د. عبد الخالق النحاس في حواره مع جداريات: مكانة اللغة العربية في الإسلام عظيمة.. والدراما ساهمت في الحرب عليها

  • أحمد عبد الله
  • الأربعاء 29 يوليو 2020, 01:46 صباحا
  • 177

د. عبد الخالق جبريل النحاس

اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، ولغة النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-، بل وهي لغة أهل الجنة، فلها مكانتها العظيمة في القرآن الكريم وكذا سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

تتعرض اللغة العربية لمحاولات واضحة لمحوها، والتضييق عليها، واستبدالها بالعامية، أو باللغات الأجنبية.


لذلك كان لنا هذا الحوار، مع أحد علماء اللغة العربية، الدكتور عبد الخالق جبريل النحاس، عضو هيئة التدريس بكلية اللغة العربية - جامعة الأزهر الشريف.


- في البداية.. حدثنا عن مكانة اللغة العربية في الإسلام؟

** لا شك أن اللغة العربية  لهامكانة عظيمة في الإسلام، تأتي هذه المكانة من علاقة التلازم بين الإسلام واللغة العربية؛ إذ لا يمكن فهم الإسلام إلا بفهم لغته التي بها نزل، قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف: 2].

ولما كانت هي السبيل لفهم القرآن والسنة، وكان فهمها واجبا، كان العلم بها وبقوانينها وطرائقها واجبا أيضا، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب أيضا.

وقد جاء عن السلف ما يشهد لذلك ويدل عليه، فعن سالم بن قتيبة قال: كنت عند ابن هبيرة الأكبر فجرى ذكر العربية، فقال: "والله ما يستوي رجلان دينهما واحد، وحسبهما واحد، ومرؤتهما واحدة، أحدهما يلحن والآخر لا يلحن، لا يستويان في الدنيا ولا في الآخرة، فقيل له: هذا - أي الذي لا يلحن - أفضل في الدنيا لفصاحته وحسن منطقه، فما بال فضله في الآخرة؟ فقال: لأنه يقرأ كتاب الله على ما أنزل الله، والذي يلحن يحمله اللحن على أن يدخل في كتاب الله ما ليس منه"، ولهذا قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " تعلموا النحو؛ فإن بني إسرائيل كفروا بحرف واحد في الإنجيل، فإن الله عز وجل قال: إني ولَّدتُ عيسى (بتشديد اللام في ولَّدت، أي: خلقتُ)، فجعلها بنو إسرائيل: ولَدتُ عيسى (بتخفيفها)، فنسبوا لله الولد فكفروا.

فالعربية سبيل إدراك معنى كلام الله وفهمه، كذلك فهي سبيل إدراك كلام سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولهذا ردَّ الأعمشُ وكيعا عن تعلم الحديث، وأمره بتعلم النحو أولا لما سمعه يلحن، "قال حاجب بن سليمان: سمعت وكيعًا يقول: أتيتُ الأعمش أسمع منه الحديث، وكنت ربما لحنت، فقال لي: يا أبا سفيان، تركتَ ما هو أولى بك من الحديث! فقلت: يا أبا محمد، وأي شيء أولى من الحديث؟ قال: النحو، فأملى عليّ الأعمشُ النحو، ثم أملي علىَّ الحديث".

وما ذلك إلا لأهمية العربية في فهم حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ويظهر هذا بوضوح في كلام الأصمعي - رحمه الله – إذ يقول: "إنَّ أخوفَ ما أخاف على طالبِ العلم إذا لم يعرف النحوَ أن يدخلَ في جملة قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (من كذب عليَّ متعمدًا، فليتبوأ مقعدَه من النَّار)"؛ وذلك لأنه إذا لحن غيَّر المعنى المقصود، فبدل مراد النبي صلى الله عليه وسلم.

