رئيس مجلس الإدارة

د. حسام عقل

جمال شعبان يكتب: لماذا نصوم؟

  • الثلاثاء 13 أبريل 2021

"النقد المعرفي عند ابن تيمية".. دراسة فلسفية عن الإلحاد والشك الراديكالي

  • د. شيماء عمارة
  • الأربعاء 03 مارس 2021, 5:30 مساءً
  • 261
الإلحاد والشك

الإلحاد والشك

مقدمة:[1]

الابستمولوجيا هو النظام الأكاديمي الذي يُعالج السؤال التالي: “كيف يتأتى لي أن أعرف بأن الذي عرفُتُه صحيح؟” بمعنى آخر؛ هو العلم الذي يدرس الكيفية التي تنشأ بها المعرفة، وما الذي يجعل المعتقدات مُبرهنة، وما الذي يتشكّل منه الدليل، وما إلى ذلك. غالبًا ما تكون الجدالات السطحية في الواقع ممثِّلةً لقضايا معرفية أعمق. هذا هو الحال بالتأكيد مع النقاشات حول وجود الله. قبل الإجابة على من يقول لك: “أثبت لي أن الله موجود”، يجب على المرء أولاً أن يفحص ما الذي يجعل من الدليلِ دليلاً، وما الذي يجب إثباته، وما إذا كان الشخص الذي يطلب الدليل يملك الحد الأدنى من المعرفة التي تمكّنه من الانطلاق. يستخرج هذا المقال ويحلل الخيط المعرفي المشترك الذي يمر عبر ثلاث نقاشات متباينة على ما يبدو: مشاكل التشكيك الفلسفي في الفترتين الهيلينية والهيلينستية في اليونان القديمة،[2] نقد السفسطة من حيث صلتها بالأدلة الفلسفية على وجود الله في كتابات عالم الدين المسلم ابن تيمية (توفي عام 728هـ/1328م)، ومجال الخلاف المعرفي الأساسي في النقاشات المعاصرة بين المؤمنين والملحدين.

العيش في ما وُصف بأنه حقبة الشك أو “عصر الملحدين”،[3] حيث الناس أكثر تشكّكًا تجاه الدّين وينظرون إلى الإيمان بسخرية على أنه “إيمان بدون دليل” أو معتقدات تفتقر إلى البرهنة. ومع ذلك، يتم مواجهة التبرير النهائي للإيمان من خلال مغزى رسالته وليس من خلال السعي وراء الجدل الفلسفي. الفكرة الأساسية في صميم هذا المقال هي ما يلي: الدليل الفلسفي ليس ضروريًا للإيمان بالله، ولا لبرهنة إيمان المرء.[4] هذا لا يعني أنه لا ينبغي إقناع الناس بأي نوعٍ من أنواع التفسير أو الاستدلال، بل فقط أن الحجاج المقدّم يجب أن يركز في المقام الأول على رسالة الإسلام المركزية فيما يتعلق بالغاية والمعنى من الحياة بدلاً من الحجج الكونية أو الغائية أو الأنطولوجية. يمكن للناس أن يشككوا في كل أنواع الأشياء؛ مثلما لا يحتاج الشخص إلى دليل فلسفي لإنقاذه من فكرة أن “العالم المادي غير موجود” أو أن “القيم الأخلاقية غير موجودة”، فهو لا يحتاج إلى دليل فلسفي للهروب من الإلحاد. إذن، هناك مغالطة في التفكير في أنه يجب علينا بالضرورة الشك والمطالبة بإثبات شيءٍ ما قبل أن يمكن إثباته على أنه حقيقة واقعة -وهي مغالطة يمكن للمرء أن يطلق عليها “مغالطة بيرون” نسبة للشك الراديكالي للفيلسوف اليوناني القديم بيرون(ت 270 قبل الميلاد)، والذي ستتم مناقشته بالتفصيل في هذه المقالة لاحقاً.

كان استخدام البراهين الفلسفية لإثبات مذاهب الإيمان أمرًا شائعًا في علم الكلام[5]، وأصبح سمة مركزية للخطاب[6]. ومع ذلك، أوضح اللاهوتي الأشعري البارز أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ) أن ذلك لم يكن وسيلةً لحفظِ اليقين لكثير من الناس لأن هذا لم يكن هدفَه الأصلي. بدلاً من ذلك، ووفقاً لكلامه كان المقصود من علم الكلام هو أن يكون خطابًا للدفاع العقلاني عن العقيدة التي أظهرت التناقضات المنطقية للجماعات المخالفة للاعتقاد القويم[7]. يصف الغزالي في سيرته الذاتية الروحية “المنقذ من الضلال”، كيف تغلّب على صراعه مع الشك البيروني من خلال التجارب الروحية والاستنارة الإيمانية بدلاً من الجدل الفلسفي[8].

كانت المعارضة الفكرية الأكثر ضخامةً وصخبًا لاستخدام الجدل الفلسفي في تأسيس العقيدة الدينية تتجلى في كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية. كما لاحظ العديد من الأكاديميين، تُظهر كتابات ابن تيمية أنه لم يكن مجرد نصّي/أثري ساذج معادٍ للعقلانية والتفكير المنطقي، بل هو عقلاني تحليلي له منهجية عميقة، وعلى دراية وثيقة بالتيارات الفلسفية الواسعة التي استند إليها خصومه[9]. دافع عن نظرية المعرفة المتماسكة منطقيًا والتي تعطي النصوص الدينية تبجيلها الواجب بدلاً من الاعتقاد أنها خاضِعةٌ للأيديولوجيات التي هي من إنتاج الإنسان غير المعصوم.[10] ربما كانت أهم مساهمة لابن تيمية هي إعادة تركيز الجدل حول رد النصوص الدينية إلى جذورها المعرفية التفسيرية، أي نقد الافتراض القائل بأن المذاهب اللاهوتية يجب أن تُدعم بالحجج الفلسفية لكي تُعتبر صحيحة.

وفقًا لنظرية المعرفة القرآنية التي بناها ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية (ت 751هـ)، فإن إيمان الشخص بالله له ما يبرره ويؤسسه بشكل هادف دون الحاجة إلى جدال استنباطي/قياسي منطقي[11]. وعوضاً عن ذلك، يتم تبريرها على أنها النظرة الوحيدة ذات المعنى التي تَظهر بشكل طبيعي من فطرة الشخص (التصرف الفطري) – تمامًا مثل الإيمان بوجود الخير والشر، والسببية، والأعداد، والحقيقة، والوجود نفسه، وما إلى ذلك[12]. إن إنكار الركيزة الأساسية في فطرة المرء يترك الشخص بدون نظام متماسك لتفسير الوجود بطريقةٍ ذات مغزى، وإذا تم دفع معتقداته إلى نهايتها المنطقية، فإن معتقدات المرء تذوب في شك لا نهاية له كما هو الحال في السفسطة -وهو مصطلح يُستخدم في المفهوم الإسلامي للإشارة إلى الشك الراديكالي (البيروني)- سيتم تفكيك هذه المصطلحات واستكشافها بشكل أكبر خلال هذا المقال.

هناك ثلاثة أعمال لابن تيمية ذات أهمية خاصة في الكشف عن آرائه حول البرهان الفلسفي: العمل الضخم المكوّن من عشرة مجلدات بعنوان “درء تعارض العقل والنقل“، وعمله حول نظرية المعرفة الأرسطية بعنوان “الرد على المنطقيين“، وعمله الآخر بعنوان “نقض المنطق“.[13] على مدار النقد المعرفي المستمر، يتتبّع ابن تيمية منهجية المحاججة التي استخدمها محاوروه في فلسفة تميل إلى التشكيك والشك الراديكاليَيْن، من أجل دفع المنهجية الأثرية في الاستدلال[14]. يجادل بأن أولئك الذين سلكوا طريق الجدل الفلسفي للوصول إلى اليقين كانوا في الغالب هم الأكثر وُلوغاً في غياهب الشك والارتباك والحيرة، وفي كثير من الحالات، انتهى بهم الأمر إلى الاعتراف بتجميد حججهم[15].

 

الشاكّ يُطالب بالحجة

من أجل بيان قيمة الشك (إيجابا أو سلبًا) في نظرية المعرفة، يمكن للمرء أن يتخيّل مناظرةً افتراضية مع أحد المتدينين[16]. قد يجادل أحدُ المؤمنين بأن العالم من حوله ليس حقيقيًا وإنما هو مجرد وهم يتم استحضاره داخل الذهن. لذلك، وبدلاً من قول “برهن لي أن الله موجود”، يطلب منك المؤمن “أثبت لي بأنك أنتَ موجود”. ومما لا شك فيه أنه لن يكون هناك أيّ دليل فلسفي كافٍ لإقناع المتشدد بالتخلي عن وجهة نظره هذه. إذا كان على المرء أن يجادل بناءً على الأحاسيس الجسدية للعالم الخارجي، فسيشير المتعصب إلى أن هذه الأحاسيس يمكن استحضارها في العقل. كما توضح ذلك التجربة الفكرية المشهورة “الدماغ في وعاء”* أو brain-in-a-vat، لا يوجد أي دليل على أن دماغك غير قابعٍ وسط وعاء متصل بأسلاك تُغذّيه بالتحفيز الفيزيائي الكيميائي الدقيق لخلق تجربة حية تمامًا للعيش في عالم أشبه ما يكون بالـ”حقيقي”.[17] أظهرت الثقافة الشعبية شكوك “الذاتويّة”** بطرق مختلفة، سواء في الفكرة القائلة بأن الحياة الواقعية قد لا يمكن تمييزها عن الحلم (كما في فيلم Inception عام 2010)، فكرة أن ذكريات الناس ربما استبدلت بذكريات كاذبة حول حقيقة من هم (كما في فيلم Total Recall عام 2012)، أو الفكرة القائلة بأن البشر يعيشون داخل محاكاة حاسوبية لهذا العالم (كما في فيلم The Matrix عام 1999). في كل حالة من هذه الحالات، سيكون من المستحيل الإثبات -إما بالحجة الاستنتاجية المنطقية أو بالأدلة التجريبية- أن الواقع الخارجي هو حقاً كما يُدركه المرء أو يتذكّره. جادل الفيلسوف السويدي نيك بوستروم بأنه نظرًا لإمكانية وجود حضارة ناضجة تقنيًا لإنشاء مليارات من المحاكاة الحاسوبية للعقول الأخرى، والنتيجة ستكون؛ الندرة النسبية للعقول غير المحاكاة مقارنةً بالعقول المحاكاة، فمن المحتمل جدًا أنك تعيش في محاكاة حاسوبية تم إنشاؤها بواسطة حضارة متقدمة تكنولوجياً بدلاً من العيش ككائن مادي في الطبيعة.[18] تم الترويج لوجهة نظر مماثلة من قبل رجل الأعمال الملياردير إيلون ماسك[19].

