رئيس مجلس الإدارة

د. حسام عقل

إنجي الحسيني تكتب: غادة صلاح الدين ومجموعتها القصصية «العازف»

  • سعيد صادق
  • الجمعة 16 أكتوبر 2020, 10:05 مساءا
  • 116

الكاتبتان إنجي الحسيني وغادة صلاح الدين

من منا لم تجذبه الموسيقى ليهيم حالما أو شاردا مستلقيا بين ذكريات الماضي أو هموم الحاضر وأمنيات الغد، هكذا بدأت الكاتبة "غادة صلاح الدين" مجموعتها القصصية العازف والمكونة من سبعة عشر قصة قصيرة والصادرة عن دار نشر أفاتار للطباعة والنشر.

لم يكن "العازف" مجرد مار يعزف أجمل الألحان تحت شرفة "سلمى"، ولكنه شحن الجو بالفرح والأشحان من خلال موسيقاه لترتمي البطلة في أحضان الذكريات لبرهة وتنتزع ابتسامة مشرقة لم يشاركها فيها العازف المحمل بالهموم والذي يفضحه مظهره الحزين المنكسرفصناع الفرح قد تغيب عنهم السعادة في الكثير من الأحيان.

وبأسلوب سلس تنتقل إلى قصة "أم ديلفري" وهى من وجهة نظري هى أجمل قصص المجموعة، حيث تدق الكاتبة الأجراس وتشير إلى مشاكل الآباء التي يدفع ثمنها الأبناء، والجيد في تلك القصة هو نهايتها التي تُركت للقارئ ليتساءل هل تصلح "هدى" من حياتها بعدما رأت نهاية قصتها في انحراف صديق ابنها نادر أم ستصير بها الأيام لتصبح هى أيضا " أم ديلفري"، نفس المشكلة طرحتها الكاتبة من خلال آخر قصص المجموعة " المنتصف المميت" عندما اختتمت القصة بحكمة رائعة تناسبت مع الأحداث وهى" نتحايل على الشرع، فتحايل القدر علينا" ولكن الأبنة هى من تدفع فاتورة الصراع والتفكك الأسرى والذي أصبح ظاهرة مجتمعية تستحق الدراسة. 

ثم توقفت أمام قصة "عريس في الخيال" نظرا لأن سن البطلة قد تخطى السبعين عاما ولكنها تعاني الهلاوس والزهايمربسبب تضحيتها بعمرها وسعادتها الخاصة من أجل أولادها، مما يجعلنى اتساءل: هل من الممكن أن تظل الأنثي مفتقدة تلك المشاعر مهما بلغ بها العمر؟!! حيث يمثل الأبن السبب في وصول أمه لتلك الحالة فغيرته وطبيعة الرجل جعلته يرفض وجود رجل آخر في حياة الأم ورغم أنانية الأبن إلا إن الأحداث اظهرت ندمه وشعوره بالحزن من أجلها مما دفعه لأستشاره طبيب نفسي لمعالجة أمه، وهنا كانت الكاتبة منصفة لشخصية الأبن فهو بار بأمه لكن شرقية الرجل العربي غلبت على تفكيره، ومع ذلك كنت أتمنى أن يكون سن الأم أصغرفتكون في الخمسينات مثلا حتى يصبح المضمون أكثر واقعية، وعلى النقيض تقدم الكاتبة شخصية الأبنة التي تسعي لارضاء والدها في قصتها "آلة خربة" تلك الألة التى تنظر إليها الفتاة ولا تعرف ماذا تفعل بها؟ أتتخلص منها أم تعود إليها كلما مزقها الشوق ؟ وهكذا صارت الآلة الخربة "ذكرى" تربطها بأبيها وكانت أيضا الدافع لفتح أبواب الحياة والمستقبل لها ولغيرها عندما أنشأت أكبر مؤسسة خيرية لتجهيز اليتيمات، في حين أن الكاتبة أعطتنى انطباعا موازيا بأن هذا "البابور" هو سبب موت الأب أوربما قد تسببت الأبنة في مقتله ونتيجة عقدة الذنب أصابتها حالة نفسية جعلتها تقبل على شراء البوتجازات ولكن الصدفة أجبرتها على الخروج من تلك الحالة لتقوم بمشروعها الخيري كما ذكرت من قبل.

