إيهاب شاهين يكتب: حول شبهة إنكار ابن مسعود للمعوذتين

  • أحمد عبد الله
  • الخميس 18 فبراير 2021, 11:17 مساءً
  • 75

شبهة إنكار ابن مسعود رضي الله عنه للمعوذتين


كتبه م/ إيهاب شاهين


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


فيطل علينا بين الفينة والأخرى فئة مِن الناس، وهم ثعالب يَلبسون ثياب الناصحين؛ يدعون الخوف على كتاب الله تعالى من تحريف المبطلين، وانتحال الغالين، وهم في الحقيقة هم المبطلون والغالون، وهم يرومون نقض سنة النبي صلى الله عليه وسلم كاملة من خلال الطعن في حامليها إلينا وناقليها؛ بداية من الصحابة الكرام، مرورًا بالتابعين لهم بإحسان، وانتهاءً بمَن قام على حفظها وتدوينها، أمثال الأئمة الكبار: مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، وعلى رأس هؤلاء الإمام العَلَم: البخاري رحمه الله.


والبخاري “خاصة”؛ لقوة شرطه في صحيحه، ولإجماع العلماء على أنه أصح ما كتبه بشر في دنيا الناس، ولهيبته وانتشاره بين عوام الناس؛ حتى صار عند الناس له قدسية ومنزلة ليست لغيره من أئمة الحديث وكتب الحديث، فإذا تم هدمه كان ما بعده أيسر منه من كتب السنة، ويأتي بعد ذلك الطعن في القرآن الذي يدعون أنهم ينتفضون من أجل الحفاظ عليه؛ ولذلك تجدهم بين الفينة والأخرى يبحثون عن أحاديث يوردها الإمام العلم البخاري في صحيحه، تحتاج إلى علمٍ بسند الرواية وفهم لمتنها حتى يتبين مراد الإمام من روايتها، وهذا مما يخفى على كثيرٍ ممَّن ليس لهم باع بهذا الفن، فيروجون عن البخاري كذبًا وزورًا أنه أورد في صحيحه أحاديث تطعن في القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة الكرام!


والنتيجة: إما هذه الأحاديث كذب والبخاري قد أوردها في كتابه؛ إذًا كتابه كذب، وما به يحتاج لتنقيح، ومِن ثَمَّ فلا مجال لادعاء الإجماع على أنه أصح كتاب في دنيا الناس، ومِن ثَمَّ يسهل تشويهه ونقضه، أو يدعون أن ما أورده البخاري صحيح، وهذا الحديث أو الرواية ظاهرها يطعن في صحابي فيتلقفها قوم حاقدون منهم على الصحابة، يقولون: أصح كتاب عند أهل السُّنة به طعن في فلانٍ من الصحابة؛ يرومون الطعن فيهم لإسقاط الدِّين كلية، وهؤلاء يأخذون من كتابٍ واحدٍ وهو البخاري للطعن في الدِّين أو القرآن أو السُّنة أو الصحابة!


وتناسى هؤلاء: أن الله عز وجل حفظ كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9]، والذكر يشمل: القرآن والسنة، وقد قيَّض الله عز وجل لهذا الدين أئمة جهابذة ينفون عنه تحريف المبطلين، وانتحال الغالين، ويوضحون ما أشكل من روايات من ناحية السند والمتن، ومن ناحية جمع الروايات بعضها لبعض حتى يتضح المعنى المراد.


وبعد هذه المقدمة؛ فهذا حديث في صحيح البخاري أورده الإمام في صحيحه، فتلقفته هذه الفئام؛ فمنهم مَن أخذه شبهة للطعن في القرآن، وأن القرآن ناقص ولم يكتمل!


ومنهم مَن أخذه شبهة للطعن في الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.


ومنهم مَن تلقفه وطعن به على البخاري رحمه الله.