الذاتوية لا يمكن دحضها من الناحية الفلسفية، لكن هل تستحق فعلاً الالتفات الجادّ إليها من طرف الشخص العادي، ناهيك عن الاستجابة الفكرية؟ لا يأخذ معظم الناس على محمل الجد تلك الشكوك التي تُقوّض الأسس المعرفية لأجل فهمٍ حقيقي للواقع. مثلما يمكن الشك في الدرجة التي يمكن أن يتوافق فيها تفكيرنا المنطقي أو تصوراتنا مع الواقع، يمكن أن يكون هناك عدد لا حصر له من الشكوك التي تطرأ على العقل البشري فيما يتعلق حتى بالبنى الأكثر موضوعية القائمة على أُسس راسخة في نظرية المعرفة. يكتب ابن تيمية:

“بل إذا كانت الأمور المشاهدة الحسية، وما يبنى عليها من العلوم العقلية، قد وقع فيها شبهات كثيرة عقلية تعارض ما عُلم بالحسِّ أو العقل، وكثير من هذه الشُّبه السوفسطائية يَعسُر على كثير من الناس – أو أكثرهم – حلها، وبيان وجه فسادها، وإنما يعتصمون في ردّها بأن هذا قدحٌ فيما عُلم بالحس أو الضرورة فلا يستحق الجواب، فيكون جوابهم عنها أنها معارضة للأمر المعلوم الذي لا ريب فيه، فيُعلم أنها باطلة من حيث الجملة، وإن لم يذكر بطلانها على وجه التفصيل.

ولو قال قائل: هذه الأمور المعلومة لا تثبت إلا بالجواب عما يعارضها من الحجج السوفسطائية، لم يثبت لأحد علمٌ بشيءٍ من الأشياء، إذ لا نهاية لما يقوم بنفوس بعض الناس من الحجج السوفسطائية.”[20].

ويواصل ليشرح أنّ يقين المؤمن في حقيقة ما نقله رسول الله المعصوم، بشكل عام، هو في الواقع أكبر من يقينه في أي معلومة فردية تنقلها ملكاته التجريبية الحسّية أو العقلانية غير المعصومة [21]. يمكن فهم هذا بسهولة عندما يُدرك المرء أن جميع التصوّرات -ذات المغزى- للواقع مضمونة في نهاية المطاف وترتكز على الأساس الوجودي الذي تُوفّره النظرة الإسلامية للعالم.

 

الشك وراء الانغماس

يمارس المتشدّدون شكلاً من أشكال الشك الراديكالي، مما يُثير الشك فيما يتعلق بوجود الواقع المادي، في حين أن الغالبية العظمى من الناس راضون تمامًا عن حقيقة أن العالم من حولهم حقيقي دون أي حاجة إلى إثبات. ولكن في الواقع، لا يوجد نقص في الأمور التي يمكن أن تتعرض للشك والريبة وعدم الثقة. يمكن لأي شخص أن يشك في أحداث التاريخ مثل وجود الديناصورات أو الهبوط على سطح القمر، أو يشك في المعرفة التجريبية (مثل مُنظّري الأرض المسطّحة)، أو يشك في صحة الأحداث المعاصرة ويؤمن بنظريات المؤامرة (مثل أولئك الذين يؤكدون أن العالم يسيطر عليه “شعب السحالي”)[22]. يمكن للمرء أن يصبح شديد الارتياب في جميع علاقاته، معتقدًا أن الجميع يحاولون خداعه. يمكن للمرء أن يشك في الأخلاق ويؤكّد أنّ مقولات “الخير” و “الشر” ليست أكثر من مجرد بنىً عقلية بدون أي واقع خارجي. كما كتب الفيلسوف المعاصر ريتشارد غارنر:

”تمامًا كما يدعي الملحدون أن معتقدات المؤمنين بالوجود الموضوعي للإله خاطئة، يدعي منظرو الخطأ الأخلاقي أن معتقدات الواقعيين الأخلاقيين حول الوجود الموضوعي للقواعد الأخلاقية والمحظورات والفضائل والرذائل والقيم والحقوق والواجبات هي أيضاً خاطئة، وللسبب نفسه -ما يتحدثون عنه غير موجود“.[23]

حتى المنطق نفسه يمكن أن يتعرّض للشك، لأنه لا يمكن لأي افتراض منطقي أن يُثبت حقيقةَ المنطق نفسه بدون دائرية؛ وينطبق الشيء نفسه على كل بديهية رياضية ثابتة.[24] إن فكرة السببية – أن العالم منظم ومنظم بطريقة توجد بها أسباب وتأثيرات – هي أيضًا شيء نعتبره أمرًا مفروغًا منه. بالتأكيد، لا يوجد دليل فلسفي يمكن أن يثبت وجود السببية نفسها، ومع ذلك فهي أساس مفاهيمي ضروري لتفسير العالم من حولنا بطريقة ذات مغزى. [25] إذا كان على المرء أن يحاول القضاء على جميع مفاهيم السّببية، والاستلزام المنطقي، والنظام العددي، وأن يُحجّم من عقله، فلن يكون قادرًا على فهم أي شيء، ناهيك عن الوصول إلى تفسير ذي مغزى للواقع ككل. تحدث لودفيج فيتجنشتاين عن مفاهيم مثل أنها بمثابة “دعامة مجازية لأفكارنا” أو “المفصلة” التي يجب أن يدور عليها “الباب” المعرفي، ووصف عدم جدوى الشك اللامتناهي:

”إذا حاولت الشك في كل شيء فلن تصل إلى حد الشك في أي شيء. لعبة التشكيك في ذاتها تفترض اليقين“.[26]

وبالتالي، فإن عدم جدوى الشك الراديكالي واضح بسهولة. كما يمكن الشك في معاني الأفكار التي تحدث في ذهن المرء، فما الذي يُثبت أن أفكار المرء تحمل المعاني التي يربطها بها؟ لماذا يجب أن تكون النبضات الكهروكيميائية مُشبعةً بالمعنى؟ إن النظر إلى أفكار المرء على أنها لا معنى لها يستلزم خراب أي نشاط إدراكي مُثمر.

إن إنكار الحقائق الراسخة بالخطاب والحجج الخادعة هو جوهر الشك الراديكالي عند ابن تيمية، الذي يقول إن جحود الصانع هو أسوأ أشكال “السفسطة”، وإن كان أقل شيوعًا. تم شرح هذا المصطلح بمزيد من التفصيل أدناه (انظر “معنى السفسطة”). ويشير ابن تيمية إلى أن معظم الناس لا يعتنقون السفسطة في كل الأمور (كما يفعل المُشكّكون البيرونيون)، بل يتسرّب لبعض الناس، أو لكثير من الناس في بعض الجوانب فقط.[27] وهكذا، نجد أن الناس قادرون على تجزئة شكوكهم الراديكالية – فقد لا يكون مؤيد إلغاء عقوبة الإعدام الأخلاقي[28] مُنظِّرًا لمؤامرة، وقد لا يكون مناهضوا اللقاح الدّوري مُنظِّرين للأرض المسطحة، وقد لا يكون المُلحد مؤمنًا بالعِلموية، التي تُنكر حقيقة ما يكمن وراء إدراكنا الحسي، وهي ليست سوى شكل واحد من أشكال الشك الراديكالي. كما يوضح ابن تيمية،[29] من غير المنطقي الادّعاء بأنه لا يوجد شيء يتجاوز الإدراك فقط لأنه لا يوجد شخص لا يعتمد على تلقي المعلومات من الآخرين، ولا يوجد أي شخص لا يعتمد على التفكير المنطقي للمعرفة فيما لا يمكن إدراكه بشكل مباشر. وليست هناك حضارة إلا وهي تعرف تاريخها من خلال التقارير وليس من خلال الإدراك المباشر. ومن ثم، ووفقًا لابن تيمية، فإن العلموية هي شكل آخر من أشكال السفسطة.

 

طيف الشك

يتم تجميع العديد من الأساليب المذكورة أعلاه والتي تُلقِي بظلال من الشك على ما يعتبره الآخرون مسائل يقينية مجمع عليها تحت مصطلح “الشك”. ويمكن اعتبار المواقف المذكورة أعلاه أمثلة على “الشك الراديكالي”؛ ومع ذلك، يجب على المرء أولاً توضيح استخدام مصطلح “الشك” لأنه غالبًا ما يُستخدم بشكل غامض وحتى في الأدبيات الأكاديمية تجد له مجموعة متنوعة من التعريفات. على سبيل المثال، يُستخدم مصطلح الشك العلمي للإشارة إلى الشك في أي ادعاءات أو تأكيدات تفتقر إلى الأدلة التجريبية. من ناحية أخرى، يُستخدم مصطلح الشك الفلسفي للإشارة إلى الرأي القائل بأنه من المستحيل الحصول على معرفة معيّنة عن شيء ما؛ يستحيل علينا معرفة حقيقة الأمر. في بعض الأحيان، يمكن استخدام التشكيك لوصف الذاتية و/أو معاداة الواقعية التي تنفي وجود أي حقيقة موضوعية يجب معرفتها في المقام الأول.[30] يمكن اعتبار هذا امتدادًا للشك حين نفكّر أنه من المستحيل معرفة ما إذا كان الشيء جيدًا أم سيئًا، للتساؤل عما إذا كانت هناك إجابة صحيحة للسؤال ابتداءً؛ إنه ببساطة الشك المنقول من مستوى أعلى من السؤال الميتافيزيقي إلى السؤال الماوراء الميتافيزيقي.

تتعدد أشكال الشك لدرجة أن بعضهم قد حدد ستة أبعاد يمكن تصنيفه من خلالها: المجال (عام أو محدود)، الشخصية (النظرية أو الإلزامية أو المُمارِسة)، الشيء (المعرفي أو المفاهيمي)، الأصل (السابق أو اللاحق)، والدرجة (مخفّفة أو غير مخفّفة)، والمثابرة (ثابتة أو متغيرة). [31]

يقتصر مجال الشك الذي يمارسه الملحد (على افتراض “وجود الله” أو أن المعتقدات الدينية صحيحة). بالنسبة لبعض الملحدين، فإن الهدف من شكوكهم معرفيٌّ وليس مفاهيميًا. أي أنهم يتحدّون وجود الله دون أن يتحدّوا المفهوم نفسه باعتباره غير مفهوم. في الواقع، يرى بعض أكثر ممثلي الحركة الإلحادية الجديدة صراحة [32] أنه حتى مفهوم الله هو فرضية قابلة للتزوير العلمي [33] (مما يجعل أصل الشك ناتجاً عن البحث العلمي وفقًا لما ورد في التصنيف أعلاه).

