عبد الله جمعة يكتب: قراءة سيميائية في القصة الشاعرة "من ثقب الشتلات الأولى" للشاعر قاص محمد الشحات محمد

  • سعيد صادق
  • الأربعاء 29 يوليو 2020, 7:47 مساءا
  • 208

الناقد عبدالله جمعة



إن التحليل السيميائي للنص المبدع إنما يعتمد على العلامات التي ترد في النص منبئةً عما سعى المبدع من تمريره من درامأولا إلى المتلقي. ويكون ذلك من خلال (أيقونات ومؤشرات ورموز) نلجُ من خلالها بالغين دراما الحدث الإبداعي داخل النص الذي نحن بصدده. 

وحتى يتضح الأمر بمثال مبسط؛ فإن طلب مني أحدٌ طلبًا ولم أرد تلبيته فإنني إذا جعلتُ سبَّابتي منتصبًا لأعلى وحركته يمينًا ويسارًا دون أن أنطق فسوف يستقر في ذهنه معنى الرفض حتى دون أن أنطق ... إذن فإشاحتي بسبَّابتي هذه أصبحت علامة سيميائية على معنى الرفض تعبر عنه.

والعلامة في النص المبدع إنما تتمثل في علامة لغوية يستخدمها المبدع ليوحي بكل معانيه الدرامية التي يريد أن يوصلها للمتلقي بالإيحاء والتلميح بها.

فإذا كانت العلامة مفتاحًا ومدخلا لإدراك عالم النص متمثلة في العناصر المجردة والملموسة والمعنوية والمادية فهي تصل في الكثير من الأحيان أن تجعل الإنسان نفسه علامة.

ولكن هنا وجب أن أسقط الضوء على ما يراه (باختين) في هذا الشأن؛ إذ يرى أن أي اتصال بين شخصين يحتم أن تكون بينهما لغة مشتركة (عربية - إنجليزية - فرنسية .....) وهناك أيضاً حديث بينهما له ارتباطاته وخلفياته، ودواعيه وتداعياته وقيمه العقلية أو الروحية أو التقليدية؛ أي الخاضعة لعادات وأنماط وتقاليد وسياقات الكلام المتداول حولهما في زمن ما ومكان ما، بل هو فئة اجتماعية ما، بحيث يلتقي في الحديث بينهما الجانب العام والجانب الخاص الشعوري واللا شعوري، الاجتماعي والفردي، الأيدولوجي والنفسي .... 

هنا يبرز دور الناقد المفسر الذي يقف كحلقة وصل بين المبدع وبين جمهور التلقي محاولا أن يفك شيفرات وطلاسم ما أغلق على الجمهور؛ ليوجد تلك المساحة من الاتصال المشترك بين المبدع وجمهوره في حال فقد ذلك الاتصال الذي ذكره (باختين).

ثم يؤكد (أمبرتو إيكو) في كتابه "البنية الغائبة" أن الرسالة التي ينقلها مرسل إلى متلق لا يمكن أن تصل إلا إذا كانت قائمة على قواعد ودلالات متعارف عليها، تجعل العلامة معروفة عند المتلقي. وذلك أيضًا يؤكد ما ذكرتُه من دور للناقد الذي يلعب دور المفسر الذي يلتقط العلامات النصية، ويقوم بتفسيرها لجمهور التلقي ليأخذ بيده إلى عالم الواقع النصي الذي اختلقه المبدع.

ومن هنا فإذا كانت العلامة عبارة عن شيء يتم إدراكه حتى يُظهر شيئًا آخر لا يمكن أن يَظهر بدونه أو كما قال (أمبرتو إيكو) "نصٌّ يغطي أيضًا آخرَ" فإننا سندخل العالم النصي لـ "من ثقب الشتلات الأولى" بمنتهى الأريحية، خاصة حين يكون (محمد الشحات محمد) ناصًّا ذا شيفرات مغلقة؛ إذ إنه يحقق نقلات زمكانية داخل النص الواحد تجعل المتلقي في حالٍ من الحيرة والارتباك، فإن لم يكن ممسكًا بمفاتيح تلك العلامات تفلتت دراما النص من بين يديه.