ونحن إذ نورده هنا في هذا المقام لنبيِّن غرض البخاري من إيراده، وأنه بإيراده لهذا الحديث في صحيحه مع بيان وتوجيه العلماء للحديث يتبيَّن أنه ليس به شبهة في حقيقته، ولكن لقلة علم هؤلاء -أو إن شئت قُلتَ: تعمدهم الطعن في الدين-، لا يلتفتون إلى كلام العلماء الذي يبيِّن ويوضِّح ما أشكل على هؤلاء، وبعد الإيضاح والبيان لم يكن للقوم سبيل للطعن في مكانة القرآن أو السنة أو الصحابة الكرام أو البخاري الإمام، ولا فيما أورده؛ فتصك وجوههم، وتبقى مكانة القرآن والسنة وناقليها بلا مطعن حقيقي كما يدعون، فيرجعون خائبين خاسرين.


وهذه الشبهة التي نحن بصدد بيانها وإيضاحها: شبهة إنكار ابن مسعود رضي الله عنه المعوذتين، وتوجيه ذلك.


ولبيان ذلك نورد أولًا رواية الحديث عند الإمام البخاري وغيره، ثم نبيِّن ونوضِّح ما ادعاه القوم من شبهة فيها؛ قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، ح وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، قُلْتُ: يَا أَبَا المُنْذِرِ إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: “قِيلَ لِي: فَقُلْتُ”، قَالَ: فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ([1]).  


وقد روى الإمام أحمد رحمه الله هذا الحديث في مسنده بدون الإبهام الموجود في صحيح البخاري، قال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَكْتُبُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفِهِ، فَقَالَ: “أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَنِي: أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لَهُ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، فَقُلْتُهَا”، فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ([2]).   


هذا ملخص للقصة التي رواها البخاري وأحمد، وتلقفها القوم للطعن في القرآن، والصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وكذلك الطعن في الإمام البخاري رحمه الله وفي صحيحه!


وهاهنا عدة أسئلة متعلقة بتلك الشبهة:


أولًا: هل تقدح هذه القصة في القرآن الكريم وادعاء أنه ناقص؟! 


وقبل الإجابة على هذا السؤال، لابد من بيان الآتي:


أولًا: هل كانت المعوذتان في العَرضة الأخيرة التي عرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟


العرضة الأخيرة، كانت في رمضان ولها مَكانة خاصَّة؛ إذ إنَّها تضمنت السورَ، وترتيب الآيات فيها، وعزل المنسوخ من القراءة عن القرآن، وكذلك تضمنت الأحرف السبعة، وقد ذهب غيرُ واحد أنَّها تضمنت ترتيبَ السور، كما هو مرتب الآن في المصحف العثماني، ومن قيمة هذه العرضة أنها كانت الأساس في جَمْع المصاحف، والأساس الذي استقر إجماع الصحابة على قبول القراءة عليه.


وينبغي أن نوضِّح أمرًا مهمًّا من هذه العرضة الأخيرة، وهو: استقرارُ السور والآيات عليها وبعدها؛ بمعنى أنَّه ما نسخت هذه العرضة لا في حروفها، ولا في سورها، ولا في ترتيبها، وإن كان نزل قرآن بعدها، مثل: آية البقرة التي هي آخر ما نزل من القرآن، نزلت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببضع ليالٍ، وآية المائدة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي… ) [المائدة:3]، التي نزلت يوم عرفة يوم جمعة في حجة الوداع، ومن البديهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما استقبل رمضانَ بعد تلك الحجة، وآية الربا، وآية الكلالة، وهما نزلتا بعد حجة الوداع، وهذا القرآن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في آياته: “ضعوها في سورة كذا، بين كذا وكذا”، وعلى أساس الترتيب للآيات والسور في هذه العرضة، كان الجمعان اللَّذان قام بهما الراشدان: أبو بكر وعثمان، كما اعتمدا حروفَ القراءة فيهما عند كتابة المصحف، وصار ما سبق هذه العرضة مَنسوخًا من القرآن الكريم.