الفرق بين الإلحاد واللاأدريّة هو أن الأول هو موقف وجودي (“لا يوجد إله”) بينما الأخير هو موقف معرفي (“لا أعرف ما إذا كان هناك إله” أو “من المستحيل بالنسبة لنا أن نعرف ما إذا كان هناك إله”). ومع ذلك، حاول الكثيرون تعريف الإلحاد بطريقة تُقلِّص الفوارق بين الإلحاد واللاأدرية، مثل تعريفه على أنه “عدم الإيمان بوجود الله”، مما أدى إلى ما يسمى بالاندماج الدلالي بين الإلحاد واللاأدرية.[34] ومع ذلك، فإن الدافع وراء هذا التوسع في التعريف هو أن كلاً من الملحد واللاأدري يشتركان في مسار مشترك في وصولهم إلى النتيجة التي توصلوا إليها.[35] مُشكّكين في قضية المؤمن بوجود الله، فإنهم يتراجعون عما يُعتبر الالتزام الافتراضي -بالنسبة للاأدري، هو تعليق الحكم، بينما بالنسبة للملحد الالتزام الافتراضي هو النفي، بينما يقع عبء الإثبات على المؤمن. لاحظ أنه إذا تم توسيع افتراض “عبء الإثبات” نفسه ليشمل فئات أخرى؛ فإن الملحد المتسق منطقيًا سيحاول أيضًا أن يكون مؤمنًا بالذات، ومُنظّرًا للخطأ الأخلاقي، وما إلى ذلك، وبالمثل يتوقع المرء أن يُعلّق الحياد المتسق منطقيًا الحكم مثل هذه الأمور أيضًا. وهكذا، فإن كلا من اللاأدري والملحد يمارس الشكوكية التي تقتصر على مجال الإيمان بالله. يكمن الاختلاف المهم بين الاثنين في درجة التشكك لا غير.

كما يشرح ابن تيمية، قد يكون هناك شك متطرف في إنكار حقيقة معروفة في مجالٍ ما، حتى وهو يؤكد صحة الأمور الأخرى.[36] الشكوك المطبّقة على مجال محدود ستُتهم دائمًا بأنها غير متسقة في الفشل في تطبيق نفس معايير الإثبات على مسائل أخرى. لكن هناك القليل من المشككين الذين يُطبّقون الشكوك على مستوى شامل، ويشككون في كل شيء، وهو ما يُعرَف باسم الشك الديكارتي؛ “لذا فإن أولئك الذين يعملون بجد لدحض الشكوك الديكارتية هم في الواقع يهاجمون قلعة فارغة.”[37] هذا نوع من الشك الذي عبر عنه رينيه ديكارت وعارضه[38] بالقول إنه حتى لو تلاعب شيطان شرير بحواس المرء، فإن الشيء الوحيد الذي لا يشك فيه المرء هو أن المرء لديه عقل يفكر. ومن ثم فقد عبر عن العبارة الفلسفية الأكثر شهرة، Cogito ergo sum، في جوهرها، “أنا أفكّر، إذن أنا موجود”. بعد كل شيء، يبدو أن حقيقة أنني أشك في وجود العالم، يجب أن تُثبِت أن لدي عقلًا قادرًا على الشك. [39] ومع ذلك، حتى هذا الاستنتاج يمكن أن يكون موضع شك. يمكن لنفس الشيطان الشرير الذي يتلاعب بالحواس أن يتلاعب بالعقل بسهولة ليعتقد أنه يشك أو ينخرط في حالات عقلية لا يُشارك فيها في الواقع (شك الحالة العقلية). على سبيل المثال، ماذا لو كانت الأفكار في عقل المرء مجرد أصداء أو ظلال للأفكار التي تحدث في عقل الشيطان، ولم يمتلك عقل المرء أي فكرة مستقلة خاصة به؟ هنا يواجه المرء ارتدادًا لانهائيًا للأفكار المتشككة. كتبت الفيلسوفة جيسيكا ويلسون:

”نظرًا لأنني قد أكون أحلم أو أهذي أو أُخدع لأفكر في أنني متشككةٌ في العالم الخارجي، ثم مرة أخرى من خلال التفكير المتوازي، يجب أن أكون مُتشكّكًا بشأن ما إذا كنت حقًا في الحالة المعنية – أي يجب أن أكون متشككًا حول ما إذا كنت متشككًا بشأن وجود العالم الخارجي. الآن ليس هناك من توقف. لأنني قد أكون بالمثل أحلم أو أهذي أو أتعرّض للخداع لأفكر في أنني متشكك بشأن ما إذا كان العالم الخارجي موجودًا، لذلك يجب أن أكون الآن متشككًا بشأن ما إذا كنت متشككًا بشأن ما إذا كنت متشككًا بشأن ما إذا كان العالم الخارجي موجودًا. وهلم جرًا.“[40]

مثل هذه الشكوك “تؤدي إلى دورٍ مخزٍ، يتطلب حله المبدئي وغير الإشكالي الوحيد العودة إلى الخطوة الأولى المتشككة ورفضها.”[41] إن سلسلة الشك تُقوّض أي محاولة للمعرفة. ربما كان الشعار الديكارتي الأكثر ملاءمة هو Dubito ergo sum Stultus – أنا أشك، لذلك ما زلتُ أحمق.

 

دليل على الهاوية البيرونية

كمنهجية فلسفية، كان للشك تاريخ واسع ومتنوع منذ الإغريق القدماء، تكرر كموضوع في المناقشات من الأخلاق إلى الميتافيزيقيا، حيث تم دعمه منذ الفترة الهلنستية من قبل البيرونيين والمشككين الأكاديميين[42] ولكن تم استخدامه في بعض الأشكال أو الهيئات من قبل كل مجموعة رئيسة تقريبًا بما في ذلك العقائديون.[43] غالبًا ما يُعزى الشك الفلسفي إلى الفيلسوف اليوناني القديم بيرهو من إليس (توفي 270 قبل الميلاد). أصبحت شكوكه الشديدة بمثابة علفٍ لمجموعة متنوعة من الخرافات والأساطير المسلِّية. يُقال أن بيرهو كان غير واثق من حواسه لدرجة أن طلابه اضطروا إلى منعه من السير نحو الكلاب أو التردّي في المنحدارات[44]. نظرًا لأنه لا يمكن لأي معتقد أن يفلت من الشكوك المتعلقة بتبريره، اعتقد بيرو أن الطريقة الوحيدة للعيش هي تعليق الأحكام بالكامل. إن الشكّية البيرونية في نهايتها النهائية تُؤدي إلى سخافة لا تَمرّ مرور الكرام. سأل جالينوس (المتوفى 210 م) ساخرًا “ما إذا كان البِيروني يتوقع منا البقاء في السرير عندما تشرق الشمس بسبب عدم اليقين بشأن ما إذا كان الوقت نهارًا أم ليلًا، أو أن نبقى على متن السفينة حتى عندما ينزل الجميع، متسائلاً ما إذا كان ما يبدو أن الأرض حقًا هي الأرض.”[45] من الواضح أنه سيكون من المستحيل حتى تنظيم أفكار المرء بشكل متماسك في ظل الإيذاء الذاتي المستمر لمثل هذه الشكوك البيرونية دون الانتقال إلى هاوية اللامعنى.

أركسيلاوس Arcesilaus، أحد الشكاك في أكاديمية أفلاطون (المعروفين أيضًا باسم “الشكاك الأكاديميين”) ربما تأثر ببيرو، تبنى الشك كمنهجية، ساعيًا للتّشكيك في أي حجة لصالح موقف فلسفي معين.[46] ومع ذلك، تم انتقاد المُشككين الأكاديميين من قبل المشككين البيرونيين الأكثر نفوذاً، مثل Sextus Empiricus سيكستوس إمبيريكوس (المتوفى 210م)، لكونهم غير مُشككين بما فيه الكفاية لأنهم أظهروا التزامًا بعدم المعرفة الأساسية للافتراضات.[47] وبالتالي، يمكن اعتبار أنّ Arcesilaus كان لديه العديد من المعتقدات حول ما تعنيه معرفة شيء ما أو عدم معرفته، وما إذا كانت قضية معينة معروفة أو غير معروفة، وما الذي يشكل سببًا كافيًا للاعتقاد في قضية ما.[48] يجب على البيروني المتّسق أن يجرّد حتى هذه المفاهيم في سعيه لتعليق كل الأحكام بالكامل.

على الرغم من أنها تبدو متطرفة، إلا أن التشكك البيروني ليس سوى تشعب منطقي ونتائج عملية للإطار المتشكك للفكر الذي عملت في ظله معظم مدارس الفلسفة الهلنستية.[49] يكتب Groarke قائلاً:

”من الأفضل فهم الشكوكية على أنها نتاج مجتمع من الأفراد داخل بيئة فكرية معينة، وليس كمنظور اخترعه الأفراد (على سبيل المثال، Pyrrho أو Arcesilaus). في الواقع، الاختلافات بين المشكّكين والمدارس الفكرية المتنافسة أقل مما نعتقد، ويمكن النظر إلى الشك اليوناني بشكل مريح على أنه استجابة طبيعية (أو دعنا نقول حتمية) للمشكلات التي هي محور المناقشة في كل ما يتعلق بنظرية المعرفة اليونانية“.[50]

تتجذّر الفلسفة الهلنستية بعمق في المشاعر الشكّية بأنه إذا لم يستطع المرء هزيمة المُحاور الفلسفي عن طريق اللجوء إلى دليل لا يقبل الشك أو حقيقة تجريبية لا تُزعزع، فلن يكون لدى المرء أي مُبرر للاعتقاد بما يعتبره صحيحًا. كان كثيرون ينظرون إلى سقراط باعتباره المشكّك النّموذجي. وأشهر اقتباس منسوب إليه (أعيد صياغته من اعتذار أفلاطون) هو: “الشيء الوحيد الذي أعرفه حقًا هو أنني لا أعرف شيئًا”.[51] علاوة على ذلك، كان يشك في المعرفة غير المعرَّفة؛ كانت المعرفة الحقيقية تتعلق بالحصول على التعريفات الفلسفية الصحيحة وإذا لم تتمكن من تعريف شيء ما، فأنت لا تملك حقًا معرفة به.[52]

تم انتقاد أفكار Aristippus (المتوفى 356 قبل الميلاد) و Cyrenaics، من أجل تكوين أفكار عن الانتماء، بسبب نظرية المعرفة التي لم تستطع إثبات ما إذا كان المعلم موجودًا.[53] كان أرسطو والمشائية متشكّكين في الادّعاءات التي لم يتم إثباتها بالحجج المنطقية، بينما جادل الأبيقوريون والرواقيون بأن الحواس التجريبية كانت أساس المعرفة الحقيقية.[54] رسمت كل مجموعة من الفلاسفة الهلنستيين لأنفسهم معيارًا تعسفيًا لا أساس له لما اعتبروه دليلًا مقبولًا وطبقوا شكوكًا جذرية تجاه أي شيء لا يفي بهذا المعيار. يُفترض أن بيرهو هو الذي رأى المعايير التعسّفية وأخضعها لنفس الشك المعرفي. وبهذا المعنى، كان بيرهو ثابتًا فقط في محاولة أخذِ الشك إلى نهايته الطبيعية.

