رئيس مجلس الإدارة

د. حسام عقل

جمال شعبان يكتب: لماذا نصوم؟

  • الثلاثاء 13 أبريل 2021

فاضل متولي يكتب: رواية اعترافات جثة.. ملاحظات (1)

  • د. شيماء عمارة
  • الجمعة 26 فبراير 2021, 6:38 مساءً
  • 515
الأديب فاضل متولي

الأديب فاضل متولي

مقدمات مهمة:

1. لأنني أبحث في الروايات عن جواهر لا تتوفر في روايات الرعب أو روايات الجريمة، تلك التي تولي اهتمامها اختبار الأعصاب والإثارة الفارغة وهذه أهداف بالنسبة لي على الأقل غير كافية لقراءة رواية. إلا أن الذي دفعني لقراءة (اعترافات جثة) هو سبب خارج عن فن الرواية وأهدافها: وهو أن اليوتيوب اقترح علي قراءة رواية اسمها طقوس الظلام، ولم أكن متأكدا من أنها رواية رعب، فالعنوان يحتمل. ولما شرعت في قراءتها طغى علي شعور بأنني استطعت أن أقرأ خلف سطورها جانبا من شخصية المؤلف، ولأنني من الذين يستهويهم الغوص في أعماق الشخصية خصوصا إذا كان ذلك الغوص بطريقة غير مباشرة، فعندما وجدت أمامي رواية اعترافات جثة لنفس المؤلف أحببت أن أتأكد من صحة ما استنبطته من قراءة طقوس الظلام، وأن أستكمل استكشاف شخصية الكاتب، فأكثر ما كان يعنيني من قراءتها هو كاتبها نفسه، ولم يكن يعنيني من كاتبها كونه كاتبا؛ فالروايتان التان قرأتهما له ترجحان عندي أنه ليس بكاتب، وسأبين لك قريبا حلا للغز الجاذبية الذي يصعب عليك فهمي واتباع رأيي. ولكن لا تنسب إليالتناقد إذا رأيتني أصف مؤلف الرواية بأنه كاتب في موضع وأنفي عنه هذا الوصف في موضع؛ فأنا أعي ذلك، ولكنني أعني بوضع الكلمة في هذا الموضع غير ما أعنيه في الموضع الذي نفيتها فيه.


2. وما لي أنا والرواية؟ وما لي ونقد الرواية؟ إن لهذا الفن قوما لامعين لهم عقول تضوع نورا لا أمسكه، وحسا لا أملكه، يحدثونك عن مقومات الرواية وتقنيتها واصطلاحاتها التي تلقوها من الفرنجة بالسَنَد وبالمعاصرة، وبقيت منها فقيرا لا أحفظ منها شيئا، ولو حفظته لما استطعت نطقه ولا أن استطاع قلمي أن يخطه! ولكنني رجل أبحث عن العقل، وأجاهد في تخليصه من الآفات التي تهم به، ولا شك في أن من هذه الآفات أن يخدرك محدثك بعقار يخضع له فكرك حتى تصدق ما لا يمكن تصديقه. ومن هذه المخدرات أن يغريك بما تهوى من المشهيات فينسى عقلك ما لا ينبغي له أن ينسى. وفي السنوات الأخيرة ظهرت مجموعة من الروايات  تبحث عن إثارة القارئ: إثارة عاطفية، إثارة غريزية، تخويف تشويق شد أعصاب. أما المغزى فلا مغزى، وأما الفكرة فلا فكرة تماما كهؤلاء المتجولين الذين يعرضون هذا اللون أو هذا من الطعام: تجذبك رائحة الطعام وتسيل لعابك، وتستمتع بطعمه ونكهته، ولكن هل في هذا الطعام غذاء؟ هل فيه فائدة؟ هذه مسألة أخرى.


3. وهذه الأعمال وإن كانت جالبة لفئة من القراء إلا أن فيها خطورة على هؤلاء القراء: فهذه المكسبات للطعم والرائحة التي تفعم بها هذه الأعمال تخدر عقول كثير من قرائها بحيث تغيب عنهم أشياء هي في الحقيقة غاية في الوضوح، وتقنعهم بأشياء هي أبعد ما تكون عن الإقناع. وتجعلهم يسلمون بأشياء هي أبعد ما يكون عن المنطق، ليس فقط منطق الصفوة من المفكرين، بل حتى منطق العادة أو قوانين الحياة.


4. والذي يدفعني إلى التكلم في هذه الرواية ليس خطورتها هي فقط، بل لعل الذي يطلع على تعليقي هذا يمسك في يده أدوات يستطيع بها الانتباه عندما يقرأ عملا غيرها: الانتباه إلى ما يمكن أن يكون فيها من الخلط الذي يختفي وراء المؤثرات العصبية التي تمتلئ بها هذه الأعمال.

5.       عودنا النقاد قديما وحديثا أن يتناولوا الأعمال الجيدة أو التي يستشعرون فيها الجودة بالدراسة والتحليل والتعليق، وأما الأعمال الرديئة التي خرجت إلى ما لا تستأهله من النور فيصمتون عنها! وأرى أن في الصمت عنها مخاطر:

       فكلنا يعلم أن أيدي النقاد لم تبلغ كل جيد من أعمال الجادين الفاهمين، وبالتالي فتركهم للعمل الرديء يوقع القارئ في حيرة بين حكمين، أو يوقعه في فخ القناعة بهذا العمل، أو يشجع كاتب عمل كهذا على التمادي مؤمنا بنفسه واثقا.

