فاضل متولي يكتب: رواية اعترافات جثة.. "نظرة الكاتب إلى الشرطة" ملاحظات (6)

  • د. شيماء عمارة
  • السبت 01 مايو 2021, 6:07 مساءً
  • 207
الأديب فاضل متولي

الأديب فاضل متولي

هذا السرد بالغ الأهمية، أعني به ما وصف به الكاتب حالة محمود وهو ذاهب إلى موقع الحادث: يقول:

"لا يصدق ما فعله به هذا السادي حتى الآن، منذ أن شرع في التحقيق في تلك القضية وهو ضحية لمرض هذا اللعين، وأصبح في النهاية من ضمن قائمة ضحاياه. لا يصدق كيف ساعده ليحقق غايته في قتل ستة أبرياء، هو من زج بهم لهذا المصير كأنه فيل أعمى غبي يطيع أمر سيده فيدهس في طريقه كل حيوان بريء جاء حظه التعس أمام أقدامه حتى وصل به لنهاية الطريق فيخطو خطوته الأخيرة على الهاوية ويقع غريقا في وحل عميق من الدماء، ويظل سيده على اليابسة ينظر له فرحا متفاخرا بحيوانه الغبي ويصفق له لما أنجزه من الغباء"

ونحب أن نكرر للكاتب أن الذي وضع هذا التصور الواهي هو الكاتب لا فن الرواية الذي يبدو أن بضاعة الكاتب منه قليلة. ولكن هذا السرد يكشف لنا شيئا لا بأس به من رؤية الكاتب نفسه لشرطة بلاده وليس فقط لرؤية الضابط محمود.

أول مرة نكتشف فيها أن ديجا قتلت هي عندما رأى الضابطان وجهها ملتصقا بوجه آخر، أما قبل ذلك فليس هناك أي بلاغ بشأن اختفائها أو موتها أو أي شيء؟ فهل سنجد ذلك في بقية الرواية؟ إذا وجدت ذلك فسأحذف هذه الفقرة من القراءة.

يقول إن إيقاف البث خفف الهجوم من الصحافة ومواقع التواصل: والسؤال: كيف كان الهجوم من الصحافة في نفس وقت الحدث؟ وكيف وصل اللواء بهنسي إلى هذا الهجوم أو كيف وصل هذا الهجوم إلى اللواء بهنسي؟

ما معنى أن يقول الكاتب إن الرسالة التي ينبغي أن تصل للجميع أن لا سلطة فوق سلطة الدولة، ثم نكتشف في آخر الرواية أن الدولة لم تصل بسلطتها إلى أي من المجرمين بحسب هذه الرواية؟ ما الذي ينبغي أن نفهمه من هذه المفارقة؟ ما هي الرسالة الخفية التي يريد الكاتب أن يرسلها إلى قرائه؟

كان البث في الثالثة عصرا كما أخبرنا الكاتب، فأين الجريدة التي تشرع في نقل الخبر في الثالثة عصرا وتحرره وترفعه إلى رئيس تحريرها فيوافق على طبعه فيطبع فينشر فيتداوله القراء ويصل إلى الشرطة، كل هذا في ساعة أو بعض ساعة؟

بينما كان طارق يحاور محمودا حول بداية البحث الجنائي قال له: لكن للأسف في مشكلة كبيرة. وكان محمود منشغلا بقراءة التقرير الذي أعطاه إياه طارق، فقطع كلام طارق ببعض الملاحظات. فاسترسل معه طارق في الحديث، وتابعت حديثهما إلى آخره لأعرف: ما هي المشكلة الكبيرة التي يقصدها طارق. ولكن الأخير لم يذكر هذه المشكلة لا في هذا الحوار ولا في غيره؟

في الفصل الثالث: من عجائب الرواية-وهي أكثر من سبعة- عامر وإلهام عام 1979 ملحوظة: إلهام مصرية تعيش في مصر. ترقص إلهام مع عامر، تشعل الشموع، تشعل سيجارة، تبتسم لعامر عندما قال لها: أحبك، تتعلق بعنقه وتخبره بأنها تحبه. كل هذا وهي حامل منه وهما لم يتزوجا ولم يعرف أبوها خبرها مع عامر! وكيف أبلغته بخبر حملها: عندي خبر هايخليك تحبني أكتر: أنا حامل يا عامر! هل كانت الفتاة بنت العائلات الراقية في مصر إذا وقعت في ورطة كهذه تتصرف هكذا؟ انظر كيف غضبت من سوء استقباله للخبر ومعاملته الجافة لها، ولم تهتز لحدوث الحمل غير الشرعي؟ انظر كيف أغضبها أنه تركها تسقط على الأرض، ولم يحرك فيها شعرة أنه ربما يتركها تسقط في الهاوية! وكل هذا في مصر عام 1979!

في يوم الثاني من أغسطس 2019 أعدم المتهمون بقتل عامر سمير. بعدها ظهر شخص على إحدى القنوات يقول إنه عامر سمير، بعدها بدأ التحقيق مرة أخرى في القضية، وفي أثناء بداية التحقيق حضرت إلى مديرية الأمن امرأة تقول إنها ابنة الدكتور عبد العظيم رئيس قسم التشريح. وفي أثناء التحقيق يخبرها المقدم طارق أن الدكتور عبد العظيم قدم طلبا للحصول على إجازة، وكان ذلك منذ أربعة أشهر، ومعنى ذلك أن الطلب كان في أبريل. وأخبرها أن ذلك كان في نفس اليوم الذي وقع فيه البث الأول. رغم أن الكاتب يخبرنا في فصل الفضائح أن الحادثة كانت في الرابع والعشرين من يناير!

