"الاختطاف".. ظاهرة مقلقة تخدم أجندة الإرهاب في إفريقيا

  • أحمد حماد
  • السبت 23 يناير 2021, 4:28 مساءً
  • 66
الاختطاف

الاختطاف

تحتل عمليات الاختطاف أولوية لدى الجماعات المتطرفة، وهي متأصلة في أيدلوجياتها، من أجل الوصول إلى مآربها وتحقيق أهدافها.

وقد أصبحت عمليات الاختطاف إستراتيجية خطيرة لجأت إليها معظم الجماعات والتنظيمات الإرهابية في إفريقيا؛ مثل "بوكو حرام"، و"داعش غرب إفريقيا"، و"الشباب" الصومالية، و"تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي"، و"أنتي بالاكا" المسيحية، كي تستخدمها في أغراض خبيثة، منها الحصول على المال؛ كونه يمثل العصب الرئيس لاستمرارها وديمومتها، ومهاجمة مصالح الدول الغربية الحليفة مع الحكومات التي تحارب هذه الجماعات، عن طريق اختطاف الأجانب واتخاذهم رهائنَ، وابتزاز حكوماتهم. فهي تجارة رابحة بالنسبة لها، ومصدر دخل مهم لتمويل عملياتها الإرهابية، وربما ورقة ضغط للحصول على تنازلات سياسية، أو أداةً للبروبوجاندا الإعلامية.


والحاصل أنها ظاهرة أضحت تدقُّ ناقوس الخطر، وتهدّد بتفاقمها في حالة عدم التصدّي لها بطرق جذرية، مما يجعل القارة الإفريقية تستحوذ على لقب "قارة الاختطافات" وانتزاعه من قارة آسيا.


ولم تقتصر ظاهرة الاختطاف على الجماعات الإرهابية التي تنسب نفسها - زورًا وبهتانًا - إلى الإسلام فقط؛ بل انتهجتها كذلك بعض الجماعات الإرهابية التي تتستر بعباءة الدِّين المسيحي، مثل جماعة "أنتي بالاكا" في إفريقيا الوسطى، فقد اختطفت قبل ذلك قسًّا من إفريقيا الوسطى، وناشطةً فرنسية في مجال حقوق الإنسان. وكانت هناك محاولات للإفراج عن الرهينتين مقابل دفع فدية. غير أنّه، وعقب يوم واحد من إطلاق سراح الرهينتين، اختطفت "أنتي بالاكا" أحد الوزراء في حكومة البلاد، لتترجم توسّع ظاهرة الاختطافات، والتي أضحت بدورها تمهّد وتؤسّس لتجارة مزدهرة ومربحة، من شمالي "كيفو" في جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى شمالي مالي، مرورًا بنيجيريا ومنطقة أقصى الشمال الكاميروني.


 


عمليات الاختطاف واحتجاز الرهائن من قبل الجماعات الإرهابية بالأرقام


وتتعدد الدوافع التي تجعل الجماعات الإرهابية في إفريقيا تسعى جاهدةً لشنِّ مزيدٍ من عمليات الاختطاف واحتجاز الرهائن، من بينها التمويل، وهو الدافع الرئيس، ولذلك اعتمدت التنظيمات الإرهابية والخلايا النائمة التابعة لها في إفريقيا على اختطاف السياح الغربيين والجنود؛ للمطالبة بدفع فدية للإفراج عنهم، وقُدِّرت عائدات اختطاف الرهائن بـ 50 مليون دولار عام 2020. وحسب شركة الاستخبارات الأمريكية الخاصة "ستراتفور"، يتم دفع حوالي 100 مليون دولار لجماعات مثل "بوكو حرام" في نيجيريا، و"تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي" في مالي، و"الشباب" في الصومال، وهو ما يسمح لهم بشراء الأسلحة، كما تُقَدِّر وزارة الخزانة الأمريكيّة إيرادات جماعة "بوكو حرام" بـ 10 ملايين دولار سنويًّا، وتأتي معظم هذه الإيرادات من أعمال خطف أجانب ومواطنين محليين أثرياء، واحتجازهم حتى يتمَّ دفع الفديَّة المطلوبة، ثمّ إطلاق سراحهم بعد ذلك. ومن أبرز الأمثلة على اختطاف الأثرياء قيام "بوكو حرام" باختطاف رجل أعمال نيجيري، وإطلاق سراحه بعد دفع فديَّة مقدارها مليون دولار.


ومن الدوافع أيضًا استخدام المخطوفين في المقايضة مع الحكومة؛ لإطلاق سراحهم مقابل مبالغ مالية ضخمة، أو إجراء عملية تبادل مع المقبوض عليهم من عناصرها الإرهابيين. وفي ذلك أعلن وزير العدل المالي "محمد علي باتيلي"، الإفراج عن 4 سجناء مقابل تحرير المواطن الفرنسي "سيرج لازارفيك"، والذي أُطلق سراحه بعد 3 سنوات في الأسر في أيدي "تنظيم القاعدة" المتمركز شمالي البلاد.


