شطحات.. تعود من جديد

  • حاتم السروي
  • الثلاثاء 28 مايو 2019, 1:34 مساءً
  • 806
حاتم السروي

حاتم السروي


منذ حوالي ستة وعشرين عامًا صدر عن دار المعارف كتاب " هل هو عصر الجنون " للكاتب الراحل والمفكر الدكتور مصطفى محمود، وإن أعجب فالعجب كله في مقالته التي نشرها فيه وجعل عنوانها " الخطيئة الكبرى للصوفية " ففي هذه المقالة رصدٌ تفصيلي لتاريخ السقطات التي وقع فيها أبناء الطريق عبر تاريخهم الطويل الممتد وليست القضية أن الكاتب الراحل كان يرصد أخطاء الصوفية فقد رصدها كثيرون غيره وإنما القضية أنه نفسه كان صوفيًا!!.

وعندما أثيرت أزمة كتابه الخاص عن الشفاعة ومفهومها استضافته قناة اقرأ الفضائية وسأله المحاور هل أنت صوفي؟ فقال: أخذت العهد على شيخٍ نقشبندي منذ عشرين عامًا.

ومعنى أن يصدر هذا النقد من رجلٍ متصوف أن الصوفية ليسوا معصومين بطبيعة الحال وأن كلامهم وإن بدا جميلاً وروحانيًا ومؤثرًا لكنه لا يمكن أن يؤخذ كله وأن آراء الفقهاء لا تعبر بالضرورة عن عقلياتٍ جامدة وذهنياتٍ منغلقة، بل إن السهام التي صوبتها الحركة الوهابية نحو أهل التصوف على ما بها من قسوة لم تكن إلا رد فعل طبيعي تجاه مبالغاتهم التي لم يقبلها كثيرون.


وحتى لا يكون الكلام مرسلاً نذكر لكم أقاويل ابن الفارض وابن عربي وما سطروه من أبيات لا يمكن أن تمر مرور الكرام بل هي تدعونا إلى التمعن في صحة هذه الفلسفات من ناحية النظر العقلي المحض وكذلك من الوجهة الشرعية.

وأول ما يثير التساؤلات في هذا الإطار هو مفهوم الاتحاد والحلول عند الصوفية فنحن إذ نقرأ لهم أو عنهم نجدهم في لحظات الوجد يقولون بإحساسٍ بالغ: لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول أحدهما للآخر يا أنا!!.

وتاريخ العشق يبدأ منذ آدم وحواء ولن ينتهي إلا مع نهاية هذا العالم وهو على طوله لم يعرف ولو مرة أن المحبوب والمحب تحولا إلى شخصٍ واحد وما كان اتحادهما إلا مبالغة نتفهمها من السادة الشعراء وتلك هي أصول فنهم والقرآن يخبرنا عنهم فيقول " ألم ترَ أنهم في كل وادٍ يهيمون " لكن الذي لا نستطيع فهمه أن تتحول المبالغة إلى عقيدة وتلك هي أزمة الصوفية.

أزمة كبرى تتجلى في قصيدة الحلاج الشهيرة والتي فيها يقول:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا.. نحن روحانِ حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرتهُ.. وإذا أبصرتهُ أبصرتنا

نحن إذن بإزاء عقيدة خاصة تكرس لمفهوم الحلول والتجسد وتنفي عن الله عز وجل تعاليه وانفصاله عن الخلق ومباينته لهم فالصوفية يؤمنون بوحدة الوجود وهي فلسفة تجعل من الله عين كل شيء وتجعلنا نرى الصوفي وهو يخاطب الأشياء على أنها الله وليست آيات على وجوده وقدرته وإبداعه وإنما هي ذات الله.

ولا يمكن أن تزول من الذاكرة مقولة الحلاج المشهورة: ما في الجبة إلا الله، كما أنه ليس ممكنًا أن نغض الطرف عما نُسِبَ إلى أبي يزيد البسطامي حيث ورد عنه أنه قال: سبحاني سبحاني ما أعظم شاني.. وقال: " رفعني الله بين يديه وقال: إن خلقي يحبون أن يروك؛ فقلت: زيِّني بوحدانيتك وألبسني أنانيتك وارفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا رأيناك؛ فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك ".

وليس هذا كل ما في الأمر فإنك لو استمعت إلى الصوفية وهم يتحدثون عن الرسول محمد لوجدت غلوًا عظيمًا يخرجه تمامًا عن بشريته التي أقرها وأكدها القرآن الكريم ويجعل منه الأول والآخر والظاهر والباطن ولا تندهش فتلك هي عبارتهم التي يتناجون بها فيما بينهم ويسجلونها في الكتب والمجلدات، وهو عليه السلام بالنسبة إليهم روح العالم ليس بالمعنى الشاعري الذي قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى بل بالمعنى الحقيقي وكل الموجودات صدرت عنه فهو سببها الأول ومن نوره خلق الله الأكوان، ونحن لا ندري من أين جاءوا بهذا كله وما الفرق إذن بين الإسلام وغيره وليتهم وقفوا عند ذلك الحد بل رأيناهم يذكرون أحاديث موضوعة على شاكلة " لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك " وبعضهم يخرج على الناس بأحاديث لم يعرفها غيرهم فإذا سألتهم قالوا: هذه كشوف وإلهامات رأى فيها بعض الصالحين رسول الله وقال لهم فيها هذا الكلام !!.