كان ابن تيمية على دراية بأفكار البيرونيين والسُفطائيين،[55] واستفاد من شكوكهم لإثبات فشل الجدل الفلسفي في ضمان اليقين، وكذلك لتوضيح النتيجة النهائية لنظرية المعرفة لدى خصومه، وبيان الحاجة للرجوع إلى أساس أكثر ثباتًا ومتجذر في القرآن. أولئك الذين اختاروا طريق الجدل الفلسفي لتأسيس مسائل الإيمان كان عليهم أن يتعاملوا مع ظاهرة الشك الراديكالي. في حين أيّد المعتزلة على نطاق واسع فكرة أن الواجب الأول على الإنسان هو الفحص العقلاني للأدلة (النظر)، ذكر البعض مثل أبو هاشم الجبائي (ت321هـ) أن الواجب الأول هو، في الواقع: الشك[56]. ومع ذلك، وكما شهد الغزالي، فإنّ مسار الشك لم يؤمّن اليقين بل أدى فقط إلى إثارة المزيد من الشكوك، مما أدى من الناحية المعرفية إلى نقطة الشك البيروني. كان هذا هو الرابط الذي شكل التركيز المركزي في التحليل المعرفي الشامل لابن تيمية.


معنى السفسطة

تم رفض الشك الراديكالي عالميًا من قبل علماء الدين المسلمين من جميع الاتجاهات. ومع ذلك، يعرّف ابن تيمية الشكوكية الراديكالية على أنها النتيجة النهائية لأساليب مُحاورِيْهِ الذين ترسخوا في السعي وراء الحجج الفلسفية لإثبات وجود الله، بحجة أن منهجهم لا يؤدي إلى اليقين بل إلى الشك والارتباك (الحيرة).[57] ناقش علماء الدين المسلمون الشك الراديكالي بمصطلحات السفسطة والسفسطائية والمسفسطين (وهو تعريب للمصطلحاتsophistry، sophisticism، sophists، على التوالي)، وهي المصطلحات التي نوقشت بشكل متكرر في كتابات ابن تيمية. من أين نشأ مصطلح “السفسطائي”؟ على الرغم من أنه ربما لا يشير في البداية إلى أكثر من مجرد “المعلمين الحكماء” في المجتمع الأثيني، فقد أصبح تسميةً لأولئك الأفراد الذين انخرطوا في الخطاب الذكي على حساب المنطق السليم، والقادرون على جعل الحجة الضعيفة تبدو أقوى، والاستثمار في الفوز بالمناقشات حول اكتشاف الحقيقة، والتعبير عن الشك تجاه المعرفة الموضوعية.[58]

في الواقع، كان مصطلح “السفسطائي” هو التسمية التي استخدمها أفلاطون لوصف خصوم سقراط الأوائل، رجال مثل بروتاغوراس (ت 420 ق.م)، أنتيفون (ت 411 ق.م)، جورجياس (ت 390 ق.م)، بروديكوس (ت 395 ق.م)، و Thrasymachus (ت 399 ق.م)، على الرغم من عدم وجود خط واضح يمنع سقراط نفسه من السخرية منه باعتباره سفسطائيًا على حد تعبير أريستوفانيس (المتوفى حوالي 386 ق.م) وأيشين (المتوفى 314 ق.م).[59] التقط بروتاغوراس شكلاً من أشكال النسبية أو معاداة الواقعية في بيانه الشهير، وإن كان يُساء فهمه كثيرًا، “الإنسان هو معيار كل الأشياء”. أعرب عن شكوكه في معرفة القول الإلهي، “فيما يتعلق بالآلهة، لست في وضع يسمح لي بالتحقق من أنها موجودة أو غير موجودة”.[60] بينما دفعته النسبية إلى استنتاج أن الأشياء صحيحة بنفس القدر، بالنسبة لجورجياس أدى ذلك إلى رؤية كل الأشياء على أنها خاطئة على حد سواء. [61] كلاهما، مع ذلك، احتضن شُكوكًا أيدت شكلاً من أشكال العدمية والتحيّز:

”يمثل موقف غرجس، وكذلك بروتاغوراس، العدمية لأنها ذكرت أنه لا يمكن أن تكون هناك طريقة موضوعية لتحديد معرفة حقيقية. يجسد الموقف السفسطائي أيضًا التحيّز لأن الذات لا يمكن أن تدرك شيئًا سوى تجاربها وحالاتها العقلية. وهكذا توصل جورجياس إلى استنتاجاته الثلاثة الشهيرة: لا شيء موجود. فإن وُجد، فلا يمكن فهمه؛ وإن أمكن فهمه، فلا يمكن نقل ذلك المفهوم إلى شخص آخر.“[62]

كما تجلى اتجاه التشكّك الذي يُمثّله السفسطائيون بالتأكيد في العديد من فروع الفلسفة الهلنستية، من Cyrenaics إلى Peripatetics، وبشكل أكثر دراماتيكية عند المشككين البيرونيين والمشككين الأكاديميين.[63] تعد الموضوعات المتداخلة للسفسطة والتشكيك أمرًا حيويًا لفهم كيفية ارتباطها باستخدام مصطلح “السفسطة” أو “السفسطائية”. يخصص أبو منصور الماتُريديّ (ت 333هـ)، المؤسس لما عُرف بالمدرسة الكلامية الماتُريديّة، قسماً في كتابه “التوحيد” لتوضيح خطأ السفسطائية، الذين يدّعون أن قُدرات الإنسان العقلانية والحسية غير جديرة بالثقة، وبالتالي لا وجود للمعرفة، فقط مجرد آراء ومعتقدات.[64] ويذكر ابن شبيب (ت 230هـ) محاولات المعتزلة الأوائل للتجادل معهم من خلال إظهار التناقض المتأصّل في ادّعائهم معرفة أنه لا يوجد شيء يمكن معرفتُه، قبل أن يُبديَ رأيه في عدم جدوى الخلاف مع هذه الطائفة. يشرح عالم اللاهوت والخبير بأفكار الهرطقة والبدع المبكّرة عبد القاهر البغدادي الأشعري (ت 429هـ) أن السفسطة تنطوي على إنكار المعرفة أو إنكار حقيقة كل شيء. هناك من يشك في وجود الكيانات الحقيقية (الذين شكّوا في وجود الحقيقة) على حدّ قوله، بينما يرى آخرون أن واقع الأمور مشروط بمعتقدات المرء عنها، وأن جميع المعتقدات صحيحة رغم تناقضها.[65] يمكن للمرء أن يرى بسهولة كيف أن هذا التعريف يشمل المشككين البيرونيين وكذلك الذاتيين والمعادين للواقعية من السفسطائيين الأثينيين.

وبالمثل، يميز أبو المعالي الجويني (ت 478هـ) بين أربع مجموعات منفصلة من السفسطائيين -أولئك الذين يُنكرون إمكانية المعرفة، والذين يُنكرون إمكانية إثبات المعرفة، والذين ينكرون القدرة البشرية على اكتساب المعرفة، وأولئك الذين يؤكدون أن المعتقدات المتناقضة بشكل متبادل تُشكل جميعًا معرفة حقيقية.[66] وبالتالي، من المهم أن ندرك أن مصطلح السفسطة في كتابات علماء الدين المسلمين لا يقتصر بشكل خاص على المفكرين الأثينيين “السفسطائيين”، على الرغم من أنه يشمل العديد من الاتجاهات المعرفية الهامة التي خرجت من رحم هذه الطائفة. سوف يتّضح هذا بشكل أفضل عندما ننظر في ردود الفعل على السفسطائية في كتابات ابن تيمية.

 

الإلحاد والسفسطة

بالنسبة لابن تيمية، فإن السفسطة تنطوي على وهم، وأولئك الذين يُنكرون الله -الإيمان والذي يشرحه بأنه أكثر الأمور رسوخًا في الفطرة- ينخرطون في شك أسوأ من أولئك الذين يُعارضون إملاءات الإدراك والعقلانية التجريبية، أو يعارضون التقارير الموثقة على نطاق واسع (التواتر) عن وجود مدن وأحداث لم يشهدوها شخصيًا (مثل شخص ينكر وجود تورونتو الكندية أو يُنكر وقوع الحرب العالمية الثانية).[67] وفي حديثه عن استحالة انتهاك الفطرة لقانون عدم التناقض من خلال التأكيد على حقيقة وزيف شيء ما في آن واحد، يقول ابن تيمية أنها “ستقدح في مبادئ العلوم كلها” على حدّ تعبيره و “حينئذ فلا يبقى علم يعرف به حق وباطل، وهذا جامع كل سفسطة”.[68] هنا نجد الفهم القائل بأن السفسطة تَشلّ البنى المعرفية التي تدعم وتُرسي كل معرفة متماسكة للواقع.[69]

يقول ابن تيمية أنه على الرغم من أن الإلحاد لم يكن أبدًا وجهة نظر شعبية تتبنّاها أمةٌ بأكملها من الحضارات المعروفة، إلا أن بعض الناس يُؤيّدونها بدرجات متفاوتة، سواء ظاهريًا كما في حالة فرعون الذي اعترف في أعماقه برفض الاعتراف بحق الله، أو في الظاهر والداخل كما في حالة الحاكم الذي خالف النبي إبراهيم عليه السلام. ومع ذلك، يقول ابن تيمية إن هذا لا ينفي أن الاعتراف بالله (معرفة) راسخٌة في الفطرة.[70] في الواقع، يقول ابن تيمية، الإلحاد نوع من السفسطة أو الشك الراديكالي، وهي حالة عامة يقع فيها كثير من الناس، سواء عن قصد أو عن غير قصد، من خلال الاعتراض على الأسس المعروفة بالحدس (قضايا بديهية) أو الأمور التي تعترف بها الفطرة. في الأمور التجريبية والرياضية، وكذلك في اللاهوت.[71]

ويشير ابن تيمية إلى أن السفسطة تنطوي على معارضة المعرفة الضرورية أو (العلم الضروري)، مثل معارضة فكرة أنّ المعرفة تختلف عن العارف.[72] في أقصى الحدود، قد يستلزم رفض الأسس المنطقية أو التجريبية مثل اعتبارِ أنّ الرجل مُساوٍ للرجلين أو اعتبارِ أنّ الحلاوة والمرارة مُتطابقتين.[73] عندما يتم التعرف على زيف الادّعاء من قبل الغرائز المعرفية الأكثر بدائية في وعي المرء (البداهة)، لا يمكن إثبات أدلة لصالح هذا الادعاء لأن القيام بذلك يستلزم انتهاك المعرفة الضرورية، والتي تستلزم السفسطة.[74] الهدف من إرسال الله لكتاب إلهي ليس الانخراط في النقاشات غير المجدية للسفسطة، بل توجيه البشرية إلى قمة الفضيلة في شؤونها الروحية والأخلاقية.[75] تنكشف اعتراضات السفسطة عند التدقيق على أنها مجرد أوهام وخيال، وهي غير متجذرة في شيء آخر غير آراء الفلاسفة التي لا أساس لها والتي تم تقليدها بشكل إمّعي من قِبل الأجيال اللاحقة، على الرغم من تناقض القوة العقلانية الطبيعية المتأصلة في الفطرة البشرية. (والتي فطر الله عليها جميع بني آدم).[76]