وقد ركزت الكاتبة غادة صلاح على علاقة الرجل والمرأة من خلال تناول مختلف، ففي قصة "رسالة غامضة" أخذتنى رمانسية الأحداث التى تواكبت مع تكنولوجيا العصر إلى نهاية محزنة جدا، ولكنها في "طيف رجل" قادت الصدفة البطل كي يكتشف أن بحياة زوجته الراحلة رجلا آخر، كما كان بحياته امرأة أخرى طيلة مرض زوجته وكأن الحياة تعطيه صفعة قوية ودرسا بعنوان"كما تدين تدان" وهكذا حملت بعض النهايات مفاجأت للقارئ وجاءت البعض الآخر غير تقليدية كما في قصة "الشبح" حيث عانت البطلة من سوء الأختيار وتجرعت الوحدة والاهانة والبخل الجسدي والعاطفي، وكان نتيجة ذلك"جريمتين" هما ابنتا البطلة، وهذا التوصيف يدل على المعاناة النفسية التى عاشتها، ورغم أن الحياة داعبتها بالفرصة الثانية فراحت تبحث عن أنوثتها التى ضاعت لسنوات عديدة والتي مثلها صندوق قديم يحوي أدوات تجميل، وعندما عادت امرأة يحدوها الأمل من جديد ولبست الأحمر وتحكلت وتعطرت ووضعت أحمر الشفاه إلا أن المرآة عكست شبح الماضي والذى طل عليها مغيما بظلاله في اشارة من الكاتبة إلى بخل الحياة عليها بالسعادة التى انتظرتها...

كما حملت بعض القصص الكثير من الدلالات المتعددة:

ففي قصة "خل التفاح" حملت رسالة مفاداها أن "العائق الأساسي أمام مشكلة الانجاب هو عدم الاخلاص أما الحب فهو الخلطة السحرية لحل تلك المشكلة" وفي قصة "ذاكرة فارس" كانت العبرة  المستخلصة "لا كرامة لنبي في وطنه" ، فالمقاتل والمحارب والذي تعرض للأسر لم يجد التكريم في وطنه لدرجة أن تركيب عداد كهرباء لم يكن بالشئ الهين ، واختصرت الكثير في قصتها "عصيركوكتيل" عندما بدأت الرواية قائلة "بواسطة صادقة تم توظيف فودة" ولأن الواسطة ذهبت لمن لا يستحق فقد كان جزاء الاحسان هو الاساءة والخيانة. 

وفي بعض القصص لم تنفصل الكاتبة عن العمل الأدبي بل جاءت جزءا من الأحداث في الكثير من الأحيان كقصتها "العازف" والتي جسدت واقعة حقيقة عاشتها مع ابنتها "جنا" أو جنات كما جاء بالعمل وكذلك "صالون ثقافي" حيث أشارت للسرقات الادبية التى تعرض لها منصور الكاشف صاحب رواية "الواشم" على يد اللص "أمين فكري" وما أكثر ذلك في الوسط الثقافي، وفي قصتها "البرطمان" مثلت اسقاطا سياسيا تناسب جو الانتخابات الذي نعيشه هذه الأيام وقد وفقت الكاتبة في التوصيفات والصور وزحف النمل على عسل البرطمان أو "البرلمان" ولاعجب في الحديث عن "المال السياسي" من أجل عسل البرلمان فهو برلمان مصري أصيل..

وأخيرا فإن أهم ما يميز تلك المجموعة هو التنوع وبساطة اللغة وواقعية الكثير من القصص والاهتمام بالمشكلات الاجتماعية .. وجدير بالذكر أن المجموعة القصصية العازف هى المجموعة الأولي للكاتبة والقاصة غادة صلاح الدين،والتى يظهر شخصها وخبراتها من خلال شخوص العمل ومن تأملاتها لمواقف الحياة أو من خلال تجارب تعرضت لها والتى سجلتها لتصنع منها عملا أدبيا، لذا فالبدايات دائما ما تكون موضع ترحيب يتحسس الكاتب فيها الخطوة الأولي كما فعلت غادة صلاح من خلال ... "العازف"

تعليقات