شعبان القاص يكتب تجربة مع الله (2): أبي الذي في السماء

  • سعيد صادق
  • الأربعاء 29 يوليو 2020, 1:47 مساءا
  • 161

الكاتب شعبان القاص

هو


أًسلم له كفي الغض.

رغم  أنه يعتصر أصابعي  بقوة.

مهما يكن من أمر، كان خروجي معه متعة .

متعة خير لي من حبستي مع أمي في البيت، ومع يدها الباطشة دائما.

يخرج  بي إلي الدنيا الواسعة .

 أطلق روحي في الفضاء الرحب .

ولد كان يريدني ؟! .. ربما، لكنها لم تردني مطلقا .

تقول أختي الكبري " سلوي " أنها لم ترضعني وتركتني لها.

 كان أبي يقود مؤسسة حكومية ، يأخذني معه أحياناً حين يواعد زملائه في المساء للعمل أو للسمر، يأخذني معه لزوم الوجاهة ربما!

المكان تحزمه أشجار الورود ونباتات الزينة، حين يفلت يدي أجري ، يصرخ خلفي فيطمئنه عم جمعة الجنايني بانه سوف يراعني ،  تتصاعد ضحكاتي مع كل فراشة تهرب من بين أصابعي .

الشمس تراوغ في الغروب ثم تسقط بين ألاشجار فجأة .

يأتي صوته من بعيد آمرا بالعودة فأعود.

 أسر له كلماتي الخجلي ، يصيح متبرما : الله يقرفك .. تعال يا جمعة، يقف عم جمعة أمام باب الحمام النصف مفتوح.

الخبث يأبي الخروج .

 حين استعجلني ذات مرة وضعت من لهفتي طرف فستاني في سروالي وخرجت.

قبض علي كفي من جديد ومضي .

 تَعَرُق يدي في يده يضايقني لكنه أيضا يطمئنني.

حين لمحت شارعنا من بعيد أفلت يدي من يده أريحها قليلا.

   وبينما انشغل هو بتحية بعض الناس، فجأة أظلمت الدنيا.

 رحت أبحث عن يده وشيء ما يقتلع قلبي ويطير به بعيدا.

 وجدتها ..كانت رقيقة هذه المرة، راحت أصابعه تعانق أصابعي برفق، توقفت القرصات، راح يضغط على كفي بحنان يسري إلي جسدي كله وينسج خيوطاً من الطمأنينة.

حين أطلقت المصابيح أنوارها المحبوسة رأيت وجهه، لم يكن وجه أبي .. كان رجلا من المارة .        

                 *    *     *    *

                  


هي


لم تمانع كثيرا أن أبقي عند أختي الكبري ، في اليوم التالي لزفافها، بعدما أخذوني إليها في الصباح موصولة البكاء، من لحظة خروجها من البيت مع زوجها الذي أخذها من بيننا ساعة كانت في "كوشة الزفاف" كأجمل ما يكون وأنا أرقص أمامها مع فتيات العائلة.

فيما بعد أخبرتني أنني نمت بمجرد أن وضعتني علي سريرها وبقيت هي وزوجها ينظر أحدهما الي الأخر مبتسماً ثم قررا أن يتجاهلاني تماماً.

سلوي هي كانت أمي بالمعني الذي عرفته فيما بعد عن الأمومة.

 أما كلمة "ماما" التي كنت أناديها بها لم تكن تعني أكثر من السيدة التي تقف في المطبخ تعد لنا الطعام ، أوالتي تضربني إذا لم ألب طلباتها بالسرعة المطلوبة.

 التي توقظني مبكراً لأذهب وأشتري الخبز أو الفول قبل المدرسة.

 التي تضربني أذا لم أمشط شعري جيدا.


أرضعتني سلوي اللبن المعلب ، كنت ألتصق بها كقطة لا تمل التَمَسح بصاحبها وكانت هي أيضاً لا تمل ، حين خلا البيت من سلوي تعلقت قليلاً بأختي التي تكبرني بأربعة أعوام، ولما كبرت قليلا تعلقت بأخي الوحيد عادل.

اعتمدت أمي عليّ في كل شيء يتطلب الخروج من البيت .

 تكتب لي ورقة  بما تريد ثم تحفظني اسم الجهة التي تبعثني اليها ثم تسألني :

- ها ..تروحي  فين ؟

     فأجيب مثلا :

- الازغنانة  اجيب التوا.

أما الخبز فكان واجبي اليومي.

 في أول مرة ضربتني فيها بسبب الخبز لم أبك بحرقة، حقا كان الخبز الساخن يلسعني وأنا أتناوله من البائع، ولكن ما كان ينبغي أن يسقط مني علي الأرض ، لكن في المرة الثانية ... كانت قد أعطتني جنيها كاملا وأوصتني أن أشتري بنصفه وأعيد لها النصف الباقي ، جئت بالخبز ووضعت النصف جنية المتبقي  في جيب "البيجامه" ونسيته وكذلك هي .

 في صباح اليوم التالي صحوت علي صفعاتها وصراخها يخترق أعصابي :

- فين باقي الجنية يا بنت ال...