يشير ابن تيمية في كتابه “الرد على المنطقيين” إلى أن جعل المعرفة كلها مشروطة بالتعريف الفلسفي سيؤدي إلى استحالة المعرفة نفسها لأن كل التعريفات يمكن أن تكون مشكلة. ونقض كل علم أعظم مظاهر السفسطة.[77] غالبًا ما يوازي ابن تيمية لاعقلانية السفسطة فيما يتعلق بالمسائل العقلانية مع لاعقلانية القُرمطيات الباطنية في مقاربتهما للكتاب النصوص الشرعية- تنكر كلتا المجموعتين الحقائق البديهية، سواء في العالم من حولهما أو في الكلمات التي أمامهما (السفسطة في العقليات، والقرمطة في السمعيات).[78] وبعبارة أخرى، فإن درجة السفسطة والقرمطة التي تُظهرها جماعة بدعية تتناسب طرديًا مع درجة خروجها عن الهداية النبوية (السُنّة). كما تشير آخر آية من سورة الفاتحة، فإن أصل كل ضلال هو إما التعنت أو الجهل، فالأول هو صفة الشخص الذي يتعمد إصراره على التشكيك الراديكالي.[79]

 

نظرية المعرفة المتمركزة حول البداهة

إن الترياق المضاد للشك الراديكالي السابق ذكره، بحسب ابن تيمية، هو اللجوء إلى الاعتراف المنطقي بأن هناك عناصر بِنيوية أساسية في العمارة المفاهيمية للعقل البشري والتي هي فطرية، وبديهية، وضرورية. التي يعتمد عليها اكتساب المزيد من المعرفة. كثيرًا ما يستخدم ابن تيمية هذه المصطلحات الثلاثة كمفاهيم مُتداخلة ومُترابطة، على سبيل المثال نشر العبارة المركبة “العلوم البدهية الضرورية الفطرية” لوصف الحدس الأساسي للسببية.[80] ومع ذلك، فإن الفروق الدقيقة بين هذه المصطلحات تستحق الدراسة الأكاديمية المستمرة والمزيد من البحث بسبب تداعياتها المعرفية.

يشير مصطلح بديهي إلى ما ينشأ بشكل عفوي في الذهن كنتيجة لاكتمال تصوّرات الفرد. كلما كان مستوى التأمل أعمق، أصبح الوعي البدائي أكثر اتساعًا وشمولية.[81] وبالتالي، قد تظهر مسألة ما في الوعي البدائي لشخص ما دون الآخر، وكلما زادت قدرة المرء على تصور جميع جوانب المسألة، زاد عدد الأمور التي تنشأ مباشرة داخل وعي الفرد.[82] وهكذا، لا يشير مصطلح البدهي فقط إلى البديهيات المنطقية المسبقة (على الرغم من أنه يشملها بالتأكيد) ولكنه يتعلق أكثر بالعفوية والفورية التي تظهر بها المفاهيم في العقل، والتي بدورها تعكس عمق تفكير المرء، ثبات قدرة الفرد على التجريد والتصوّر، والتحصيل الفكري والتعليمي للفرد. ما إذا كان شيء ما بديهيًا أم نظرياً (استنتاجياً) ليس خاصية متأصلة في المسألة، ولكنه وصفٌ لأصل ظهور الفكر داخل النفس البشرية كنتيجة لاحتكاكها مع الواقع؛ يوضح ابن تيمية ذلك مشيراً إلى الطرق المختلفة التي تمكن الناس من خلالها على معرفة أنّ مسيلمة دجّال.[83]

الفِطري (صفة مشتقة من الفطرة) تستلزم الاستعداد الطبيعي الذي خلق الله الإنسان بناءً عليه، مع التوق إلى محبته والتعرف عليه،[84] حتى وإن كانت الفطرة فاسدة ومنحرفة.[85] بالإضافة إلى الميل الروحي تجاه الله، تُوفّر الفطرة أيضًا الأساس لجميع القيم والمفاهيم الأخرى في العقل البشري بما في ذلك الرحمة والعدل والصدق، وكذلك المفاهيم الميتافيزيقية والمنطقية مثل التغيّر والزمنية والسببية.[86] المعرفة الفطرية للأحكام الأخلاقية المتعلّقة بتفاصيل مُعيّنة في العالم تسبق فعليًا التجريدات الكونية حول المقولات.[87] تحوي الفطرة البِنية المفاهيمية (مثل التفرّد والعدّ) التي تسمح لنا بتفسير لقاءاتنا الحسية مع العالم بطريقة ذات مغزى.[88] يُقرّ ابن تيمية بإمكانية الخطأ في الإدراك الحسي، لكنه يجادل بأن الأخطاء الإدراكية قابلة للاكتشاف وأن القاعدة الأساسية هي اعتبار حواسنا جديرة بالثقة نظرًا لأنها مُتجذّرة في الفطرة التي خلقنا عليها.[89] حتى أن الفطرة تُرشدنا إدراك الحاجة إلى اتباع هدي أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا مُتلقّين مُباشرين لرسالة الإسلام وتعاليمه.[90]

يُقرر ابن تيمية أنّ ما تقتضيه الفطرة “لا يحتاج إلى برهان لأنها أكثر الحقائق المعترف بها رسوخاً (المعارف)، والأكثر ثباتًا بين جميع أشكال المعرفة، وأساس جميع الأُسس (أصل الأصول).[91] وهذا يوضح أيضًا الخطأ في وصف استخدام ابن تيمية للفطرة كشكل من أشكال التفكير الدائري لأن هذه التهمة تفترض خطأً أن ابن تيمية يحاول تطوير القياس المنطقي على أساس الفطرة (على سبيل المثال، الله موجود لأن الفطرة تقول هو موجود ونحن نعلم أن الفطرة موجودة ويمكن الاعتماد عليها لأن الله أخبرنا بذلك).[92] في الواقع، لا يُقدّم ابن تيمية القياس المنطقي على الإطلاق لأنه ينفي النموذج الأرسطي/الكلامي بأكمله الذي يفترض مسبقًا المتطلبات المعرفية للتفكير المنطقي. إنه يشير بدلاً من ذلك إلى أن مفاهيم الإثبات والحقيقة والعقل والغاية والوجود تظهر فقط في العقل كنتيجة للوعي البشري البدائي الطبيعي وأن إنكار ذلك يعني ببساطة جعل الواقع غير مفهوم. يكتب ابن تيمية أنه عندما يثبت شيء في الفطرة، فإنه يصبح “متأصلاً في الطبيعة (الجبلّة) ويطبع في أذهان الناس (النفوس)، بحيث لا يستطيع المرء أن يكبح نفسه عن إملاءاتها، ولا يكون في مقدور المرء طردها عن نفسه”.[93]

الضروري هو تلك المعرفة التي لا يتم اكتسابها من البشر الآخرين بل هي متأصلة في أذهانهم، على الرغم من أن الرواسب النفسية وسوء الفهم قد تمنع المرء من تأكيدها على هذا النحو.[94] يلخص كارل شريف الطوبجي النظرة المعرفية لابن تيمية على النحو التالي:

”على أساس المعرفة التجريبية التي توفرها له الحواس، يستخلص العقل المفاهيم الكونية التي يعتبرها بمثابة تمثيلات عقلية للواقع الخارجي. بما أن معرفة العقل هي معرفة بحتة (علمي) ونظرية (اِعتبارية)، فإن القوة العقلانية غير قادرة على إثبات الوجود الواقعي لأي كيان خارجي (على الرغم من أنها تستطيع، مرة أخرى، تأكيد وجود الله على أساس الحس الإلهي الداخلي الفطري). ومع ذلك، يأتي العقل جزءًا لا يتجزأ من المعرفة الفطرية والضرورية لبعض البديهيات الأساسية، والتي على أساسها يمكننا منح الموافقة العقلانية (التصديق) أو تشكيل النتائج المنطقية (الأحكام) فيما يتعلق بالكيان الوجودي. يمتلك العقل المعرفة اللازمة للواقع الخارجي بوساطة الحواس، ومبادئه المنطقية الفطرية، وأي معلومات وصلت إليه عن طريق التقارير (الأخبار) التي تم نقلها من خلال النقل الجماعي المتكرر (التواتر) ( مثل النص القرآني وعدد محدود من روايات الحديث المتواتر). لكن مبدأ التطوّر لا يقتصر على ضمان صحة الروايات الشفهية. كما أنه بمثابة الضامن النهائي للمعرفة الضرورية للعقل عبر الحواس، وكذلك للمبادئ البديهية العقلية والفلسفية بشكل عام، في حالة وجود أي من هذه المصادر للمعرفة الضرورية المشتركة على نطاق واسع. يجب أن تتعرض للتقويض أو الطعن أو الشك المنهجي. عادة ما يكون هذا الشك نتيجة المذاهب التي تم اشتقاقها من خلال التفكير الخطابي (النظر) على أساس المقدمات المشكوك فيها التي، كما يؤكد ابن تيمية، تتعارض بشكل لا لبس فيه مع المعرفة الضرورية التي يشهد عليها كل من المصادر المذكورة أعلاه“.[95]

في حين أن الشك المعرفي لا طائل من ورائه ولا يُؤدّي إلا إلى تفكيك تصوّرات المرء ودفعه إلى الشك اللامتناهي،[96] تسمح نظرية المعرفة القرآنية باكتساب مفاهيم ذات مغزى من خلال تآزر فطرة الإنسان مع الكليات العقلانية والتجريبية.

 ..........................................................

الهوامش

..........................................................

  • الكاتب: نذير خان
  • ترجمة: محمد فاضل بلمومن


[1] شكر وتقدير المؤلف: قدم العلماء والمفكرون التالية أسماؤهم تعليقات قيمة حول المسودات السابقة لهذا المقال: د. كارل شريف الطبقي، د. أوفامير أنجوم، د. ياسين محمد، د. طاهر وايت، د. زارا خان، د. طلال زيني، د شعيب أحمد مالك، د ياسر قاضي، د. حاتم الحاج، ش. محمد الشناوي، د. شبير أختار، د. زهير عبد الرحمن، ش. منتصر زمان وجيمي تورنر وحمزة تزورتزيس والدكتور إدوارد معاد.

