نهال القويسني: كتابات عمرو زين تتميز ببساطة اللغة وعمق الفكرة

  • أحمد عبد الله
  • السبت 30 يناير 2021, 00:43 صباحا
  • 558

إعداد - الكاتبة عزة عز الدين



تتميز كتابات الأستاذ عمرو زين بصورة عامة بالبساطة في اللقطة واللغة، مع العمق الشديد في الفكرة، فأنا لم أقرأ له قطعة واحدة، نثرا أو شعرا، إلا وكانت بسيطة وعادية في مظهرها، لكنها تحمل رسائل فلسفية وفكرية، ومعاني إنسانية وأغوارا عميقة. فجميع أعماله التي اتيح لي الاطلاع عليها كانت تتميز بهذه الخاصية، وهي تدعوك للتأمل والتفكر بعد قراءتها. ولن تمر عليك ببساطة علي انها حكاية عادية أو رصد لمشاعر متدفقة إذا كانت قطعة شعرية.

واعتقد ان تقييمي المتواضع لكتابات الأستاذ عمرو يتجلى بوضوح في قصته القصيرة "غية". فمن اول هذا العنوان الذي يعبر، في رايي،  عن معنى الحياة في مجمله، واحساس الانسان بوجوده من خلال شغفه بشيئ يدخل البهجة على قلبه ويشعره انه حي يتفاعل..وان لوجوده معنى وقيمة. وللإسم في حد ذاته دلالة نفسية عميقة، لأن الأشخاص الذين لديهم هذه الهواية عادة ما تأخذ لديهم حيزا يتخطى الاهتمام إلي الشغف.

فأنت حين تقرأ القصة تجد أحداثا بسيطة عادية، من المحتمل أن تحدث لأي منا. أم تعشق، ولا أقول تهوى، تربية الحمام والزغاليل، وتقضي وقتا طويلا في رعايتها وترتيب شؤونها والعناية بصغارها في تلك العشة المخصصة لهم فوق سطح المنزل، والتي اصطلح على تسميتها بالغية. 

والابن، الذي سافر سعيا وراء سعة في الرزق ومزيد من المال، لم ينفصل عن تلك الاحاسيس والمعايشة بحكم وجوده الجسدي بعيدا عنها، بل تخطى ذلك إلى الإنفصال الروحي والنفسي عن المكان وثقافته ومشاعر من يحبهم (امه) فيشترط عليها، في رسالة جامدة عبر اخته، ان تتخلص من تلك الحمامات الوديعات بالذبح، وإلا فإنه لن يحضر. انه يخاف من انفلونزا الطيور وما أشيع عنها في ذلك الوقت من خلال الآلة الإعلامية الجبارة التي خلقت ذعرا بشريا حشدت له ما شاءت من جهود ودول ومنظمات وشركات، وسوقت خلال ذلك ما تشاء من لقاحات وأدوية. وما أشبه الليلة بالبارحة. 

وتنصاع المسكينة لرغبة ابنها، شوقا إلى رؤيته، فتذبح الحمام. ويجلس هو على المائدة أمامها، في مشهد غاية في البلاغة وقمة تداخل المشاعر الإنسانية وتضارب الرؤي، (لتفسخ) له الطيور وتضعها أمامه ليأكلها في تبلد تام. 

حين نشب عن الطوق ونكبر لنصل لمرحلة النضج، ننظر إلى والدينا نظرة تنم عن احساسنا بانهم قد تقدموا في العمر وأصبحوا يتمسكون بأشياء غريبة، لأنهم أصبحوا خارج دائرة الزمن، أو هكذا نظن.

وذبح الحمام في القصة يستدعي إلي النفس مشاعر قتل البراءة والسكينة، وإحساس السلام الداخلي الذي يحصل عليها الإنسان حين يتصالح مع ذاته ومع الحياة.

وبعد ذبح الحمام ووفاة الأم يدرك بطل قصتنا، من خلال نفس الآلة الإعلامية الجهنمية، ان هذا النوع من الطيور بالذات لا ينقل الفيروس. فيذهب لترتيب الأقفاص وإعادة تنظيف الغية، الخاوية على عرشها، ويضع صورة والدته الراحلة في كل قفص.