حافية وقبل طلوع الشمس رحت أجري نحو سلوي .

 وجدت باب البيت مغلقا وحتي لا يراني أحد من الناس في مثل هذا الوقت اختبئت في " الخرابة" المقابلة للبيت أكتم صرخاتي بيدي كلما مر فأر تحت قدميّ وأترقب خروج أحد ما يفتح الباب لأدخل  فتأخذني سلوي في حضنها 

آه ..هل كنا فقراء يومها يا سلوي ؟!

لماذا كانت تضربني وأنا نائمة  ؟ 

ولماذا أنا دون بقية أخواتي ؟!

راح السؤال يكبر معي وسن الحذاء ينغرس في فروة رأسي كلما نمت علي كتابي ، رغم أني كنت أكثر تفوقاً من أختيّ الكبيرتين .


                 *    *     *    *



حبل سري جديد


حبل سري جديد رحت أشعر به وأنا أردد مع أقراني :


" مدرستي  يا  مدرستي       أقضي فيك كل الوقت

 مع أصحابي مع أحبابي      بين الدرس والألعاب "


حبل يستمد قوته من تفوقي ومن نفوذ أبي .

 ناظر المدرسة يقبل جبهتي كل صباح  أتلوا فيه بعض آيات القرآن الكريم في الإذاعة .

 "الأبله" محاسن تضمني لصدرها إثر إجابتي علي سؤال "المفتش" الذي يعجز عنه جميع زملائي.

 لكني وبعد كل هذا لا أدري لماذا كنت أبكي دون صوت ؟ 

ولا أدري لماذا اختارني الأستاذ حمدي أنا من بين الفتيات لأقوم بدور الغزالة التي سترعي  "حي بن يقظان" في عرض المدرسة المسرحي ؟ 

أنا التي أذهب كل يوم إلي المدرسة دون "مصروف" أو "ساندوتش" وبكثير من الدموع .


                 *    *     *    *


أبي الذي في السماء.


شعرت بك أول مرة، حين طلبت من أبي وأمي جوربا ب"كرانيش" كالذي تلبسه زميلاتي وتجاهلا، فوجدته جديداً في كيسه مرميا أول شارعنا .

ويزداد شعوري بك في كل مرة تضربني فيها، وأهيم علي وجهي، فأجد النقود التي تلقيها في طريقي، فأشتري ما أشتهيه من الحلوى وعصير القصب ثم أيمم وجهي نحو أختي سلوى.

ويوم رفضت أن تصطحبني معها أزور جدتي في القاهرة توفيرا للنفقات، رميت لي الاثنتي عشرة جنيهاً ثمن تذكرة القطار ذهابا وعودة.

 ورغم أن جدتي أيضا كانت تفرق في المعاملة بيني وبين بنات خالاتي إيمان ونهي ووسام ، غير أني قد استمتعت بالرحلة فعلا، من نافذة القطار قد رأيت الف لوحة ولوحة جميلة، وتفتقت في نفسي ألف قصيدة وقصيدة شعر، مزقتها أمي حين دونتها في كراستي ، فقط لان أبي أيضا كان يكتب الشعر.

ويوم كنت أسير مهمومة، أنظر في الأرض أنتظر رزقي المعتاد، لأشتري هدية  للمولود الذي وضعته أختي مثلما يفعل الجميع فاذا بي أراه مصفرا يلمع ، تجاوزته ، حدثتني نفسي أنه ربما يكون ذهبا .

 ألتقطه وذهبت به إلي سلوي ، وضعته في أصبع وليدها ، كان جميلا ، لكنها 

نزعته وقالت :

الذهب حرام علي الرجال .

 كنت معها حين ذهبت إلي الصائغ وباعته ثم اشترت لي وللمولود ملابس جديدة  .

وأذكر أيضا يوم غضبت مني أول مرة .

 قالت أختي أن الذهب حرام علي الرجال ، اذن هو حلال لي لكن ما كان يجب أن آخذ السلسلة الذهبية التي وجدتها ملقاة في الشارع أمام منزل مروة بنت الجيران.

 أخذتها وأنا أعلم أنها لها ، كنت قد رأيتها علي صدرها ونحن نشتري الخبز سويا.

 لكن الفستان الذي كان معلقا خلف زجاج المحل الذي علي الناصية كان يخطف بصري كلما مررت به وكانت قد مرت فترة طويلة لم يكسني فيها أحد .

 ذهبت بها إلي الصائغ ليشتريها لكنه رفض .

مرة أخري تنعتني أمي بالسارقة وهي تضربني ، لكنك أيضا كنت رحيما فلم تشأ تكسر قلبي، الفستان بقي معلقا خلف

"الفاترينة" أياما وشهورا لم يشره أحد ، حتي فوجئت يوما بالمحل وقد غير نشاطه. 

 من يومها تعلمت الدرس يا .. ياأبي  فالثلاثون جنيها التي وجدتها ملقاة علي الأرض في حوش المدرسة سلمتها إلي الأبلة محاسن.

 في صباح اليوم التالي كرمتني " الابله " محاسن أمام الجميع في المدرسة وهي تنعتني بالتلميذة الأمينة .



تعليقات