كما تتجه الجماعات الإرهابية في إفريقيا إلى أسلوب الاختطاف من أجل تجنيد عناصر جدد لتعويض نقص المقاتلين في صفوفها، ومن ثمَّ الاعتماد عليهم في عملياتها الانتحارية. وتأتي نيجيريا على رأس قائمة الدول الأكثر خطرًا جرَّاء هذه الظاهرة، تليها في ذلك مالي، والنيجر، وكينيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وتعتمد جماعة "بوكو حرام" في نيجيريا على المختطفات، وتوظيفهن في عملياتٍ تفجيرية موجهة ضد أهداف ‏عامة. ‏وفي هذا الصدد قالت منظمة العفو الدولية: إن ما لا يقل عن 2000 امرأة وفتاةٍ اختطفتهن جماعة "بوكو حرام" في نيجيريا منذ بداية 2014، ‏وأخريات غيرهن قد أُجبرن على التدريب على القتال وكيفية تنفيذ العمليات الإنتحارية.


وليست نيجيريا فقط هي من تئِن من عمليات خطف جماعة "بوكو حرام"، ولكن منطقة بحيرة تشاد تعاني من نفس الأزمة، حيث تشير الإحصاءات إلى أن جماعة "بوكو حرام" الإرهابية قامت حتى الآن بحوالي 58 عملية اختطاف جماعي، على مدى الأعوام الخمسة الماضية، معتمدة في ذلك على العصابات المحلية، وجماعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، مثل الجماعات النشطة في جرائم الاتجار بالبشر، حيث أفادت مصادر أمنية أن جماعة "بوكو حرام" تجند 3 عصابات محلية لاختطاف التلاميذ في شمال غرب نيجيريا، في منطقة بعيدة عن معقل هذه الجماعة المتطرفة.


ويمكن القول: إن التداخل بين الجريمة المنظمة والإرهاب في إفريقيا أصبح قويًّا للغاية، فبعد أن كانت ممارسة الإجرام هدفًا رئيسًا لتمويل الإرهاب، تغير الوضع الآن وأصبح الإرهاب غطاءً لممارسة الجريمة من أجل ‏جني المال؛ لذلك ترى أن جماعة "بوكو حرام" الإرهابية تجد في عمليات الاختطاف مصدرًا وتجارة مربحة لتمويل عملياتها الإرهابية، لاسيَّما في ظل سياسة تجفيف منابع تمويل الإرهاب. لذلك باتت عمليات الاختطاف أسلوب حياة لــ"بوكو ‏حرام" وسلاحًا خطيرًا زادت وتيرته خلال الآونة الأخيرة، وجعلت التنظيم المتشدد يتمادى، ويتجه نحو مزيد من الراديكالية والتطرف.


ومن أخطر عمليات الاختطاف التي قامت بها "بوكو حرام" وساهمت في تشكيل الصورة الدموية عن الجماعة، ما يلي:


واقعة اختطاف طالبات "تشيبوك" الشهيرة

في أبريل 2014، قامت جماعة "بوكو حرام" الإرهابية باختطاف 276 طالبة من مدرسة ثانوية حكومية في بلدة "تشيبوك" بولاية "برنو" شمال نيجيريا. وأشارت تقارير صحفية إلى أن "بوكو حرام" كانت تأمل في استخدام الفتيات رهائنَ للتفاوض في مقابل إطلاق سراح بعض عناصرها المعتقلين. وفي مايو من العام نفسه ظهر "أبو بكر شيكاو" قائد الجماعة الإرهابية في مقطع فيديو يعرض فيه إعادة التلميذات المختطفات في مقابل الإفراج عن عناصر الحركة المسجونين لدى الحكومة النيجيرية.


وبعد 4 أعوام، في فبراير 2018، تكرر السيناريو في إحدى مدارس شمال شرقي نيجيريا، حيث اختطفت جماعة "بوكو حرام" 111 تلميذة عقب هجوم شنَّته على مدرستهن في قرية "دابتشي" بولاية "يوبي". وفي سبتمبر 2019، اختطف مسلحون 3 فتيات من مدرسة في "لاغوس" العاصمة التجارية للبلاد، قبل إنقاذهن بعد أسبوع.


من اختطاف طالبات "تشيبوك" إلى اختطاف طلاب "كانكارا" بولاية «كاتسينا»

بينما لا يزال العالم يتطلَّع إلى معرفة مصير بقية فتيات "تشيبوك" المختطفات من قبل جماعة "بوكو حرام" الإرهابية، فجعت نيجيريا من جديد باختطاف حوالي 400 طالبًا، من قبل مسلحين هاجموا مدرسة ثانوية في ولاية "كاتسينا" بشمال البلاد، وذلك في عملية يبدو أن هدفها الخطف للحصول على فدية.


