأول: كقوله عز وجل {وأشرقت الأرض بنور ربها} فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء ومنه قول النبي في الدعاء المشهور ... وفي معجم الطبراني والسنة له وكتاب عثمان الدارمي وغيرها عن ابن مسعود رضي الله عنه قال (ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السموات والأرض من نور وجهه)، وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله عنه أقرب إلى تفسير الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السموات والأرض، وأما من فسرها بأنه منور السموات والأرض فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود والحق أنه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلها، وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال (قام فينا رسول الله بخمس كلمات فقال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلفه)...

وقوله تعالى: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} هذا مثل لنوره في قلب عبده المؤمن كما قال أبي بن كعب وغيره وقد اختلف في مفسر الضمير في نوره، فقيل هو النبي أي مثل نور محمد، وقيل مفسره المؤمن، أي مثل نور المؤمن والصحيح أنه يعود على الله سبحانه وتعالى، والمعنى مثل نور الله سبحانه وتعالى في قلب عبده وأعظم عباده نصيبا من هذا النور رسوله فهذا مع ما تضمنه عود الضمير المذكور وهو وجه الكلام يتضمن التقادير الثلاثة وهو أتم لفظا ومعنى.

وهذا النور يضاف إلى الله تعالى إذ هو معطيه لعبده وواهبه إياه ويضاف إلى العبد إذ هو محله وقابله فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل وقابل ومحل وحال ومادة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل فالفاعل: هو الله تعالى مفيض الأنوار الهادي لنوره من يشاء، والقابل: العبد المؤمن والمحل: قلبه، والحال: همته وعزيمته وارادته، والمادة: قوله وعمله. وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم

وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان: أحدهما طريقة التشبيه المركب وهي أقرب مأخذا وأسلم من التكلف وهي أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامة أمثال القرآن.

فتأمل صفة المشكاة وهي كوة تنفذ لتكون أجمع للضوء قد وضع فيها المصباح وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها ومادتة من أصفى الأدهان وأتمها وقودا من زيت شجرة في وسط القراح لا شرقية ولا غربية بحيث تصيبها الشمس في أحدى طرفي النهار بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه تصيبها الشمس أعدل إصابة والآفات إلى الأطراف دونها فمن شدة إضاءة زيتها وصفائها وحسنها يكاد يضيء من غير أن تمسه نار فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله تعالى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به.

والطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصل؛ فقيل: المشكاة: صدر المؤمن، والزجاجة: قلبه، شبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها وكذلك قلب المؤمن فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة، فهو يرحم ويحسن ويتحنن ويشفق على الخلق برقته، وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه، ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء، وبصلابته يشتد في أمر الله تعالى ويتصلب في ذات الله تعالى ويغلظ على أعداء الله تعالى ويقوم بالحق لله تعالى. وقد جعل الله تعالى القلوب كالآنية كما قال بعض السلف القلوب آنية الله في أرضه فأحبها اليه أرقها وأصلبها وأصفاها.

والمصباح: هو نور الإيمان في قلبه، والشجرة المباركة: هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى ودين الحق وهي مادة المصباح التي يتقد منها، والنور على النور نور: الفطرة الصحيحة والادراك الصحيح ونور الوحي والكتاب فينضاف أحد النورين إلى الآخر، فيزداد العبد نورا على نور، ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه بالأثر ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة والوحي، فيريه عقله وفطرته وذوقه الذي جاء به الرسول هو الحق لا يتعارض عنده العقل والنقل ألبتة بل يتصادقان ويتوافقان فهذا علامة النور على النور، عكس من تلاطمت في قلبه أمواج الشبه الباطلة والخيالات الفاسدة من الظنون الجهليات التي يسميها أهلها القواطع العقليات". [التفسير القيم لابن القيم (2/54- 59 باختصار).

ففي هذه الآية تأسيس الزاد القلبي والروحي للداعية إلى الله، فالله ينور قلبه، ويمده الوحي بما ينير قلبه وطريقه ودعوته، {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

ثالثاً: تأسيس الإيمان العملي والدعوي من خلال آية سورة الشورى:

قال تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [الشورى: 15].