العرضة الأخيرة شرط قبول القراءة بإجماع الصحابة:


أدلة ذلك: حديثُ جمع المصحف على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ بَوَّب البخاري بابًا في كتابِ فضائل القرآن، قال: “باب جمع القرآن: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟، قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، ” فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ وَاللِّخَافِ، وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ، (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) [التوبة: 128]، حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ”([3]).


– إن لِجمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه منزلةٌ عظيمة بين المسلمين، فلم يَحصل خلاف على شيء مِمَّا فيه، وامتاز بِمزايا عديدة، منها: أنه جُمع على أدقِّ وجوه البحث والتحرِّي، وأسلم أصول التثبت العلمي، كما مرَّ بنا في منهج أبي بكر في جمع القرآن. 


– بلوغُ ما جُمِع في هذا الجمع حَدَّ التواتر؛ إذ حضره وشهد عليه ما يزيد على عدد التواتُر من الصَّحابة – رضي الله عنهم.  


– أنَّه اقتصر في جمع القرآن على ما ثبت قرآنيته من الأحرف السبعة، بثبوت عرضه في العرضة الأخيرة، فكان شاملًا لما بَقِيَ مِن الأحرف السبعة، ولم يكن فيه شيءٌ مِمَّا نُسِخَت تلاوته.   


– أنَّه كان مرتبَ الآيات دون السور، ولقد حَظِيَ هذا الجمع المبارك برضا المسلمين، وحصل عليه إجماعُ الصَّحابة رضي الله عنهم، ولقي منهم العناية الفائقة؛ فقد حفظت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر رضي الله عنه حتى وفاته، ثم انتقلت إلى عمر رضي الله عنه حتى تُوُفِّي، ثم كانت بعد ذلك عند ابنته حفصة زوج رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، فطلبها منها عثمان بن عفان رضي الله عنه فنسخ منها المصاحف إلى الأمصار، ثُمَّ أرجعها إليها، فكانت الصُّحف المجموعة في عهد أبي بكر رضي الله عنه هي الأساس لنسخ المصاحف في زَمن عثمان رضي الله عنه، وهذا مِمَّا يدلُّ على مكانة هذا الجمع عند الصحابة رضي الله عنهم؛ وعلى هذا فقد ثبت إدراجُ المعوذتين في مصحف أبي بكر، وحصل لهما الإجماع بالقَبول والتلقي، كما حصل لسائر المصحف، فلا مجال لطعن طاعن في القرآن بعد حصول هذا الإجماع.  


ثانيًا: هل تقدح هذه القصة في ابن مسعود رضي الله عنه؟ 


لقد كان ابن مسعود رضي الله عنه أحد أئمة القراءة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأول مَن جهر بالقرآن في مكة، وأحد الأربعة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنهم؛ فعن عبد الله بن عمرو أنه ذكر عبد الله بن مسعود، فقال: لا أزال أحبه؛ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ”([4]).


ثبوت القول بعدم قرآنية المعوذتين عن ابن مسعود رضي الله عنه وتوجيه ذلك: 


قال ابن كثير رحمه الله: “وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء: أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه؛ فلعله لم يسمعهما من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتواتر عنده، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة، رضي الله عنهم كتبوهما في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك”([5]).


وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: “كَانَ يَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ بِهِمَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ -يعني ابن مسعود- يَقْرَؤُهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُمَا عُوذَتَانِ، وَأَصَرَّ عَلَى ظَنِّهِ”([6]).


إذًا هذا رأي ابن مسعود وهو ثابت عنه أنه كان ينكر المعوذتين من كتاب الله عز وجل. 


قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “قَالَ الْبَزَّار: وَلَمْ يُتَابِع اِبْن مَسْعُود عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَة. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَرَأَهُمَا فِي الصَّلَاة… وَقَدْ تَأَوَّلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْبَاقِلَّانِيّ فِي كِتَاب الِانْتِصَار وَتَبِعَهُ عِيَاض وَغَيْره مَا حُكِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود، فَقَالَ: لَمْ يُنْكِر اِبْن مَسْعُود كَوْنهمَا مِنْ الْقُرْآن، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ إِثْبَاتهمَا فِي الْمُصْحَف، فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ لَا يَكْتُب فِي الْمُصْحَف شَيْئًا إِلَّا إِنْ كَانَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَذِنَ فِي كِتَابَته فِيهِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ الْإِذْن فِي ذَلِكَ، قَالَ: فَهَذَا تَأْوِيل مِنْهُ وَلَيْسَ جَحْدًا لِكَوْنِهِمَا قُرْآنًا”([7]).


ثبوت تراجع ابن مسعود رضي الله عنه لإثبات المعوذتين بالقرآن بأدلةٍ، منها:


أولًا: الروايات المسندة المتواترة التي يقرأها آلاف الناس في شتى أنحاء العالم، وينتهي سندها إلى ابن مسعود رضي الله عنه تشتمل كلها على المعوذتين؛ فهي دليل على أنه كان يعلمها للناس ويحفظهم إياها مع القرآن الكريم، وكذلك فإن كثيرًا مِن طرق قراءات القرآن الكريم يتصل سندها بعبد الله بن مسعود رضي الله عنه بالتواتر، ولم نجد طريقًا مِن هذه الطرق بدون المعوذتين؛ فطريق أبي عمرو البصري، وعاصم بن أبي النجود، وحمزة الزيات، والكسائي، وغيرهم كثير، كلها عن عبد الله بن مسعود، وفيها المعوذتين. 


ثانيًا: ما رواه الطبراني في المعجم الكبير قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ، ثنا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا الْمَسْعُودِيُّ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ: رَأَى فِي عُنُقِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ سَيْرًا فِيهِ تمائمُ فَمَدَّهُ مَدًّا شَدِيدًا حَتَّى قَطَعَ السَّيْرَ، وَقَالَ: إِنَّ آلَ عَبْدِ اللهِ لَأَغْنِيَاءُ عَنِ الشِّرْكِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ التُّوَلَةَ، وَالتَّمَائِمَ، وَالرُّقَى لَشِرْكٌ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: إِنَّ أَحَدَنَا لَيَشْتَكِي رَأْسُهَا فَيَسْتَرْقِي فَإِذَا اسْتَرْقَتْ ظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ نَفَعَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَخُشُّ فِي رَأْسِهَا فَإِذَا اسْتَرْقَتْ خَنَسَ فَإِذَا لَمْ تَسْتَرْقِ نَخَسَ، فَلَوْ أَنَّ إِحْدَاكُنَّ تَدْعُو بِمَاءٍ فَتَنْضَحُهُ فِي رَأْسِهَا وَوَجْهِهَا، ثُمَّ تَقُولُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ تَقْرَأُ: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) [الصمد:1]، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) [الفلق:1]، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) [الناس:1]، نَفَعَهَا ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ”([8]).


وهذا الحديث صريح جدًّا في اعتبار قرآنيتهما، فهو رضي الله عنه سبقهما بالبسملة ثم جمعهما مع سورة الإخلاص، وقال: (تَقْرَأُ) وهذه تستعمل للقرآن، ولو أراد أنهما دعاء لقال: تدعو؛ فلو كان الأمر في اعتقاد ابن مسعود رضي الله عنه أن المعوذتين زيادة على القرآن لما سكت، بل للهج بالتنبيه مرات ومرات، وهو لم ينبِّه هنا، بل أجمل بما يفهم منه اعتباره قرآنيتهما.


وعلى ذلك فلا سبيل للقدح في الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ولعل هذا الجواب هو الذي تستريح إليه النفس؛ لأن قراءة عاصم عن ابن مسعود ثبت فيها المعوذتان والفاتحة، وهي صحيحة ونقلها عن ابن مسعود صحيح، وكذلك إنكار ابن مسعود للمعوذتين جاء من طريق صحيح.


