رئيس مجلس الإدارة

د. حسام عقل

جمال شعبان يكتب: لماذا نصوم؟

  • الثلاثاء 13 أبريل 2021

نهال القويسني تكتب: حول رواية «صيف مع العدو »

  • أحمد حماد
  • الأربعاء 07 أبريل 2021, 7:21 مساءً
  • 39
صيف مع العدو

صيف مع العدو

"صيف مع العدو" هو عنوان رواية الأديبة السورية المقيمة بالأردن، الدكتورة شهلا العجيلي.

هو عمل أدبي قد يبدو للوهلة الأولى سهلا في ظاهره، حيث تظهر موهبة الحكي جلية لدى كاتبته.

 كما يظهر جليا أيضا، وبقوة، حس الأنثى لديها، متمثلا في قدرتها على رصد التفاصيل الدقيقة، ورسم المشاهد بمهارة شديدة، تجعل القارئ يتمثل المكان بكل مفرداته، ويتعايش مع شخوصه وأبطاله بتلقائية كبيرة، تمسك بلبه فلا تفلته، وتغريه بتتبع الأحداث وتطور الشخصيات، التي تمت صياغتها بسلاسة مميزة ومهارة فائقة، وإيقاع يجعل أنفاسه تتلاحق بعض الأحيان، ويجعل الدمع يفر من عينيه في أحيان أخرى من فرط التاثر، ويثير حنقه ويستثير حفيظته في مواضع ثالثة من فرط الإندماج مع الأحداث والتفاعل مع مشاعر الشخصيات.

والرواية تصور مجتمع إنساني في منطقة الرقة السورية، والتي عانت من الأحداث المتلاحقة وويلات القصف والنزاعات المسلحة خلال العقد المنصرم، فتأخذك الكاتبة بنعومة فائقة إلى عالم الرقة، وتصف لك بصورة دقيقة تفاصيل حياة السكان، وتاريخهم وعلاقاتهم وسلوكياتهم، والقيم السائدة بينهم والتي تحكم تعاملاتهم. حياة زاخرة بكافة أنماط البشر، وتوثيق حي لفترات متتابعة ومتلاحقة من تاريخ المنطقة، وأصول الشخصيات الرئيسية والفرعية التي وردت بالعمل الأدبي.

والرواية تقوم برصد وتوثيق سمات المجتمع وأفراده وسلوكياتهم ومرجعياتهم بصورة مفصلة، تجعلك تعايش هذه المجموعة من الناس عن قرب لتتعرف على الجانب الإنساني من تلك الأحداث التي تساق إليك من خارجه في صورة أخبار سياسية صماء... تلك الأخبار التي لا تعير أي انتباه لأحوال البشر.. هي تنبئك بالمنتصر والمهزوم من وجهة نظرها، وتحاول تشكيل وعيك، أو بالأحرى تشويهه، لتعيش في غفلة وتصدق ما يدعون.

والحقيقة أن هذا النوع من الأدب يعد وسيلة هامة من وسائل توثيق الحقيقة علي المستوى الإنساني والتاريخي.

فإنك ربما لن تقدم على قراءة تقريرا مفصلا عن الأحداث والمآسي الإنسانية المرتبطة بها، وربما لن يهتم أحد بمتابعتة الأحداث بصورة تفصيلية إنسانية مشخصنة، فالأمر جد مؤلم وقاسي على النفس، وتجاهله نوع من الهروب من مواجهة الحقيقة المجردة.

 وهنا تأتي أهمية مثل هذه النوعية من الأعمال الأدبية التي لا يقدم علي كتابتها إلا أدباء على درجة كبيرة من الثقافة والوعي والإدراك، أدباء أصحاب جذور قوية ونشأة قومية وإنسانية راقية وواعية بالأحداث والتاريخ.

 وهو دور هام سوف تتضح أهميته مع مرور الزمن، حتى لو تم تغيير واقع الأمر على أرض الحقيقة، بهدف طمس الملامح وتشويه الصورة، تبقي مثل هذه الأعمال شاهد حي على تاريخ الأمم الكبيرة بسماتها الحضارية العريقة.

وقد تمكنت الكاتبة بحرفية من وصف وتحليل المشاعر الإنسانية لكل شخصية، وتطور الأفكار والمشاعر لدى كل منها خلال مراحل العمر والنضج المختلفة.