لهذا جعل العلماء العلم بالعربية وقوانينها شرطا من شروط الاجتهاد في تفسير القرآن الكريم والسنة النبوية وما يتعلق بهما من العلوم الإسلامية، يقول الزمخشري: "وذلك أنهم لا يجدون علمًا من العلومِ الإسلامية فقهها وكلامها، وعلمي تفسيرها وأخبارها، إلا وافتقاره إلى العربية بيِّن لا يُدفع، ومكشوفٌ لا يتقنَّع، ويَرَوْن الكلامَ في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنيًّا على علمِ الإعراب"، فإذا تكلم أحدٌ في القرآن أو السنة دون معرفة بهذه الوسيلة كان متكلما برأيه لا بالعلم، مدعيا على الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – غير مرادهما، آتيا في ذلك بالعجائب التي لا يقول بها من له علم بالعربية فضلا عن متكلم في أحكام الشريعة، وقد عاب ابن فارس هؤلاء وعرَّض بهم في كتابه الصاحبي في فقه اللغة فقال: ((وقد كان النَّاسُ قديمًا يجتنبون اللَّحنَ فيما يكتبونه أو يقرؤونه اجتنابهم بعض الذُّنوب، فأمَّا الآن فقد تجوَّزوا حتى إنَّ المحدثَ يحدِّثُ فيلحن، والفقيه يؤلف فيلحن، فإذا نُبِّها قالا: "ما ندري ما الإعراب، وإنما نحن محدِّثون وفقهاء"، فهما يُسَّران بما يُساءُ به اللبيب)).


- كيف ترى تهميش اللغة العربية في مجتمعاتنا؟

** إذا عرفنا أهمية اللغة العربية في فهم كلام الله -عز وجل- وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم- وما تؤديه من دور وثيق في ذلك، استطعنا من خلال ذلك أن نجيب عن هذا التساؤل، وعرفنا السر الذي دعا طائفةً من الناس إلى العمل على تهميش اللغة العربية وإضعافها في مجتمعاتنا الإسلامية، ذلك أنه إذا حدث لهم ما قصدوا إليه من تهميشها وإضعافها صارت نصوص الإسلام من قرآن وسنة قوالب كلامية تُقْرَأ دون أن يُفْهم مرادُها، مما يضيع العلم بأحكامها والاتعاظ ببشارتها وإنذارها، فيحدث لهم بذلك قطع الصلة بين الدين ومراده الحق، ويمكنهم وقتئذ أن يرسخوا في الأذهان ما تهواه نفوسهم، وترتاح له أفئدتهم، ناسبين ذلك إلى الدين ونصوصه، ولك أن تجد نحو هذا المعنى في قول شعبة: "من طلب الحديثَ ولم يبصر العربيةَ كمثل رجلٍ عليه برنس وليس له رأس"، وقول حماد بن سلمة: "مثل الذي يطلبُ الحديثَ ولا يعرف النَّحوَ مثل الحمارِ عليه مخلاة ولا شعيرَ فيها"، فما فائدة البرنس بدون الرأس؟ وما فائدة المخلاة بدون الشعير؟

ومن هنا كانت الحرب على اللغة العربية في حقيقتها حربا على الدين ونصوصه، وتهميشها تفريغا لنصوص الدين من مراد الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم-.


- برأيك.. ما هي أبرز العوائق أمام اللغة العربية؟

** العوائق التي تواجه اللغة العربية كثيرة، فمنها عوائق داخلية وعوائق خارجية، ومن العوائق الداخلية الدعوة إلى العامية بدعوى التيسير والتخفيف، وهذا أخطر ما يواجه العربية في مجتمعاتنا، حتى إنك تجد رواجا للعامية في الإعلام والمنتديات بل وفي المدارس والجامعات وقاعات الدرس اللغوي، وهذا أمر خطير يجعل العربية بالنسبة للطلاب لغة ثانية؛ إذ لغتهم الأولى هي العامية، فتصبح العربية الفصحى أسيرة الكتب فقط، لا تمارس في البيت ولا في الشارع ولا في قاعات التعليم والدراسة، فيخرج الطالب غير متقن لها، وإذا ما حصل منها قدرا عكر صفوَ نتاجه من اللغة شيءٌ غيرُ قليل من الخطأ بسبب ثنائية الفصحى والعامية التي تمرس عليها في رحلته العلمية،