أليس هذا حالنا؟ لا ندرك قيمة ما أضعناه في استهانة الا بعد أن يضيع..ولا نهتم الا بما نريده نحن..ولا نكترث بمشاعر الآخرين وآلامهم في أنانية مطلقة، اورثتنا اياها قيم الحداثة النفعية والمادية والمصلحة الشخصية..ثم نعض انامل الندم حسرة على مافاتنا من بر ومودة ومشاعر دافئة لم نبذلها ولم نعبر عنها لمن نحب. 

في زحمة الحياة والسعي وراء الرزق ليس من المفروض أن ننجرف، فنفقد إنسانيتنا ونضيع بشريتنا من أجل مال أو مصلحة..وإلا لن بتبقي منا شيئ. 

مرة اخرى، قصة قصيرة بسيطة لكنها محملة بالمعاني العميقة والمشاعر الإنسانية الراقية. وهي النموذج الإبداعي الذي يميز قلم الأستاذ عمرو زين.


----


للاطلاع على "غيـة" للكاتب عمرو زين:

غيّة


 وقف أمام أطلال برج الحمام فوق سطح الدار العتيقة.. تراءت أمام عينيه مشاهد أمه ساعة المغربية وهي تضع صغار الحمام في حجرها وتزغطها بيدها ثم تعيدها إلى أعشاشها وتغلق عليها باب الغيّة لتنعم بالدفء.

   - يا مي أخبريها بأن تذبح الحمام!

   - سأفعل. 

   - وإلا لن أنزل!

أنهى المكالمة مع أخته الصغرى.."انفلونزا الطيور..ستقضي عليها..البشرية كلها  في خطر.. الفيروس ينتقل عبر الهواء ولا علاج له." 

** 

جلس جوار أمه إلى مائدة الطعام..لاحظ ومضات الحزن تغرغر في عينيها..لم يحتمل نظراتها وأطرق برأسه..تهادى إلى نبضه صوتها الكامن.. "ذبحتهن حتى لا يطول غيابك."

 ظلتْ تفسّخ الحمام قطعا وتضعها أمامي..ثم صعدتْ إلى السطح..تبعتُها كما كنت أفعل في صغري..رأيتُها من مكاني أعلى الدرج تجلس ساهمة إلى جوار غيّة الحمام الخاوية .. تتناول حبات الذرة بين أصابعها وتدفع بها في الهواء.. كأنها تزغط الصغار في حجرها.. تسقط الحبات في براح جلبابها فتعاود التقاطها..ثم قامت تحملها بين كفيها.. دخلتْ الغيّة ونثرتها على أرضيتها وهي تصدر ترنيمات حزينة نابعة من صدرها..همّت بالمغادرة.. فوجئت بي واقفًا والباب.. ضممتها إلى صدري.. "سامحيني!لم أكن أعرف."

 ** 

هوى على سور السطح بالجريدة التي نشرت الخبر بعد سنوات من رحيل أمه.."الحمام يحمل مناعة طبيعية ضد انفلونزا الطيور."

 برزت من تحت الركام أسطرُ المانشيت الجديد تعلنها في تحدي..

" وباء غامض يجتاح العالم." 

تملتكه نوبة ضحك هستيرية.. أعاد بناء الغيّة..ثم علّق الأقفاص في مواضعها ودس داخل كل منها صورة أمه.. وكلماتها ترفرف من حوله.. 

" الحمام أصله يا ابني يحب الولفة!" 

** 

وقف أمام الغيّة قبل سفره الأخير..يسترجع المشهد وهو يتسلل تحت جناح أمه..وصغار الحمام يفردون أجنحتهم ويحركونها في الهواء.. تحت عينيها..مسح دمعة سالت فوق خده.."سامحيني!ليتني كنت أعرف!"

 أدار ظهره ليهبط الدرج..توقف لسماع صوت يصدر من قلب الغيّة..أغمض عينيه وأطلق هديلاً منتظمًا.


تعليقات