[2] تشير الفترة الهيلينية عمومًا إلى 507-323 قبل الميلاد وتشير الفترة الهيلينيستية إلى 323-31 قبل الميلاد.
[3] Peter Watson, The Age of Atheists: How We Have Sought to Live Since the Death of God, 2nd ed. (New York: Simon & Schuster, 2014).تظهر العبارة في العنوان فقط، ولكن تمت مناقشة الاتجاهات في المعتقد في الصفحات 17-29. بالنسبة للأسلوب الوحشي بشكل خاص الذي حدثت فيه محاولة محو الإله من الوعي البشري أثناء “الحملة البلشفية الصليبية للإلحاد العلمي”، راجع الصفحات 200-219.
[4] من بين الفلاسفة المسيحيين، وعلى الأخص ألفين بلانتينجا، غالبًا ما يطلق على فكرة أن الدليل ليس ضروريًا نظرية المعرفة المُصلَّحة.Kelly James Clark, “Reformed Epistemology,” in The Encyclopedia of Christian Civilization, ed. George Kurian (Hoboken, NJ: Wiley-Blackwell, 2012), https://doi.org/10.1002/9780470670606.wbecc1149. اُنظر أيضًا
Alvin Plantinga, Warranted Christian Belief (New York: Oxford University Press, 2000). [5] يعرف الكلام بأنه الخطاب الذي يستخدم البراهين الفلسفية لتأسيس العقيدة الدينية والدفاع عنها. انظر عهود الدين الحاج، المواقف في علم الكلام (بيروت: علم الكتب، بدون تاريخ)، 7. كانت هناك مناقشات أكاديمية مستفيضة حول كيفية وصول هذا الخطاب إلى تسمية “الكلام”. الذي يعني حرفيا “الكلام”). اُنظر، على سبيل المثال، Harry Wolfson، The Philosophy of the Kalam (Cambridge، MA: Harvard University Press، 1976)، 63 and Alexander Treiger، “Origins of Kalam،” in The Oxford Handbook of Islamic Theology، ed. Sabine Schmidtke (Oxford: University of Oxford Press, 2016), 33. [6]يصف رودريغو أديم هذا بأنه “أطروحة [الكلام] الأكثر مركزية: يجب أن يتم تأسيس الدين، ولا سيما الإيمان بالله والأنبياء، على أساس أدلة عقلانية بحتة حتى يكون صالحًا.” Rodrigo Adem, “The Intellectual Genealogy of Ibn Taymīya” (PhD diss., University of Chicago, 2015), 62. [7] أبو حامد الغزالي، المنقذ من الحلال (بيروت: دار الكتب العلمية، 1988)، 33. يقر الغزالي بأن بعض الناس قد وجدوا يقينًا من خلال الكلام لكنه يوضح ما هو صحيح. فيما يتعلق بوضعه ووضع عديدين غيره.
[8] يوضح أنه سعى للحصول على اليقين من خلال العودة إلى أسس المعرفة -الإدراك الحسي والعقلانية- فقط ليجد أنه كان قادرًا على التشكيك في هذه أيضًا، مما أدى إلى تعرضه لشهرين كانت فيه حالته العقلية حالة متشكك جذري رغم أنه لم يلفظها أو يؤكدها عقائدياً (ودام قريباً من شهرين دام فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال). الغزالي، المنقذ، 29. تحليل مذهبه في الكشف (spiritual unveiling) خارج نطاق هذا المقال.
[9] في الواقع، نظرًا للطبيعة الشاملة والمعقدة للحجج العقلانية التي يستخدمها ابن تيمية في نقده للكلام، فقد وصف البعض خطابه بأنه” كلام” خاص به، رغم أن هذا يتجاهل الاختلافات المعرفية بينه وبين محاوريه.

[10] اُنظر على سبيل المثال: Adem, “Intellectual Genealogy,” 541 and Jon Hoover, Ibn Taymiyya’s Theodicy of Perpetual Optimism (Leiden: Brill, 2007), 20. See also Nicholas Heer, “The Priority of Reason in the Interpretation of Scripture: Ibn Taymīyyah and the Mutakallimūn,” in Literary Heritage of Classical Islam: Arabic and Islamic Studies in Honor of James A. Bellamy, ed. Mustansir Mir (in collab. with J. E. Fossum) (Princeton: Darwin Press, 1993). [11] من الدراسات الأكثر شمولاً التي تم إجراؤها حتى الآن عن الإطار المعرفي لابن تيمية Carl Sharif El-Tobgui, Ibn Taymiyya on Reason and Revelation: A Study of Darʾ taʿāruḍ al-ʿaql wa-l-naql (Leiden: Brill, 2020), 253–76 وخاصة فيما يتعلق بمفهومه للفطرة،Yasir Kazi [Qadhi], “Reconciling Reason and Revelation in the Writings of Ibn Taymiyya (d. 728/1328): An Analytical Study of Ibn Taymiyya’s Darʾ al-taʿāruḍ ” (PhD diss., Yale University, 2013), 232–92. بالإضافة إلى ذلك، تمت مناقشة أهمية أفكار ابن تيمية في المناقشات المعرفية حول الإيمان بالله في “An Islamic Account of Reformed Epistemology,” Philosophy East and West, December 13, 2019, http://dx.doi.org/10.1353/pew.0.0193 and، وسابقًا عند Wael Hallaq, “Ibn Taymiyya on the Existence of God,” Acta Orientalia 52 (1991): 66. ومع ذلك، يقدم هذا المقال فحصًا مفصلاً لنهج ابن تيمية المعرفي. إلى الإلحاد مع الإشارة إلى كتاباته عن الشك الراديكالي، والذي لم يتم القيام به حتى الآن.

[12] لمراجعة مجموعة وجهات النظر والكتابات عن الفطرة لعلماء المسلمين عبر التاريخ، اُنظر: Yasien Mohamed، Fitrah: The Islamic Concept of Human Nature (London: Ta-Ha Publishers، 1996) 35-69). [13] هذا هو العنوان الذي نُشر به العمل في الأصل؛ إلا أن محرر آخر طبعة لها عبد الرحمن بن حسن قائد، يقترح أن عمل ابن تيمية الأصغر عن المنطق اليوناني لم ينجو وأن هذا العمل غير المسمى هو عمل منفصل يشار إليه باسم الانتصار لأهل الأثر. انظر ابن تيمية، الانتصار لأهل الأثر، المطبوع باسم نقض المنطق، تحقيق عبد الرحمن بن حسن قائد (مكة: دار عالم الفوائد، 1435/2014)، 24 (مقدمة المحرر). من أجل التبسيط والوضوح، سيشار إلى هذا العمل في هذا المقال بعنوانه التقليدي نقض المنطق. تشير جميع الاستشهادات إلى الإصدار المذكور هنا.

[14] تمت الإشارة إلى الاتجاه الكتابي القديم في اللاهوت بأشكال مختلفة باسم “آثار” (صفة تشير إلى آثار، أو تصريحات مروية من علماء المسلمين الأوائل)، حنبلي (إشارة إلى علم اللاهوت الذي دافع عنه الإمام أحمد بن حنبل)، حنبل. الحديث (رفقاء الحديث أو الحديث) والسلفي (نسبة إلى السلف الصالح أو السلف الصالح في المجتمع الإسلامي الأول). يؤكد ابن تيمية في نقد المنطق على منهج السلف (213)، موضحًا أن الندرة النسبية للخلاف العقائدي بين الحنابلة تعود إلى كثرة التصريحات الواضحة للإمام أحمد في الأمور العقائدية (235). لمزيد من المناقشة حول هذه التسميات، اُنظر Adem, “Intellectual Genealogy.” Christopher Melchert, “The Piety of the Hadith Folk,” International Journal of Middle East Studies 34, no. 3 (2002): 425–39 and H. Lauzière, “The Construction of Salafiyya: Reconsidering Salafism from the Perspective of

Conceptual History,” International Journal of Middle East Studies 42, no. 3 (2010): 369–89. [15]ابن تيمية، نقض المنطق، 41-43. هذا “الجمود” يسمى تكافؤ الأدلة، وهذا يعني تكافؤ أو توازي وزن الأدلة على الجانبين. يشار إليه باسم isostheneia في اليونانية، كان مفهومًا مهمًا يستخدمه المتشككون القدامى.

[16] كتب كلايف بورست، “العقائد والتهديدات بالاعتياد على الذات أقدم بكثير من إدخال مصطلح” الانغماس “لتمييزها. المصطلح مشتق من اللاتينية solus ipse. هذا يعني حرفيًا “الذات وحدها ”، وأقل حرفيًا إما “أنا وحيد موجود” أو “أنا وحدي واع”، مما ينتج عنه، في الحالة الأولى، شكل أكثر مثالية من الانغماس يستفسر عن وجود عالم مادي مستقل، وفي الحالة الثانية، شكل مادي أكثر يسمح بالوجود (المحتمل) لعالم مادي ولكن مرة أخرى لا يعترف بوجود عقول أو مراكز وعي أخرى”. Clive Borst, “Solipsism,” in A Companion to Epistemology (Oxford: Blackwell, 1992), 747.*المصطلح مستمد من قصص الخيال العلمي التي يقوم فيها عالم مجنون بفصل دماغ شخص ما عن جسده والاحتفاظ به في وعاء يحوي سائل يحتفظ بالحياة، ومن ثم يقوم بتوصيل خلاياه العصبية عن طريق الأسلاك لحاسوب متطور من شأنه أن يزوّد الدماغ بنبضات كهربائية مطابقة لتلك التي يستقبلها الدماغ بشكل طبيعي. وفقا لتلك القصص، بإمكان الحاسوب أن يشكّل حقيقة محاكاة (بما فيها ردود فعل مناسبة لنتاج الدماغ)، وعندها فإن الإنسان الذي أزيل دماغه سيواصل بالشعور بتجارب حياتية طبيعية بلا علاقة بالأشياء والأحداث التي تتضمنها في العالم الحقيقي.[المترجم]

**وحدة الأنا كما تُعرف باسم الذاتية (أو السولبسية وفق الترجمة الحرفية، إذ أن الاسم مشتق من الكلمة اللاتينية solus بمعنى “منفرد” وipse بمعنى “ذات”) هي فكرة فلسفية تقول بأنه لا وجود لشئ غير الذات أو غير الأنا أو لا وجود حقيقي إلا لعقل الفرد وهي موقف معرفي يقول بأن المعرفة المتعلقة بأي شيء خارج عقل الإنسان غير مؤكدة، وأنه وفق هذه الرؤية المعرفية لا يمكن معرفة العالم الخارجي والعقول الأخرى، بل إنها قد لا توجد البتة خارج عقل الإنسان، وكنظرة ميتافيزيقية تجنح الذاتية إلى القول بأن العالم الخارجي والعقول الأخرى غير موجودة، وبهذا يكون هذا الموقف المعرفي بادعائه نفسه غير قابلاً للنقض كما أنه غير قابل للإثبات في نفس الوقت.[المترجم]

[17] لمناقشة أكثر تفصيلاً لآثارها اُنظر For a more detailed discussion of its implications, see Gary Ebbs, “Skepticism, Objectivity, and Brains in Vats,” in Debating Self-Knowledge, Anthony Brueckner and Gary Ebbs (Cambridge: Cambridge University Press, 2012), 28–54.

[18]Nick Bostrom, “Do We Live in a Computer Simulation?” New Scientist 192, no. 2579 (November 19, 2006), 38–39.