كل ذلك في إطار قيمي يصف بدقة سمات وملامح وجدان هذا المجتمع.. كيف تشكل؟ وما الذي أثر فيه. وما أصابه من تشوه وتشتيت فكري وإنساني؟.. بكل بساطة، ذلك الأتون المستعر الذي ألقي فيه آلاف البشر بلا رحمة، ولم يهتز لذلك الضمير الإنساني.

ومن ناحية أخرى نجحت الكاتبة، في أكثر من موضع بالرواية، في رصد الفروق الثقافية والفكرية بين المجتمعات الشرقية ومثيلاتها الغربية.

هي تصف لك بمهارة وسلاسة أوجه الإختلاف الجوهري في النظرة للحياة ومفهوم الحقوق وحتى المشاعر والعلاقات والأطر الحاكمة لها.

ذلك العالم شديد الاختلاف فكرا وثقافة، والذي يعرض القادمون اليه من المجتمعات الشرقية لهزة حضارية، ويضعهم امام تحدي التكيف أو العزلة، وتأثير كل ذلك على تركيبتهم الوجدانية والنفسية.. اختبار قاسي.. خاصة لو أضفنا له قهر الغربة المفروضة على الأفراد.. وفراق الأحباب..وضياع الممتلكات.. وتشويه الأحداث.. ومحو كل المظاهر الخاصة بالثقافة القومية والملامح التاريخية.

ولا بد له أن يحاول نسيان الماضي ويتجاوزه، ويجتهد في التكيف، ويقبل قيما مغايرة عن تلك التي شكلت وجدانه ووعيه، وإلا سوف يجد نفسه غير قادر على الاستمرار.. أي عذاب هذا؟! أن تكرهك الأحداث على مغادرة وطنك، ثم تضطر إلى  التكيف مع ثقافة ليست مثل ثقافتك في شيء.. منتهى القسوة وقمة الألم.

 ومع ذلك فقد اختارت الكاتبة لبطلتها موقف صلب شجاع يعكس ملامح الصمود والإرادة والأمل في المستقبل، حين رفضت دعم عبود وعرضه المساعدة، وفضلت ان تعتمد على مجهودها.

وتطرح الرواية ايضا في مواضع عدة فكرة التصورات التي تشكل وعي الإنسان وقناعاته بصورة كبيرة، رغم كونها أوهام أو انطباعات غير صحيحة نتيجة عدم الخبرة أو حداثة السن، مما يؤثر علي سلسلة القرارت المترتبة علي تلك الأفكار.

 فكم عانت "لولو" بطلة الرواية وهي صغيرة من فكرة ارتباط أمها العاطفي بالباحث الألماني (العدو) حتي ظنت أنه سوف يأخذ أمها منها ويستحوذ على اهتمامها لدرجة تجعلها تنسى ابنتها.

وكم عانت من فكرة أنها و"عبود"  قد قتلا جدتها حين حاولا إخافتها بشقاوة الأطفال.. وظلت هذه الفكرة شبح يخيم على تفكيرها ويؤرق ضميرها طوال الوقت، ويؤثر على قراراتها بصورة سلبية كادت تقضي على مستقبلها، إلى أن اكتشفت بالصدفة، في نهاية المطاف أنها كانت مخطئة، بعد أن انقضي نصف عمرها وهي واهمة.

رسائل هامة وتفاصيل صغيرة تفتح أعيننا وتنبهنا لأمور لم نكن ندركها، قد تؤثر على مجرى حياتنا وقرارتنا وعلاقاتنا بالآخرين وبالحياة نفسها.

والخلاصة أن الرواية في مجملها عمل أدبي متميز من أول اختيار الموضوع وأسلوب رسم الشخصيات والأحداث، وتأصيل جذور ساكني المنطقة واختلاطهم بأعراق أخرى إلي أن استقر بهم المقام في الرقة.

 ليس هذا فحسب، لكن الرواية أرخت ووثقت تاريخ الإقليم من الزاوية الانثروبولجية والثقافية والإنسانية، وهو أمر يحسب للكاتبة بكل تأكيد.

ثم ذلك التحليل النفسي للأشخاص وأفكارهم ومعتقداتعم بصورة تتجاوز مجرد الحكي والأحداث لتسوقنا إلى نتائج هامة وأمور قد تفتح أعيننا وتنبهنا إلي ما قد نكون عنه غافلين.

واحد من الأعمال الأدبية القيمة التي قرأتها في الفترة الأخيرة والذي تستحق كاتبته كل التقدير والتحية على موهبتها الإبداعية وبصيرتها الفكرية والوجدانية المتميزة

تعليقات