واقعة الاختطاف هذه أعادت الذاكرة إلى سنة 2014، عندما هزَّ العالمَ خبرُ اختطافِ "بوكو حرام" الإرهابية 276 تلميذةً في "تشيبوك"، وهي السنة التي أعطت التنظيم المتشدد الصدارة في ترتيب الجماعات المتشددة الأكثر إرهابًا ودموية؛ إذ صنف مرصد الأزهر "بوكو حرام" في 2014؛ السنة التي شهدت اختطاف فتيات "تشيبوك"، بأنها "الجماعة الإرهابية الأكثر دموية في العالم"، وأصدر كتابه المعنون: "لماذا تتصدر "بوكو حرام" الجماعات الأكثر دموية في العالم؟!"


ويبدو أن "بوكو حرام" تحاول تغيير إستراتيجيتها من حين لآخر، وتستبدل خطف الفتيات بخطف الطلاب، ما يطرح عدة تساؤلات حول سياسات التنظيمات المتشددة التي تعتمد في مصادر تمويلها على عمليات الخطف والفدية، أو ما يعرف بــ"التجارة القاتلة".


ماذا بعد الاختطاف؟

تقوم جماعة "بوكو حرام" الإرهابية عادةً باصطحاب المختطفين إلى معسكراتها الكائنة في التجمعات النائية، أو مخيمات عبور مؤقتة، كتلك الموجودة في سجن "نغوشي"، ومن تلك المخيمات المؤقتة تقوم "بوكو حرام" بنقل المختطفات إلى منازل في البلدات والقرى، ويجبروهن على تلقي تعاليم وتفسير "بوكو حرام" المتشدد للإسلام؛ بغيةَ إعدادهنَّ للزواج من مقاتلي الجماعة، ويُدربونهنَّ على كيفية القتال واستخدام القنابل.


 وتروي إحدى المختطفات وتُدعى "عائشة" قصتَها بعد اختطافها، وقالت: استمر التدريب مدة 3 أسابيع عقب وصولنا، ثم بدأوا إرسال البعض منا للمشاركة في عمليات إرهابية، وشاركتُ في إحدى الهجمات التي استهدفت قريتي. وقالت عائشة: إنه خلال مدة أسْرها التي امتدت 3 أشهر، تكرر تعرضها للاعتداء.


انتحاريات تحت الطلب

منذ اختطافها لفتيات "تشيبوك" عام 2014، اعتمدت جماعة "بوكو حرام" في تنفيذ معظم عملياتها الانتحارية على العنصر النسائي بشكلٍ كبير، وجعلِهن واجهةً أمامية للإرهاب. فكان أول تفجير نسوي تبنَّته الجماعة الإرهابية في يونيو 2014 قامت به فتاة. وبعده تزايدت تفجيرات العناصر النسائية في شمال البلاد بشكلٍ كبيرٍ، مستهدفةً الأسواق والمدارس والثكنات العسكرية، وذلك بسبب عنصر المفاجأة والصدمة اللذين يُحدثُهما أي تفجيرٍ انتحاري نسوي ناجح. كما أن النساء غالبًا ما يتمكنَّ من الإفلات من القبضة الأمنية أكثر من الرجال؛ لأنهنَّ الأبعد عن الشبهات اجتماعيًّا، ولا يسمح بتفتيش امرأة في نيجيريا.


وهناك ميزة أخرى لتوظيف الانتحاريات، وهي إمكانية إخفاء المواد المتفجرة تحت ملابسهن، أو في حقائبهن أو عبر أطفالهن المحمولين على ظهورهن، ما يشير إلى وجود ثغرة أمنية، وهو ما تلعب عليه "بوكو حرام" لإنجاح عملياتها الإرهابية.


وبعد ظهور تنظيم "داعش" في غرب إفريقيا إثر انشقاقه عن "بوكو حرام"، تضاعف الهجوم على ‏المدنيين وخصوصًا النساء، واعتمد التنظيم المتطرف في إستراتيجيته على المرأة أيضًا، لأسباب عدة منها: التمويه وتعويض نقص ‏المقاتلين، إلا أن "بوكو حرام" تفوَّقت على تنظيم "داعش" الإرهابي، في ما يتعلق باختطاف الفتيات والنساء، أو بالاعتماد ‏عليهن فى عملياتها الانتحارية.‏ وفي هذا الوضع المأساوي تعيش نساء نيجيريا في حلقةٍ تمثِّل سلسلة العنف ضد ‏المرأة تمارسها جماعات إرهابية تتستر بعباءة الدِّين، وهو منهم براء.


ويؤكد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أن عمليات الاختطاف التي تقوم بها الجماعات الإرهابية، من أجل الحصول على الفدية وأخذ الرهائن يعدُّ جريمة نكراء لا تقرها الأديان السماوية، والأعراف والمواثيق والمعاهدات الدولية، مشيرًا إلى أن عام 2020 يعد هو العام الأكثر دموية في تاريخ جماعة "بوكو حرام"، حيث استمرت في تنفيذ العشرات من العمليات الإرهابية التي تنوعت بين القتل والذبح والاختطاف، دون تفرقة بين مدنيين وعسكريين، مستغلة أزمة "كورونا" التي يعاني منها العالم أجمع.

تعليقات