إذًا فليحمل هذا الإنكار على أولى حالات ابن مسعود جمعًا بين الروايتين، وبذلك فلا سبيل لكارهي الصحب الكرام في اللمز أو القدح في الصحابي الجليل عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه.  


ثالثًا: هل تقدح هذه القصة في الإمام البخاري رحمه الله أن رواها في صحيحه؟ 


أولًا: إن البخاري رحمه الله لم يتفرد برواية هذا الأثر، فقد رواه غيره من الأئمة، بل إن البخاري عندما روى هذا الحديث أبهم قول ابن مسعود؛ استعظامًا له، ولم يصرِّح به لعلمه ببطلانه، ومخالفته إجماع الأمة، فالبخاري رحمه الله لم يتفرد برواية هذا الأثر الموقوف على ابن مسعود، وعندما احتاج إلى روايته في صحيحه في أثناء حديث، ذكر قول ابن مسعود مبهمًا؛ لأنه يريد الاستدلال برواية أبي بن كعب رضي الله عنه لا برأي ابن مسعود، ولكن جاء قول ابن مسعود رضي الله عنه عَرَضًا في الإسناد.


ثانيًا: لابد من التفريق بين صحة الرواية وصحة المروي، وأن حكاية الرواية لا يعني إقرارها، وعلى سبيل المثال: عندما ذكر الله سبحانه وتعالى عن الكافرين: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ من جهة صحة نسبة الكلام إليهم، لا شك في صحة ذلك، لكن هل كلامهم حق؟


الجواب: لا، ليس كلامًا حقًّا؛ فلابد أن نفرِّق بين صحة الرواية وبين صدق القول،  إن الإمام البخاري رحمه الله، ذكر كلام ابن مسعود في سياق الحكاية وليس على سبيل الاحتجاج، وهذه مسألة مهمة جدًّا، ولو كان البخاري يتبنى قول ابن مسعود لما قال: باب سورة الناس، ولو كان يشكك في كتاب الله، لم يكن ترجم بكلمة: (باب سورة)، ولم يكن يأتي بكلام أُبي بن كعب رضي الله عنه، وفيه رد قول ابن مسعود رضي الله عنه، وبذلك فلا مجال للشيعة وأذنابهم للطعن على الإمام البخاري رحمه الله أنه بإيراده ذلك الحديث يقر عدم قرآنية المعوذتين، أو يشكك في كتاب الله. 


الخلاصة:


كل ما سبق يدل على أن المعوذتين سورتان مِن القرآن، قرأ بهما النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعها الصحابة، وأجمعو على قرآنيتهما، ورووا فضل السورتين وسبب نزولهما، وأجمعوا على إثباتهما في المصاحف، ولم ينكر أحدٌ إلا ابن مسعود رضي الله عنه؛ فلعله لم يسمعهما من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتواترا عنده، وقد رد عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بن كعب رضي الله عنه، حتى تبيَّن لابن مسعود رضي الله عنه صحة ما ذهب إليه الجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فتراجع عن كلامه، وتواترت قراءة المعوذتين عنه كما نُقل في أسانيد القراءات العشر.


وإيراد البخاري للحديث لم يكن على سبيل الاحتجاج، بل على سبيل الحكاية دون اعتقاد صحتها؛ فلا مجال لطاعنٍ أو متشككٍ.


والحمد لله رب العالمين.


([1]) رواه البخاري (4977).


([2]) رواه أحمد (21186) بسندٍ حسنٍ.


([3]) رواه البخاري (4986).


([4]) رواه البخاري (4999)، ومسلم (2464).


([5]) تفسير ابن كثير (8/ 500).


([6]) رواه أحمد (21189) بسندٍ صحيحٍ.


([7]) فتح الباري لابن حجر (8/ 743).   


([8]) رواه الطبراني في المعجم الكبير (8863)

تعليقات