ثم نجد طامةً كبرى في ثنايا أشعارهم وقصائدهم وذلك حين جعلوا التوحيد خطيئة لأنه يشترط بداهةً وجود اثنين وهما الرب الواحد والعبد الذي لا يشرك معه غيره وفي هذا يقول ابن الفارض:

ولو أنني وحدتُّ ألحدتُّ وانسلخت.. من آي جمعي مشركًا بي صنعتي

فالتوحيد إذن هو عين الإشراك ولا موجود إلا الله، وطالما أن الله عز وجل هو كل شيء فكل من عبد صنمًا أو رجلاً أو شجرة لم يعبد إلا الله..هل نفتري عليهم؟ لا وبكل تأكيد، وكيف نفعل ذلك وهذا ابن الفارض يقول:

وإن عبد النارَ المجوس وما انطفت.. كما جاء في الأخبار من ألف حُجَّةِ

فما عبدوا غيري وإن كان قصدهم.. سوايَ وإن لم يعقدوا عقد نيتي

وبهذا تصبح كل أنواع العبادات على حق، وإذا كان أهل الديانات كلهم أو كثيرٌ منهم يؤمنون بالثواب والعقاب فإن الصوفية لا يؤمنون بأن الله سوف يعذب الكفار والعصاة فهل يمكن أن يعذب الله نفسه وأما آيات الويل والسعير و"كلا إنها لظى" فيمكن تأويلها بأن المجرمين يتنعمون في النار كما يتنعم المتقين في الجنة وأن ربهم جل شأنه يجعل النار عليهم بردًا وسلاما وأن العذاب مشتقٌ من العذوبة.


ما هذا؟ إنني لا أخاطب في القارئ عقيدته الدينية ولا أتحدث هنا عن الإيمان والإسلام وإنما أحاول أن أهضم هذه التخاريف ولا أستطيع، وما الذي يمكن قوله تجاه أناسٍ يزعمون أن العصاة يتنعمون كالأبرار، معنى ذلك أن الله ليس حكمًا عدلا وأن الحلال والحرام ليس لهما أي معنى وأن الشريعة محض هذيان أتانا به الرسول.


ولم يكن ما سبق إلا غيض من فيض فشطحات الصوفية كثيرة وهي تصيبنا بالتعب إذ نحاول أن نستقصيها ويكفيك أن تقرأ ما سطروه من أوراد فتجد ما يشبه التعاويذ والتمائم مثل قولهم: كرددٍ كرددٍ، ده ده ده، أنا الأسد سهمي نفد بحق قل هو الله أحد، أو قولهم: أطمى طميثا أحمى حميثا وكان الله قويًا عزيزا. 


إنني لا أتكلم بلا سبب ولا أشحذ قلمي لمحاربة قوم لم يعد لهم أي تأثير فالطرق الصوفية كما نراها الآن تعود وبقوة وتحاول أن تستقطب الشباب، واعتقادي أننا لن نتحمل مبادئهم وتعاليمهم وهم يجاوزون فيها حدود العقل وينشرون روح السلبية ويغرقون العامة في أوهامٍ تجافي روح الإسلام بل وغير الإسلام.


وأذكر في هذا المقام أن الفتوحات المكية وهو كتاب ضخم ألفه ابن عربي تمت مصادرته منذ عدة أعوام، والحق أن ابن عربي على وجه التحديد ظاهرة جديرة بالدراسة عند المتخصصين وجديرة أيضًا بتفويض الأمر إلى الله عند المساكين أمثالنا، فنحن نقرأ له عباراتٍ إيمانية تفيد بأن ما سوى الله من الموجودات والأعيان لها وجود منفصل ولا يمكن أن يكون الرب وعبده واحدًا وفي شعره يقول:

فكُنْهُ وصفاً ولا تكنهُ ذاتا.. فإن عين المحال بادي

والمعنى تخلَّق يا مؤمن بأخلاق الله ولا تتحد مع ذاته فالمحال هاهنا ظاهرٌ ولا يمكن أن تكونا واحدًا.

ثم لا نلبث أن نراه يثبت أن الله تعالى هو كل شيء حتى الباطل ولهذا لا يحسن بنا أن ننكر الباطل.. لا تنكر الباطل في طورهِ.. فإنه بعض ظهوراتهِ !


وفي ثنايا مؤلفات هذا الرجل سوف تلمح كل ما قاله الناس في باب الإلهيات سلبًا أو إيجابا وسوف تجد الرأي والرأي الآخر وفي بعض أحيان سوف يلتبس عليك الأمر وتنغلق المعاني وتستولي عليك الحيرة ولا تعرف من هذا الرجل وماذا يريد أن يقول وهل هو شاعر أم فيلسوف أو هل هو مسلم أم هندوكي.


نحن الآن في عام 2019 فهل يصح أن نترك التحديات التي واجهتنا ولا تزال ونسلم عقولنا إلى أهل الطرق ومشايخها، إن كل محب لهذا البلد لن يرضيه أن نعود إلى الخلف فانتبهوا يرحمنا ويرحمكم الله.






جميع المقالات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب وليست بالضرورة وجهة نظر الموقع.

تعليقات