إن أول ما يطالعنا في هذا العمل عنوانه "مِنْ ثُقْبِ الشَّتْلاتِ الأولىٰ"، وهو رأس لأحد نصوص المجموعة؛ إذ إن المتلقي إِلَّم يكن ممسكًا بما تحمله علامة هذا العنوان من دراما في المعنى الذي يريد إيصاله له، فإنه لن يدرك ما يرمي إليه "محمد الشحات محمد" من وراء ذلك العنوان.

إنه عنوان زراعي بامتياز؛ إذ إن الشتلة النباتية يُثْقَبُ لها ليتم تبييتها في مشتلها بنوع من الرعاية الخاصة، وهي خلال فترة وجودها الأولى تكون في أضعف حالاتها فتحتاج إلى رعاية خاصة تصل لحد قياس ومتابعة حتى الهواء ونسبة الضوء الذي تتعرض لهما، وتظل تحت تلك الرعاية حتى يشتدَّ عودها، ويتم نقلها إلى تربتها الطبيعية.

لقد جعل محمد الشحات محمد تلك العلامة اللغوية دلالةً على ما يعتمل في نفسه من إحساس بالوَهَن، والرغبة في إيجاد رعاية لتلك الأحاسيس التي اعتملت في نفسه رعاية خاصة كتلك التي تحتاجها الشتلة الأولى.

يقول في النص الذي تحمل المجموعة عنوانه:

 "مُنْتَصَفُ الليلِ، وأدعيةٌ في ديوانِ النسوة، معروضاتٌ في ثُقبٍ لم يُردَمْ مُنذُ الزمنِ الماضي ..، عاد الجِدُّ يُفَكِّرُ في زيجاتٍ عابرةٍ للجنسيات، وجائزةُ الدولة والصبية تنهشُ في الأسرى، وسبايا المؤتمر السِّرِّي ..، توارَتْ داعشُ فاختَرَقَ الجمهورُ المَلْعَبَ .. 

كانت ليلىٰ مُدرَجَةً في قائمةِ الأطفال، ولكنْ باتَ عليها أن تُرضِعَ أحفادَ أبيها، شَقَّتْ جِلبابَ الملجأ، راحَتْ تَلعنُ مُغتَصِبَ الشتلات الأولى" 

هنا أستطيع أن أنبئَ لماذا اخترتُ السيميائية، دونَ غيرها محاولا من خلالها تفسير نصوص (محمد الشحات محمد) في هذه المجموعة، فنصوصه تحمل علامات قد تبدو للوهلة الأولى للمتلقي العادي؛ إما موغلة في التعتيم، وإما منثورات لا علاقة لها ببعضها البعض، فالنقلات الزمكانية تجعل المتلقي في حالٍ من الحيرة حيث يجد نفسه منتقلا من زمانٍ لآخر متناقضين ومن مكان لآخر متناقضين أيضًا ...

ولكن النظر إلى علامات النص محاولين فك طلاسمها يأخذنا إلى فكِّ شيفرات تلك العلامات حيث قام هذا النص على عشر مشاهدَ هي: 

١- منتصف الليل .

٢- أدعية النسوة .

٣- شتلات في ثقب لم يردم عليها .

٤- الجَدُّ متعدد الزيجات .

٥- جائزة الدولة .

٦- الصبية تنهش في الأسرى .

٧- المؤتمر السري .

٨- ليلى مازالت طفلة .

٩- إرضاع أحفاد أبيها. 

١٠- لعنتها مغتصب الشتلات الأولى .

فهل منتصف الليل علامة على ما يعانيه المجتمع من ظلام فكري واجتماعي، والإحساس بضياع المصير الذي يسيطر عليه! 

ثم هل أدعية النسوة تحيلنا إلى مشهد النساء حين تنزل كارثة لا منجىً منها، فيتوجهن بالعويل والبكاء والدعاء لكشف هذه الكربة في مشهد مأساوي! 

ثم هل بنو هذا المجتمع يتعرضون لإهمال، وهم لا يزالون شتلات في ثقبها الأول، لم يتم الردم على جذورها، فتركت للعراء ينهشها، وهم الأولى بالرعاية!

ثم تعدد الهويات في المجتمع وتمزق الانتماء إلى أحادية الوطن! 