أمام منزل الدكتور شريف يتحاور المقدم طارق والرائد محمود حول القضية، فيخبره أن القضية قضية رأي عام، وأن قضية الرأي العام يحركها المسؤولون الكبار. ومعنى هذا أن العصابة التي يلهثون وراءها لا تلعب بالضابطين فقط بل تلعب بالمسؤولين الكبار أيضا.

المشهد الذي حاول فيه الرائد محمود أن ينتحر:

هو من المواقف التي تدل على حب محمود لابنته.

يشير إلى جانب ضعف في محمود، وقد ذكر الكاتب صفة الانكسار.

أهم ما فيه أنه يفسد مشهدا آخر فيما بعد: أعني به المشهد الذي يتهم فيه المقدم طارق والدكتور شريف الرائد محمودا بأنه قاتل عامر. فقوله لابنته: أنا ضابط فاشل وأب فاشل يوضح أسفه على فشله في الوصول إلى عامر، لا لأن الصول إليه كان صعبا، ولكن لأن الكاتب يريد ذلك. وسيتمادى الكاتب في الاستخفاف بالشرطة أكثر من ذلك في أثناء الرواية ومحاولة إقناع القارئ بضعفهم وفشلهم.

قاتلي العزيز: هل تعلم أن الانتحار أسرع طريقة للقائي؟

السؤال هو: أين في الرواية ما يجعل القارئ راغبا في لقائه؟ هل أراد الكاتب بهذه العبارة أن يخبرنا أن عامرا مات؟ ونعم الأسلوب! لم يجد الكاتب طريقة إلا أن ينصحنا بالانتحار!

في الفصل الخامس: أحمد مهندس بشركة عامر، رياضي، يعمل بالشركة ويعمل محاضرا بالليل ليزيد دخله، ورغم ذلك وافق على أن يزيد مدة عمله بالشركة ست ساعات أخرى، مقابل زيادة راتبه عشرة بالمائة، ولو كان هذا على حساب زميلته هايدي. ونسي الكاتب نفسه أن هذا على حساب عمله كمحاضر؛ إذ لا يمكن أن يقنعنا الكاتب أن هذا على حساب نومه.

عندما دخلت النساء الثلاثة للتحقيق معهن، وصفهن الكاتب وصفا نسي فيه أنهن سقطن مغشيا عليهن، سقطن على الأرض في غرفة قديمة، وكان على وجه كل واحدة منهن وجه إنسان ملتصق به، وحملن إلى المستشفى لنزع الأقنعة البشرية، ومن الغرفة القديمة إلى المستشفى إلى مديرية الأمن، هذا غير البيت الكبير الذي أغشي عليهن فيه وسقطن أرضا، ووضعن في صندوق السيارة،  وبعد كل هذا يريد الكاتب أن يقنعنا بالإتقان في العناية بالبشرة والشعر والثياب!

قال لهن المقدم طارق فيما قال: ونقفل المحضر ونسلمكم للنيابة وهي تتصرف معاكم.

أهنئ الكاتب على هذه العبارة؛ إنها العبارة الوحيدة في الرواية التي تبين أن للنيابة تصرفا غير تصرف الشرطة. أخيرا!

قال المقدم طارق إنهن لا يحملن ما يثبت شخصيتهن! والغريب أنه لم يفتش عن هويتهن لا قبل ولا بعد التحقيق!

تقول الدكتورة نادية إنه وصلتها رسالة من أخيها يخبرها بضرورة الحضور! أليس غريبا أن يبدأ إنسان إجراءات الصفر، بل ويسافر من أمريكا إلى مصر، بناء على رسالة دون أن يجري مكالمة مع من أرسل إليه الرسالة يسأله عن المر؟ أليس الأغرب أن تفعل هذا أستاذة جامعية؟ أستاذة فلسفة، أي عقل! أليس الأغرب من ذلك كله أن المقدم لم يدهش من ذلك ولم يسألها: كيف تسافرين هذه المسافة كلها بسبب رسالة؟ أليس من الممكن أن تحل المشكلة دون حضور؟ ورسالة أخرى من رقم لا تعرفه تنقلها إلى موضع لا تعرفه! والمفروض أن نتحمل هذا ونصدقه؟

حتى الشابة الحسناء وافقت على الذهاب إلى مكان لا تعرفه! لم تحاول إحداهن أن تسأل، لم تقل إحداهن: لا بل اللقاء في الفندق في بيتي، في الأماكن التي تعودنا أن نلتقي فيها! كلهن وافقن على ما أراد الكاتب!

وتعجب أيضا لأن الشرطة تبدو في هذه الرواية وكأنها من عصابة عامر: إن الشرطة لم تسأل عن الرسائل التي أرسلت إلى هؤلاء الثلاثة، لم تتتبع صحة الكلام عنها من شركات الاتصالات، لم تسأل نفسها عن كيفية لقاء الثلاثة، لماذا تأتي أستاذة جامعية من أمريكا لتقتل في هذا الجو؟ لو كانت مهمة الشرطة إثبات التهمة على المتهمين كما قال المقدم طارق، فقد كان على الشرطة أن تفترض وجود متهمين آخرين لتسلمهم كما يقول!

 

تعليقات