سلطان بركاني يكتب: دين مُخترع يُغرى به شبابنا!

  • د. شيماء عمارة
  • الأحد 02 مايو 2021, 04:57 صباحا
  • 28
نعمة الإسلام

نعمة الإسلام

مؤلمةٌ هي الأوضاع المزرية التي يعيشها المسلمون في بلاد الله الواسعة؛ دائرة الفقر في اتّساع مستمرّ، والمنضمّون إلى قوائم الفقراء في تزايد مطّرد، القتل والتّشريد فعل فعله في ملايين المسلمين، بأيدي الاستعمار تارة وبأيدي أوليائه تارة أخرى.. مقدّسات المسلمين تنتهك ودينهم يرام جنابه وتحاصر شعائره وشرائعه ويَستهزئ بها وُضعاء الخلق.. أمّا أرض الإسراء فقد تتابع الخونة لبيعها في صفقات العار، ولولا ثبات المرابطين في تلك الأرض المباركة، لحلّت بالأمّة لعنة لا قبل لها بها.

 هذه النّكبات كلّها، اجتمعت على الأمّة في العقدين الأخيرين، وكان المنتظر إزاءها أن تعود الأمّة إلى دينها ومصدر عزّها، وتبدأ في إعداد جيل لا يرضى أبناؤه الدنية في دينهم، لكنّ الذي حصل أنّ دوائر المكر تحسّبت لهذا الأمر، فكادت لشباب الأمّة لتغرقهم في التّفاهات والشّهوات، ولم تكتف بذلك حتّى صنعت لهم فكرا خانعا خاملا وحاكت لهم دينا جديدا مفعوله لا يقلّ خطرا من مفعول المخدّرات؛ يقتل في نفوسهم الاعتزاز بدينهم والانتماء إلى أمّتهم.. دين يسوّي لهم بين التّوحيد والشّرك، بين نصاعة عقائد الإسلام وظلمة العقائد النّصرانية واليهودية والبوذية، فكلّها –حسب الدّين الجديد- طرق في الوصول إلى الجنّة، والجنّة -في تعاليم الدّين الجديد- حقّ لكلّ إنسان، ولو كان كافرا بهذه الجنّة منكرا لوجودها مستهزئا بالمؤمنين بها..

أمّا الحديث عن النّار والحساب والعذاب، فهو تطرّف وتدخّل سافر في مصير “الإنسان”!.. دين يصوّر الاعتزاز بالحقّ على أنّه ادّعاء للحقيقة المطلقة، والدّفاعَ عن قضايا الأمّة وحرماتها ومقدّساتها على أنّه تهوّر وغياب للعقل، أمّا مقارعة الاحتلال ومدافعة الظّلم فربّما يكون تطرّفا وإرهابا، وإنكار المنكر تدخّل في حريات الآخرين وتعدٍّ على خصوصياتهم.. أمّا الغيرة على الأعراض فهي –في قاموس الدّين الجديد- تخلّف ورجعية.. الحديث عن الحلال اعتدال وفهم وفكر راقٍ، أمّا الحديث عن الحرام فهو انغلاق وجمود؛ فكلّ شيء حلال ما دمتَ لم تؤذ أحدا!.. الحجاب –في برتوكولات الدّين الجديد- ليس هو حجاب البدن إنّما هو حجاب القلب، والمتبرّجة قد تكون أقرب إلى الله من المحجّبة! بل أكثر من هذا، الدّين كلّه في القلب ولا علاقة للمظاهر والأعمال والأحوال والأقوال بالدّين! وقد يكون سابّ الدّين وشارب الخمر أفضل عند الله من عفيف اللّسان المحافظ على صلاته البارّ بوالديه!

دين ليست له نواقض ولا أحد يخرج منه حتّى من اختار ذلك؛ فهو يعطيك الحقّ في أن تعترض على إجماع العلماء وإجماع الأمّة، وتعترض على النبيّ المعصوم عليه الصّلاة والسّلام، وتستهزئ بأحاديثه التي لا تعجبك وحتّى التي لا تفهمها وتدّعي أنّها لا يمكن أن تكون ثابتة! بل يمنحك الحقّ في أن تعترض على الخالق سبحانه، وترفض ما لم يقع على هواك وذوقك من أحكامه وأوامره ونواهيه! وتدّعي أنّ المراد منها ليس ما فهمه علماء الأمّة ومفسّروها على مرّ القرون!…

هذا الدّين الجديد الذي لا صلة له بالإسلام ويُعرض على أنّه الإسلام الحقيقيّ الذي يخفيه العلماء والشّيوخ، قد أغرى قطاعا عريضا من الشّباب الذين لا يؤمنون بشيء اسمه “مجاهدة النّفس ومقارعة الهوى”، ويعجبهم أن يطوّع الدين ليوافق النّفوس والأهواء.. لكنّه لن يغري –أبدا- تلك القلّة من شباب الأمّة الذين يغرسهم الله ليستخدمهم في طاعته ونصرة دينه، مصداقا لما بشّر به الحبيب المصطفى عليه الصّلاة والسّلام حين قال: “لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة” (صحيح الجامع).. هؤلاء الشّباب هم الكابوس الذي يؤرّق دوائر المكر، لأنّهم عصيون على مكرها منفلتون من مخطّطاتها، لا تغريهم الدّعاوى المزخرفة، ولا تخدعهم المقولات المبهرجة، لسان حالهم مثل حال الإمام مالك حينما أتاه أحدهم يدعوه للمناظرة، حيث قال الإمام الموقن بربّه وبدينه: “أمّا أنا فعلى بيّنة من ديني، وأمّا أنت فاذهب إلى شاكٍّ مثلك فجادله”.

أيا يكن حجم المؤامرة وأيا تكن درجة المكر، فإنّ الله غالب على أمره، والمأمول من شبابنا أن يهتدوا إلى رشدهم ويحكّموا عقولهم ليدركوا دناءة المؤامرة التي تحاك لهم ليكونوا جندا للباطل والدجّال.. البداية كثيرا ما تكون كلاما مزخرفا يزيّنه شياطين الإنس والجنّ ببهارج “الإنسانية، والفكر، والحرية، والعيش المشترك، والحرب على التطرّف والتخلّف…”، لكنّ النهاية ربّما تكون تحلّلا من دين الله الذي أنزله في كتابه وبعث به نبيّه الخاتم عليه الصّلاة والسّلام، يقول الشّفيع المشفّع عليه الصّلاة والسّلام: “بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مسلمًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا” (رواه مسلم).. ينبغي لشبابنا أن يستحضروا دائما أنّ هذه الدّنيا دار امتحان وابتلاء، والدّين الحقّ ليست وظيفته أن يذلّل السّبل لإشباع شهوات البدن وأهواء النّفس، إنّما وظيفته أن يرتقي بالنّفس لتكون مؤهّلة لدخول دار الكرامة.. على شبابنا أن يضعوا هذه الحقيقة نصب أعينهم وهم يبحثون في قضايا الدّين ومسائله، فهي حقيقة مهمّة تذوب أمامها كثير من الشّبهات وتنتفش كثير من الدّعاوى، والله الموفّق والهادي إلى سواء السّبيل.

تعليقات