[19] Mike Wall, “ ‘We’re Probably Living in a Simulation,’ Elon Musk Says,” Space.com, September 7, 2018, https://www.space.com/41749-elon-musk-living-in-simulation-rogan-podcast.html. [20] ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، 10 مجلدات، الطبعة الثانية، تحرير محمد رشاد سالم (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعيد الإسلامية، 1411/1991)، 5:254.

[21] ابن تيمية، درء التعارض، 5: 255-56.

[22]Olga Oksman, “Conspiracy Craze: Why Twelve Million Americans Believe Alien Lizards Rule Us,” Guardian April 2016, https://www.theguardian.com/lifeandstyle/2016/apr/07/conspiracy-theory-paranoia-aliens-illuminati-beyonce-‌vaccines-cliven-bundy-jfk [23]

Richard Garner, “Morality: The Final Delusion?,” Philosophy Now 82 (2011): 18–20. إذا كان المرء يؤمن بنظرية الخطأ الأخلاقي، فما الذي يجب فعله حيال الخطاب الأخلاقي؟ في حين أن الخيال الأخلاقي يتبنى التظاهر بوجود قيم أخلاقية، فإن غارنر نفسه يدعو إلى الإلغاء الأخلاقي، بحجة أنه يجب علينا محاولة القضاء على خطاب الأخلاق تمامًا.

[24] في الواقع، يجادل هارتري فيلد بأن “الاستحقاق الافتراضي” لمثل هذه البديهيات هو التبرير الفلسفي الوحيد الذي يمكن تقديمه. يكتب، “يمكن مناقشة العديد من معتقداتنا وقواعدنا الاستنتاجية في الرياضيات والمنطق والمنهجية من معتقدات وقواعد أساسية، دون أي دائرية. لكن هذا ليس كذلك بالنسبة لمعظم المعتقدات والقواعد الأساسية: يجب أن نكون، بمعنى ما، مؤهلين لها بشكل افتراضي “. Hartry Field, “Recent Debates about the A Priori,” in Oxford Studies in Epistemology, ed. Tamar Szabo Gendler and John Hawthorne (Oxford: Oxford University Press, 2005), 1:81. [25] كان الشك تجاه السببية محورًا رئيسيًا للنقاش الأكاديمي المحيط بآراء ديفيد هيوم، الذي أشار إلى عدم وجود مبرر منطقي للاستدلال السببي على الرغم من ضرورته للتشغيل السليم لأذهاننا. كما يوضح جيمس هيل، “أنظمة معتقداتنا مشبعة بالاستدلال السببي وسنكون أسرى لأذهاننا إذا شككنا في جميع العلاقات السببية.” James Hill, “Hume’s Theory of Causation: Is There More Than One?” Teorie Vědy / Theory of Science 33, no. 2 (2011): 233–49. See also Graciela De Pierris, “Hume’s Pyrrhonian Skepticism and the Belief in Causal Laws,” Journal of the History of Philosophy 39, no. 3 (2001): 351–83.

[26]Ludwig Wittgenstein, حول اليقين, ed. G. E. M. Anscombe و G. H. von Wright, trans. D. Paul and G.E. M. Anscombe (Oxford: Blackwell, 1969), 115. اُنظر أيضاً Duncan Pritchard, “Faith and Reason,” Philosophy 81 (2017):101–18.يكتب بريتشارد: الأمر المثير للاهتمام بشكل خاص في هذا السياق هو أن هناك الكثير من الأدلة على أن ملاحظات فيتجنشتاين حول الالتزامات المفصلية قد تأثرت بشدة بعمل جون هنري نيومان، وعلى وجه الخصوص دفاعه عن عقلانية المعتقد الديني في مقال عن مساعدة قواعد الموافقة. في هذا العمل، يعارض نيومان مفهوم لوكيان لأساسنا للمعتقد الديني. جادل لوك في مقالته حول الفهم الإنساني بأن “العقل يجب أن يكون آخر حكم لنا ومرشدنا في كل شيء” وبناءً عليه، أكد أن المعتقدات الدينية يجب أن تعرض على محكمة العقل تمامًا مثل أي معتقدات أخرى (10).

[27] ابن تيمية، درء التعارض، 3: 133. بالإضافة إلى الإنكار الصريح لوجود الله، فإنه يناقش المفهوم الأوسع المتمثل في افتراض أن المرء لا يحتاج إلى الله (الاستغناء الإنساني).

[28] يعتقد بعض دعاة إلغاء عقوبة الإعدام الأخلاقي أنه يجب ثني الناس عن الإيمان بالقيم الأخلاقية. يكتب جويل ماركس: “أخيرًا وصلت إلى نقطة شعرت فيها أنه بعيدًا عن الحاجة لإخفاء عدم أخلاقيتي عن العالم، يجب أن أُشاركه مع العالم. ستكون هدية. على أقل تقدير، كانت مهمة -ربما أهم شيء في العالم! كما أنني رأيت الفكاهة في وضعي: لم أفهم أنني أصبحت مبشرًا غير مؤمن”.Joel Marks, Ethics Without Morals: In Defence of Amorality (New York: Routledge, 2013), 14. يعتقد دعاة إلغاء عقوبة الإعدام الأخلاقي أنه لا ينبغي فقط إلغاء تأكيد الأحكام الأخلاقية، بل أيضًا إلغاء تأكيد حقيقة نظرية الخطأ الأخلاقي والاستصواب الأخلاقي. الإلغائية. “السبب الرئيس للنهج القوي [غير الحازم لإلغاء العبودية الأخلاقي] هو الحصول على شيء مثل اللامبالاة البيرونية فيما يتعلق بالأخلاق، وتحرر علاجي من الاعتقاد في أكبر قدر ممكن من المعيارية والاهتمام به.” Jason Dockstader, “Nonassertive Moral Abolitionism,” Metaphilosophy 50, no. 4 (2019): 481–502.

[29]ابن تيمية، درء التعارض، 5: 130-1. لاحظ أنه بينما يتنكر للرأي القائل بأن كل ما هو موجود يجب أن يكون مدركًا لنا في هذا العالم، فإنه يؤكد بدلاً من ذلك الرأي القائل بأن كل ما هو موجود من حيث المبدأ يمكن إدراكه، حتى لو كان فقط في الآخرة (الموجود هو ما يمكن الإحساس به ولو في الآخرة). انظر أيضًا ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية (المدينة المنورة: مكتبة الملك فهد الوطنية، 2005)، 2: 341.

[30] في هذا السياق، كتب ليو جروارك، “يتم طرح الحجج المتشككة على أنها هجوم على الحقيقة الواقعية، معارضة فكرة أنه يمكننا تجاوز نظرتنا الذاتية من خلال القول بأن معتقداتنا مرتبطة بالضرورة بالطبيعة البشرية والإدراك، والثقافة التي نعيش فيها، والالتزامات الفلسفية، وما إلى ذلك. ويبلغ هذا المنطق ذروته في قرار تعليق الحكم على حقيقة أي ادعاء، ولكن هنا كما في أي مكان آخر، فإن القلق هو الحقيقة بالمعنى الواقعي. Leo Groarke, Greek Scepticism: Anti-Realist Trends in Ancient Thought (Montreal: McGill-Queen’s University Press, 1990), 20.

[31]Don Garrett, “ ‘A Small Tincture of Pyrrhonism’: Skepticism and Naturalism in Hume’s Science of Man,” in Pyrrhonian Skepticism, ed. Walter Sinnott-Armstrong (Oxford: Oxford University Press, 2004), 68–98.

[32]For a helpful overview,Whitley Kaufman, “New Atheism and Its Critics,” Philosophy Compass 14, no. 1 (2018).

[33] على سبيل المثال، كتب ريتشارد دوكينز، “وجود الله أو عدم وجوده هو حقيقة علمية عن الكون، يمكن اكتشافها من حيث المبدأ إن لم يكن في الممارسة. Richard Dawkins, The God Delusion,New York: Mariner Books, 2008, 72–73. كتب فيكتور ستينجر، “بحلول هذه اللحظة، تقدم العلم بما يكفي لإصدار بيان نهائي حول وجود أو عدم وجود الله”. Victor Stenger, God: The Failed Hypothesis, Amherst, NY: Prometheus Books, 2007, 11.

[34] Shoaib Ahmed Malik, “Defining Atheism and the Burden of Proof,” Philosophy 93, no. 2 (2018): 279–301.

[35] من المحتمل أن يكون هذا هو الدافع اللاوعي الأكثر شيوعًا. يعلق شعيب مالك أيضًا على دوافع أخرى أكثر تعمدًا: “علاوة على ذلك، كما بينت سابقًا، فإن عدم الإيمان بالله وإنكار وجود الله هما موقفان منفصلان (أولهما وجهة نظر محايدة). لماذا إذن يصر بعض الملحدين على دمج “نقص الإيمان” المعرفي تحت مصطلح “الإلحاد”؟ يبدو أن هناك مكسبًا مفيدًا في توسيع شبكة الإلحاد كموقف أكثر شمولًا لأنه يمكن أن يساعد في اكتساب العملة الاجتماعية والسياسية (Malik, “Defining Atheism,” 299). ويلاحظ أن أرقام التعداد لـ “الإلحاد” تتضاعف بشكل فعال بناءً على التعريفات. [

[36] ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية،:3412

[37]Walter Sinnott-Armstrong, “Introduction to Pyrrhonian Skepticism,” in Pyrrhonian Skepticism, ed. Walter Sinnott-Armstrong (Oxford: Oxford University Press, 2004), 4. [38] “ديكارت نفسه لم يكن من المتشككين الديكارتيين. كان مطهراً. ومع ذلك، هناك سبب وجيه للحديث عن “الشك الديكارتي”، حيث أوضح ديكارت وكافح ضد الموقف الذي أطلقنا عليه “الشك الديكارتي”. Duncan Pritchard and Sven Bernecker (New York: Routledge, 2011), 416.

[39] بينما اعتبر ديكارت التجربة الداخلية الذاتية غير قابلة للشك، اعتقد إيمانويل كانط أن هذه التجربة الداخلية تعتمد بالضرورة على وجود تجربة خارجية. Barry Stroud, “Kant’s ‘Transcendental Deduction’” in Kant’s Critique of Pure Reason: A Critical Guide, ed. James R. O’Shea (Cambridge: Cambridge University Press, 2017), 114–15.

[40]Jessica Wilson, “The Regress Argument against Cartesian Skepticism,” Analysis 72, no. 4 (2012): 668–73, http://dx.doi.org/10.1093/‌analys/‌ans117.

[41] Wilson, “Regress Argument,” 672.

[42] D. E. Machuca, “Ancient Skepticism: Overview,” Philosophy Compass 6, no. 4 (2011): 234–45.