ثم حالة التآمر التي أصابت المجتمع الأدبي والعلمي حتى إن جائزة الدولة التشجيعية أو التقديرية قد تحولت إلى عصابات تتبادلها متعمدةً إقصاء من يستحقونها! 

ثم ترك المجتمع الأسير لصبية لا يعون معاناته ينهشون فيه، ويمزقون وهم لا يدرون أن ضياع مصيره هو ضياع مصيرهم وتشتتهم! 

ثم التآمر الذي أصبح يسيطر على كل فئة في المجتمع؛ إذ تتآمر كل فئة على الأخرى، بل وأفراد كل فئة على بعضهم البعض! 

ثم تلك الطفلة التي زوجها أبوها، دون أن تصل لسن الإدراك أنها أصبحت أُمًّا! 

ثم عدم إحساس هذه الطفلة بمسؤوليتها، وهي تمارس دور الأمومة حيث ترضع أطفالها بصورة غريزية دون أن تدرك أن بنيها في حاجة إلى الأمومة بمعناها الأشمل إلى جانب الرضاعة، وعدم إدراكها هذا جعلها لا تراهم سوى أنهم أحفاد أبيها الذي يقوم هو بدورها في تربية هؤلاء الأطفال، وهي فاقدة لذلك الوعي!

ثم إحساسها بأنها إحدى شتلات ذلك المجتمع الذي غرسها في ثقب الشتلة، ثم تركها دون رعاية تتعاورها تناقضات ذلك المجتمع، فتقتل فيها براءتها، ومن ثم تلعن ذلك المجتمع الذي اغتصب براءتها! 

إن الشاعر عامدًا متعمدًا مع سبق الإصرار قد ركب هذه المشاهد بسيميائيتها تلك لسببين: 

* الأول: رغبته في عكس حالة التناقض الفوضوي والارتباك الفكري والنفسي الذي يعيشه ذلك المجتمع.

* الثاني: إحساسه هو بالتشظي في هذا المجتمع، وعدم حصوله على حقه الذي يرى أنه يستحقه كمبدع من طراز فريد.

لذلك فقد أصر محمد الشحات محمد أن يجعل هذا الأسلوب السيميائي القائم على الترميز الشديد والتفكك والتشظي، وكأنه ينتقم من هذا المجتمع قائلاً له: إذا كنت أيها المجتمع قد تمزقتَ كل هذا التمزُّق، فدعني أعاقبك، فأعبر عنك بتعبيرات لا تقل تمزُّقًا عما أصابك؛ لأدعك في حيرة أمام التلقي لما أنتجته من إبداع يتوازى مع تناقضاتك المُحَيِّرة.

لذا فإنني أرى أن تلك المجموعة (الشعر قصصية) أم (القصِّشعرية)، أو (القصص الشاعرة) لا يمكن قراءتها أو فك طلاسمها إلا من خلال مفاتيح السيمائية التي رسمها الشاعر، وأكاد أجزم أن لا سواها يقوم بهذا العمل.

إن إيغال محمد الشحات محمد في الترميز السيميائي دفعه إلى كتابة اسمه أيضاً على غلاف الديوان بسيميائية خاصة مثيرة للدهشة؛ فلعلمه أن هناك الكثيرين ممن يسمون باسم "محمد الشحات" وخوفه من أن يتلبس الأمر، فينسب فنه لغيره، دفعه إلى إضافة الاسم الثالث، وكأنه يصرخ قائلاً: إيها المجتمع! إنه أنا صاحب القصة الشاعرة ، ولا أحد غيري، وبرغم نغمية اسمه الثنائى وسهولة نطقه إلا أنه أصر أن يضيف الثالث، كما ذكرت كسيميائية وعلامة تميزه، فلا يحدث اللبس في هذا المجتمع القائم على اللبس والالتباس والتداخل والتخبط والعشوائية.

تحاياي لمبتكر فن القصة الشاعرة لمبدع محمد الشحات محمد ؛ الذي نسج لنا نسجًا مختلفًا، وقدم مضمونًا مختلفًا أيضاً، فقدم تجريبًا، أراه ناجحًا بكل مقاييس النجاح.


تعليقات