لقد نال طه حسين في كتابه (حديث الأربعاء) من بعض كتب الرافعي نيلا عاجلا مقتضبا لا يكاد يتجاوز الكلام عن الكتاب سطرا واحدا، ولكن طه حسين كان معذورا؛ فلو أنه بسط الحديث في الطعن على الرافعي وعلى كتبه لكان هذا وصمة في تاريخه حتى عند محبيه، ولوضع هذا الطعن كل نقد طه حسين عند جمهوره موضع الشك. ونحن نلحظ أن طه حسين لم يبين لنا على واحدة مقنعة لطعنه هذا المرتعد على كتب الرافعي، وهو أقل حقوق القارئ على الناقد. ولكن حتى هذا لا يفعله النقاد اليوم، فهم يغلقون على أنفسهم الأبواب وعلى مريديهم وعلى من يحبون من الكتاب أو على ما يكتبون، ثم يتركون الشباب خارج هذه البروج لمن يلعب بهم ويبيع لهم ما يهوون من البضاعة، فتتسع –مع مرور الزمن الهوة بين طائفتين من الناس: طائفة المثقفين، وهم الشعرة البيضاء، وطائفة أخرى وهم سائر الفراء، وينشأ عن ذلك إحساس بالغربة هم صنعوه بأنفسهم، ومع إحساس الغربة شعور آخر بالفوقية على هؤلاء الحمقى الذين لا يعرفون الألف من كوز الذرة! ولكم أيها النقاد في ذلك يد لا تنكر.

ولو أنك تابعت ما يصدر من الروايات في كل يوم لسألت نفسك: إذا كان كل هؤلاء يكتبون فأين الذين يقرؤون؟

وحسب علمي لم أسمع بجريدة قبل هذه التي تقرأون احتوت رؤية من نوع ما، -لا أقول نقدية حيث ليست كذلك- ولكنها –أيا كان تصنيفها رؤية لا تتناول بالنظر عملا من تلك التي توضع في صف التفوق أو التمكن أو الصعيد، ولكنه عمل يشهد عليه من ينظر فيه ويعرض نظرته على عيونكم بأنه عمل يستحق وقفة قبل الحكم على كاتبه بأنه كاتب وقبل الحكم عليه بأنه رواية بالمعنى الذي يعرفه الكاتبون والدارسون.

ولو كانت هذه الجريدة أول جريدة تسمح بذلك فإنني أرجو أن تقتدي بها غيرها في التصدي لمثل هذ المغامرات التي تستدفئ في لهيب الترقب. فنشر مثل هذه الرؤى في الصحف السيارة أو الجرائد الإلكترونية والتلفاز خير من حبسها في منتدى مؤقت أكثر من يحضره –إذا لم يكن كل من يحضره- من الذين لا حاجة بهم إلى مثل هذه التنويهات.

والناس يتمادون فيما لا يردون عنه وفيما يعجز عنه من يريد أن يردهم عنه. لا أقول إن الطعون النقدية ستصفي الساحة تماما من كل غث من القول؛ فلو قال أحد هذا لساقه قوله إلى أن يقول إن الشر سيموت ميتة الأبد ولن يبقى في العالم إلا خير يحيى فيه بغير صراع. ولكنني أجزم بأنها ستخفف من وطأة هذا السيل الذي جعل الكاتب الحقيقي هو الغريب! ولا علم لي بحجتهم في ذلك إلا أن يقولوا: هذه أعمال لا تستحق الالتفات إليها وهي أقل من أن نهريق فيها قطرة مداد.

وأقول لمن يقول هذا: إنك لن تريق المداد في تمجيد الرواية، وليس الأمر يتوقف على مجرد دراستها وبيان عوارها، ولكنك تحمي العقول الواعدة التي لا بد لها أن تشرب من معين يزكي ذكاءها لا من مستنقع يرفع أوحاله من قعره إليها فيطمس نورها ويظلمها اليوم وغدا.

إن مهمة كل ناقد –ولا يقتصر الكلام على نقاد الأدب- لا تتوقف عند إظهار مواطن القوة والضعف في كل عمل يميل به إلى الإعجاب وتترجح فيه كفة الإتقان على كفة الوهن، ولا على الأخذ بيد من يريد أن يدخل إلى ساحة هذا العلم أو ذاك، أو ذلك الفن أو هذا؛ ليبصره بأمثل السبل حسب رؤيته، ولكن بقي أمام الناقد مهمة أظنها أهم من كل ذلك: وأعني بها ملاحقة المتطفلين على العلم أو الفن، وتتبعهم في أي نقطة يبلغونها: فإما صدهم عن الساحة إذا كانوا لم يصلوا إليها، وإما طردهم منها إذا كانوا قفزوا إليها من أية نافذة، أو ركبوا إليها ظهرا مهينا.

إن دوحة النور قد قطعت، غير أن البذور لا تزال ساكنة في مكمنها تنادي من يرويها ويصد عنها من يريد انتزاعها، ولا أعلم نورا يمكن أن يروى فينبت إلا النور الذي يكمن في كل قلب.

........... يتبع

تعليقات