[43] Groarke, Greek Scepticism, 31–32. For an overview of the subject of skepticism, see Allan Hazlett, A Critical Introduction to Skepticism (London: Bloomsbury, 2014). [44] يكتب بيت قائلاً، “Diogenes (9.62) يبلغ عن Antigonus قوله إن افتقار بيرهو للثقة في حواسه دفعه إلى تجاهل المنحدرات، والعربات القادمة والكلاب الخطرة، وأن أصدقاءه اضطروا إلى متابعته لحمايته من هذه الأشياء المختلفة والمخاطر اليومية.” Richard Bett, “Pyrrho,” in The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Winter 2018, ed. Edward N. Zalta, https://plato.stanford.edu/archives/win2018/entries/pyrrho/.

[45] M. F. Burnyeat, Can the Sceptic Live His Scepticism? Explorations in Ancient and Modern Philosophy (Cambridge: Cambridge University Press, 2012), 205–35.

[46] يكتب نومينيوس، “أصر Arcesilaus في دحض كل شيء، تمامًا مثل Pyrrhonian باستثناء الاسم.” مقتبس من كريستوفر كريج دوبوي، “تأثير بيرهو لإيليس والتطبيق البيروني للغة أبوريتيك”، (master’s thesis, Memorial University of Newfoundland, 2014), 69.

[47] وهذا ما يسمى “التفسير العقائدي” من الأكاديميين المتشككين. “المسألة الأساسية فيما يتعلق بالشك لدى Arcesilaus هي ما إذا كان ينبغي فهمها على أنها موقف فلسفي أو كممارسة ديالكتيكية بحتة بدون محتوى عقائدي.” Harald Thorsrud، “Arcesilaus: Socratic Skepticism in Plato’s Academy،” Lexicon Philosophicum: Hellenistic Theories of Knowledge، إصدار خاص (2018): 195-220.

[48] Casey Perin, “Making Sense of Arcesilaus,” in Oxford Studies in Ancient Philosophy, vol. 45, ed. Brad Inwood (Oxford: Oxford University Press, 2013), 326.

[49] Jacques Brunschwig and Geoffrey E. R. Lloyd, eds., Greek Thought: A Guide to Classical Knowledge (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2000), 938.

[50] Groarke, Greek Scepticism, 29.

[51] في هذا الصدد، كان له تأثير على Arcesilaus (المتوفي 241 قبل الميلاد)، والذي تحت توجيهه أصبحت أكاديمية أفلاطون متشككة بشكل علني في نهجها. وجه Arcesilaus وأتباعه، المعروفين باسم “المتشككين الأكاديميين” أو “المتشككين في أكاديمية أفلاطون”، جهودهم نحو دحض جميع الادعاءات التي قدمها أي من خصومهم. بحسب شيشرون (المتوفى 43 قبل الميلاد):كانArcesilaus، تلميذPolemo، أول من اشتقّ هذه النقطة الرئيسية من العديد من كتب أفلاطون ومن الخطابات السقراطية -أنه لا يوجد شيء يمكن للحواس أو العقل فهمه… يقال إنه قلل من شأن كل معيار من معايير العقل والحس، وبدأ الممارسة- على الرغم من أنها كانت سقراطية تمامًا -لا تتعلق بالإشارة إلى رأيه الخاص، ولكن بالتحدث ضد ما قاله أي شخص على أنه رأي [أي المتحدث].

De Oratore 3.67, as cited in A. A. Long, “Plato and Hellenistic Philosophy,” in A Companion to Plato, ed. H. H. Benson (Malden: Blackwell Publishing, 2006), 425.

[52] سقراط، كما رأينا في حوارات أفلاطون، يتحدى أي معرفة لا تستند إلى تعريف واضح من خلال طرح أسئلة من صيغة “ما هو س؟”

[53] Groarke, Greek Scepticism, 74n26.

[54] Robert Sharples, Stoics, Epicureans and Sceptics: An Introduction to Hellenistic Philosophy (London and New York: Psychology Press, 1996), 11–12.

[55] Georges Tamer, “The Curse of Philosophy: Ibn Taymiyya as a Philosopher in Contemporary Islamic Thought,” in Islamic Theology, Philosophy and Law: Debating Ibn Taymiyya and Ibn Qayyim al-Jawziyya, ed. Birgit Krawietz and Georges Tamer (Berlin: De Gruyter, 2013), 336. [56] التفتزاني، شرح المقاصد، بيروت، دار الكتب العلمية، 1971، 1:121

[57] ابن تيمية، درء التعارض، 1: 164

[58]كتبت باتريشيا أوجرادي، “تعريف بسيط للغاية للسفسطائيين، وواحد يخلو من دوغماتية أفلاطون وحقده، هو:السفسطائيون كانوا مستقلين، ومعظمهم من المعلمين المستقلين من غير الأثينيين الذين سافروا في جميع أنحاء اليونان القديمة من مدينة إلى مدينة يكسبون رزقهم من الطلب الجديد على التعليم. تكتب أيضًا: “لقد نشأ العداء تجاه السفسطائيين عندما تم وضع مهاراتهم في الفوز، بدلاً من اكتشاف الحقيقة… تم تطبيق المصطلح التكميلي مرة واحدة بطريقة ازدرائية، وهو استخدام يحتفظ به إلى حد كبير حتى يومنا هذا “. Patricia F. O’Grady, The Sophists: An Introduction (Bristol: Classical Press, 2008), 12, 15.

[59] W. K. C. Guthrie, A History of Greek Philosophy, vol. 3, part 1, The Sophists (Cambridge: Cambridge University Press, 1977), 33–34.

[60] Robin Waterfield, The First Philosophers: The Presocratics and Sophists, Oxford World’s Classics (New York: Oxford University Press, 2000), 211.

[61] Baldwin R. Hergenhahn, An Introduction to the History of Psychology, 6th ed. (Belmont, CA: Wadsworth, 2008), 42.

[62] Hergenhahn, Introduction to the History of Psychology.

[63] On the influence of the Sophists on Pyrrhonian skepticism, see Groarke, Greek Scepticism, 49–52.

[64] Abū Manṣūr al-Māturīdī, Kitāb al-tawḥīd, ed. Bekir Topaloğlu and Muhammed Aruçi (Beirut: Dār Ṣadr, 2010), 222–25. See also Ulrich Rudolph, Al-Māturīdī and the Development of Sunnī Theology in Samarqand, trans. Rodrigo Adem (Leiden: Brill, 2014), 151.

[65] ʿAbd al-Qāhir al-Baghdādī, al-Farq bayn al-firaq (Cairo: Maktabat Ibn Sīnā), 280.

[66] Abū al-Maʿālī al-Juwaynī, al-Burhān fī uṣūl al-fiqh (Beirut: Dār al-Kutub al-ʿIlmiyyah, 2011), 20.

[67] Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 8:38 (“aʿẓam safsaṭah min ghayrihī min anwāʿ al-safsaṭah”). See also his discussion in Darʾ, 3:133, cited earlier.

[68] Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 6:15.

[69] على الرغم من وجود بعض الملاحظات المماثلة لهذه النقطة التي توصل إليها بعد ستة قرون من ابن تيمية لودفيج فتجنشتاين، فإن ابن تيمية يوفر البديل المعرفي من خلال الفطرة والوحي. من ناحية أخرى، “نظرًا للطبيعة المراوغة لملاحظات فيتجنشتاين حول الشك، لا يزال هناك إجماع ضئيل أو معدوم على كيفية تفسيرها، أو بشكل عام، ما إذا كانت ملاحظات فيتجنشتاين وحدها يمكن أن تمثل استجابة صحيحة للشك الراديكالي”. Nicola Claudio Salvatore، “Wittgenstein: Epistemology” in The Internet Encyclopedia of Philosophy، https://www.iep.utm.edu/witt-epi/. [70] ابن تيمية، درء التعارض، 7: 403. وفي هذا الصدد، يسمي أيضًا فرعون وأتباعه بالمشككين الراديكاليين (ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية، 2: 341).

[71]Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 7:404.

[72] Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 10:241.

[73] Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 7:39–40.

[74] Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 6:11.

[75] Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 8:90.

[76] Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 7:37–38.

[77] Ibn Taymīyyah, al-Radd ʿalá al-manṭiqīyīn (Lahore: Idārat Turjumān al-Sunnah, 1976), 1:8.

[78] ابن تيمية، درء التعارض، 8:59. كما ذكر حقيقة أن الحوار باستخدام الأدلة لا طائل من ورائه مع أتباع السفسطة أو القرمطة لأن مثل هذا الشخص ينكر الحقائق الظاهرة في المجالين الطبيعي والكتابي على التوالي. اُنظر نقض المنطق، 159.

[79]Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 8:323.

[80] Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 3:288.

[81]Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 1:30–31. See also Naqḍ al-manṭiq, 332.

[82] Ibn Taymīyyah, al-Radd ʿalá al-manṭiqīyīn, 1:363–64 and 1:416–17.

[83] Ibn Taymīyyah, al-Radd ʿalá al-manṭiqīyīn, 1:363–64.

[84] Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 7:426.

[85] ابن تيمية، درء التعارض، 6:67. كما يقول ابن تيمية: “وتزداد محبة الله تعالى حسب العلم به وسلامة الفطرة. وهو يتضائل مع قلة المعرفة وتلوّث فطرة المرء بشهوات مفسدة باطلة ”(درء التعارض 7: 73).

[86] على سبيل المثال، يذكر ابن تيمية في الرد على المنطقيين أن “النفوس مضطرة بالفطرة إلى حب العدل وأنصاره، واحتقار الظلم وأنصاره، وهذا الحب الموجود في الفطرة هو المقصود به (العدل) كونه خيرًا، وهذا البغض هو المراد به (الظلم) كونه شراً ”(الرد، 1: 429). انظر أيضًا التعليق على هذا الذي قدمه Ovamir Anjum، Politics، Law، and Community in Islamic Thought: The Taymiyyan Moment, New York: Cambridge University Press، 2012, 224.

[89] Ibn Taymīyyah, Naqḍ al-manṭiq, 45.

[90] Ibn Taymīyyah, Naqḍ al-manṭiq, 202.

[91] Ibn Taymīyyah, Majmūʿ al-fatāwá (Mansoura: Dār al-Wafāʾ, 2001), 2:50.

[92] Wael Hallaq, “Ibn Taymiyya on the Existence of God,” 66 and Kazi, “Reconciling Reason and Revelation,” 312.

[93] Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 6:105.

[94] Ibn Taymīyyah, Darʾ taʿāruḍ, 7:422.

[95] El-Tobgui, Ibn Taymiyya on Reason and Revelation, 275–6.

[96] التشبيه المفيد الذي قدمه فيتجنشتاين هو ذلك الطالب الذي يقاطع المعلم باستمرار عن طريق التشكيك في وجود الأشياء والتشكيك في حقيقة كل حدث في التاريخ والتشكيك في معنى الكلمات بحيث لا يتمكن المعلم من القيام بذلك أو أن يُحرز أي تقدّم في تدريس أي شيء. هذا يشبه الشخص الذي يبحث عن شيء في الغرفة ويفتح الدرج نفسه باستمرار. “لم يتعلم البحث عن الأشياء. وبنفس الطريقة، لم يتعلم هذا التلميذ كيفية طرح الأسئلة “.

تعليقات