م. هبة آلسهيت تكتب: مقاربة لقصة "شجرة وكرسي" لـ علي الفقي

  • أحمد عبد الله
  • الثلاثاء 16 مارس 2021, 00:10 صباحا
  • 542
الناقدة هبة آلسهيت

الناقدة هبة آلسهيت

مقاربة قصة شجرة وكرسي

الأستاذ الكاتب 

علي الفقي 


القصة تنتمي لتيار الوعي – المنولوج الداخلي غير المباشر

التأطير المكاني : تحت شجرة في مقابر العائلة 

الموضوع : ذكريات كهل فقد الأحبة ، ويقتات على ذكرياته ـ ويعيش في رحاب الماضي ، ويقطف بعض  ثمار شجرة الذكريات في كل زيارة لمقابر العائلة ، حيث لا حاضر له ولا مستقبل . 

  يقول روبرت همفري في كتابه (تيار الوعي في الرواية الحديثة) تعريفا بقصص أو روايات تيار الوعي :

"وأسرع ما يتعرف به على رواية تيار الوعي هو مضمونها ، فذلك هو ما يميزها ، لا ألوان التكنيك فيها ،ولا أهدافها ، ولا موضوعها . ..فروايات تيار الوعي هي الروايات التي يحوي مضمونها الجوهري على وعي شخصية أو أكثر ، أي أن الوعي المصور يخدمنا باعتباره "شاشة تعرض عليها المادة في هذه الروايات "

أول ما نلاحظه في الفقرة الاستهلالية ، استخدام السارد ثلاثة ضمائر:

الأول  ضمير الغائب حيث يقول : "في عيد ميلادها اشترى لها ..حملها فرحا بها ..."

الثاني : ضمير الخطاب : " سأركنها في ركن حجرتك ..وأنا أقص عليك "

الثالث : ضمير المتكلم  في الحوار ""لا تخافي فأنا وأنت حياة واحدة .."

 ويقول الدكتور عبدالملك مرتاض في كتابه (نظرية الرواية – تقنيات السرد) 

" والحق أن اصطناع الضمائر يتداخل ، إجرائيا ، مع الزمن من وجهة ،ومع الخطاب السردي من وجهة ثانية ، ومع الشخصية وبنائها وحركتها من وجهة أخرى. ففصلُ مكون عن آخر أمر شديد الصعوبة ، ولا يخلو من كثير ، من التكلف الإجرائي."

وهذا الانتقال والمراوحة بين الضمائر  يشير إلى اختلاط الزمن لدى الشخصية الرئيسية في القصة ، فتشارك البنية هنا في توصيف حالة بطل قصتنا العقلية والنفسية  . 

وإذا كان استخدام ضمير الغائب يفصل زمن الحكاية عن زمن الحكي ، ويوهم القارئ بواقعية الحدث ، فإن ضمير المتكلم يحذف المؤلف أو الراوي ، ويقرب السردية للقارئ ، كما ان ضمير المتكلم ، يشعر القارئ بالحميمية السردية ، ويقرب القص  للسيرة الذاتية ، أما ضمير المخاطب فيوظف الزمن الراهن . 

ثم تصف السردية  مشاعر حانية رقيقة بين الزوج الواهن والزوجة القعيدة . 

 ويقطع هذا الوصف الرقيق خبر معركة في الشارع ، وارتفاع أصوات آلات التنبيه ووصول رجال الشرطة .

 ويترامى صوت محمد قنديل : في أغنية شجية إن شا الله ان شالله ما اعدمك، يبتسمان  ويردد – ياجميل يا جميل إنشالله ما اعدمك، لترد عليه بأغنية فريد الأطرش : ما انحرمش منك ياحبيبي .

هنا في عملية تداعي حر يأتي خبر غسيل الكلى الذي تجريه الزوجة . ثم قفزة إلى عملية الاستحمام ولمحات عفوية  تنقل المشاعر الحزينة  التي تبادلاها .

 ثم يقفز السرد إلى خيال عودة القوة  والصحة والانطلاق بزوجته محلقا في السماء بما يشبه الفانتازيا ، في لحظة من أحلام اليقظة ، حيث يحقق فيها المستحيل على أجنحة الخيال ، ويتوسع الخيال؛ فيمنحه القوة لحمل الزوجة  على أجنحة الريح إلى الأعالى حيث الجنان ، لكنها تعيده إلى الواقع عندما يقبض بشدة على ذراعيها ليضعها على ظهره ليطير بها .

تتداعى الأفكار إلى الأولاد وقلة زيارتهم ، ثم رعايته لأبيه  وهو في المستشفى. ثم نكتشف أن كل ما في السردية إنما هو بعض  ثمار من شجرة الذكريات وهو جالس فوق قبر العائلة .

نلاحظ التداعي الحر الذي انتظمت به بنية القصة .

ثم نلاحظ زمن القص الذي كان هنيهات ، ولكن زمن الحكي امتد لسنين ، واستخدم فيه نوع الزمن اللاحق الاسترجاعي .

أي أن ( ز ن > ز ح).(اي زمن النص أصغر من زمن الحكي )

رغم قفزات تيار الوعي إلا أن مهارة استخدام  التداعي الحر جعل النص متماسكا ، ولم تفقد الأحداث  ترابطها  

واستخدم الكاتب ما يشبه المونتاج الزمني(هو تكنيك تيار الوعي )   ، فاختياره لصور متتالية من صورة أحداث الشرفة ، ثم يستخدم وسيلة المنظر المضاعف بوصفه المعركة في الشارع  حيث يتحرك المكان ويتوقف الزمن ، ثم يعود إلى الشرفة  ، فالحمّام ،ويستخدم القطع في قصة رعايته لأبيه  في المستشفى . 

كل صورة تبدو منفصلة كأنها مشاهد سينيمائية متتالية ، كل منها في إطار ، لكن يجمعها الفيلم (القصة) . في لقطات ومشاهد متتابعة . 

ورغم استخدام عدد من التكنيكات  وأساليب   تيار الوعي  ، ورغم طبيعة هذا النوع القصصي  الذي يجعل السرد مضطربا ، فقد استطاع الكاتب توصيل الرسالة عبر هذه السردية المتميزه المتماسكة .

 ربما افتقرت السردية إلى الصيغ البلاغية  والترميز  لتوسيع المعنى التي تُميز سرديات تيار الوعي ، لكن في القصة القصيرة جدا  كحالتنا يلزم  التركيز والتبئير والتكثيف في المتن والمبنى  الحكائي .وموضوع السردية وطريقة تناولها وصورها الحزينة الأسيانة لم تحوج الكاتب إلى الزخرف اللفظي والذي كان سيبدو مصطنعا وأقل من الحدث . 

- تم استخدام الأغاني ببراعة ونعومة فنقلت الرسائل الوجدانية والحب المتبادل والوفاء ، فالتحمت مع السرد وكأنها جزء منه .ونقلت شحنتها العاطفية بكفاءة إلى المتلقي .

 القصة على قصرها حملت شحنات كثيفة من الرسائل العاطفية والنفسية ، ولامست المشاعر ، وجعلت المتلقي يعيش في الأجواء النفسية الحزينة لبطل القصة ، بين الفقد  والاشتياق ، والحب والوفاء ، والجحود والنكران . وهي ثنائيات تجسد المعاني، وبضدها تتميز الأشياء. 




تعليقات