حض سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم على المضي في دعوته فقال: {فَلِذلِكَ فَادْعُ}، واسم الإشارة يعود إلى ذم التفرق، ومن الأمر بإقامة الدين، أي: فلأجل ما أمرناك به من دعوة الناس إلى إقامة الدين وإلى النهى عن الاختلاف والتفرق، من أجل ذلك فادع الناس إلى الحق الذي بعثناك به، وإلى جمعهم على كلمة التوحيد، التي تجعلهم يعيشون حياتهم آمنين مطمئنين. {وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ} أي: واستقم على الصراط الذي كلفناك بالسير على نهجه، والزم المنهج القويم الذي أمرناك بالتزامه.

{وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ} أي: ولا تتبع شيئا من أهواء هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا. وَقُلْ لهم بكل ثبات وقوة {آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ} أي: آمنت بكل ما أنزله تعالى من كتب سماوية. فالمراد بالكتاب: جنسه. {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} أي: وأمرنى ربي أن أعدل بينكم في الحكم عند رفع قضاياكم إليّ، فإن العدل شريعة اللّه تعالى. {اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ} أي: اللّه تعالى وحده هو الخالق لنا ولكم، وهو المنعم علينا وعليكم بالنعم التي لا تحصى. {لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ} أي: لنا أعمالنا التي سيحاسبنا اللّه عليها يوم القيامة، ولكم أنتم أعمالكم التي ستحاسبون عليها، فنحن لا نسأل عن أعمالكم وأنتم لا تسألون عن أعمالنا.

{لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ} أي: لا احتجاج ولا خصومة بيننا وبينكم، لأن الحق قد ظهر، فلم يبق للجدال أو الخصام حاجة بيننا وبينكم. {اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا} {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} أى. اللّه تعالى يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة، وإليه وحده، مصيرنا ومصيركم، وسيجازى كل فريق منا ومنكم بما يستحقه من جزاء.

فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على عشر جمل، هذه الجمل الكريمة قد جاءت بأسمى ألوان الدعوة إلى اللّه تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة. [من التفسير الوسيط للقرآن الكريم (13/24) بتصرف يسير].

فهذه الآية جمعت ما يحتاج إليه الداعية إلى الله تعالى من أصول الدعوة العملية، فهو يدعو إلى الله تعالى، {فَلِذَلِكَ فَادْعُ} بذم التفرق، ومن الأمر بإقامة الدين، مع استقامته في نفسه، {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} فالناس عادة لا تقبل الدعوة ممن خالف قوله فعله، ويدعو في طريقه ولا يلتفت لأصحاب الأهواء {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}، وتكون أصول الدعوة: الالتزام بالوحي {وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ}؛ مع العدل مع الخلق {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}، والاعتراف لله تعالى بالربوبية {اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ}، والتبرؤ من أعمال الناس، {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ}، فلا يحتاج الأمر إلى لجج وجدال ومخاصمة بيننا، {لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} فإنما ندعوكم ونبتغي الأجر من الله لا منكم، {اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا}، فهو سبحانه يبعثنا فنجتمع عنده {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} فيحاسبنا ويحاسبكم، ومصيرنا ومصيركم إليه سبحانه، فليعلم العاقل ما عليه فيعمله قبل فوات الأوان.

فسبحان الله كيف جمعت هذه الآيات الثلاث أصول الدعوة إلى الله تعالى، وكما قال ابن القيم: (فتدبر القرآن إن رمت الهدى ... فالعلم تحت تدبر القرآن)

والله أعلم وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


كتبه:

أ.د. خالد فوزي عبد الحميد حمزة

 المدرس سابقاً بدار الحديث  والمتعاون مع كلية الحرم بالحرم المكي، وجامعة أم القرى ـ سابقاً والأستاذ المشارك بجامعتي العلا ومينيسوتا.

تعليقات