تقول بنت الشاطئ: «الظاهرة الخطيرةُ لأزمتنا اللّغوية هي أنّ التّلميذ كلما سار خطوةً في تعلّم اللّغة ازدادَ جهلًا بها ونفورًا منها و صدودًا عنها, وقد يمضي في الطريق التعليميّ إلى آخر الشوط فيتخرج من الجامعة وهو لا يستطيع أن يكتب خطابًا بلغة قومه". أما عن العوائق الخارجية؛ فمنها مزاحمة اللغات الأخرى لها مع الغزو الفكري والعولمة التي رسخت في نفوس كثير من الناس أن الثقافة مقصورة في تعلم اللغات
الأجنبية وإجادتها حتى صار مظهرا من مظاهر الثقافة المدعاة أن يقحم المتكلم في خطابه بعض المفردات الأجنبية في ثنايا خطابه للمتلقي العربي سواء في الإعلام أو غيره من مجالات الحوار.

وقد أعان على شيوع هذا ما تقتضيه بعض الوظائف في سوق الأعمال من إتقان للغات الأجنبية حتى ولو كان المتقدم لا يجيد الإملاء والكتابة بلغة دينه وبلاده، ومن هنا وجدنا عناية كثير من الأسر بإلحاق أبنائهم بالمدارس الأجنبية على حساب عنايتهم باللغة العربية. ورحم الله الشاعر مبارك العقيلي عندما قال: صبأتمْ للرطانةِ وهي تيهٌ ... بها للدينِ والعربِ الضياعُ تقولونَ التمدّن يقتضيها ... كذبتــم أيّها الهمَجُ الرِّعاعُ.


- وهل ساهمت الدراما في التقليل من شأن اللغة وعلمائها؟

** هذا أمر لا شك فيه، فقد كانت (الأعمال الدرامية) الذراع الأيمن للدعاة إلى هجر الفصحى ومحاربيها منذ زمن بعيد، إذ أظهرت المتحدث باللغة الفصحى ومعلمها في صورية عبثية ساخرة، تجعل المشاهد ينتقصه مكانته، ويرى الحديث بها سببا للاستهزاء به والسخرية منه، مما يدعوه إلى الزهد فيها والرغبة عن تعلمها، وهذا جزء من خطة خبيثة مدروسة للحرب على الهوية العربية والإسلامية. = كيف نستعيد للعربية مكانتها؟ ** أول خطوة في ذلك أن تدرك الأمة أن معركتنا في الحفاظ على اللغة العربية ونشرها والدعوة إليها معركة هوية، ولهذا فإنه يجب علينا ونحن نتعلق بالمقولة المشهورة: "إن اللغة العربية محفوظةٌ بحفظ القرآن الكريم" أن نجعل إلى جوارها مقولة ابن خلدون: "إن غلبةَ اللغة بغَلَبة أهلها، ومنزلتها بين اللغات صورةٌ لمنزلة دولتها بين الأمم"،

ومن هذا المنطلق يجب أن تتحمل الأمة كلها المسؤوليةَ في الدفاع عن لغتها والدعوة إليها، وهذه مسؤولية مشتركة بين الدول والأفراد على السواء، وذلك من خلال عدد من السبل والوسائل التي تنهض باللغة العربية وتجعلها في مقدمة اللغات، ومن ذلك على سبيل المثال:

1- توجيه الدول لمؤسسات التعليم والثقافة إلى نشر اللغة العربية والعناية بعلومها في المدارس والجامعات، مراعية كفاءة معلمها والتدرج في تدريس مناهجها بما يلائم كل مرحلة مع الاستعانة بالوسائل التعليمية الحديثة.

2- تشكيل هيئات علمية وجمعيات أهلية يقوم عليها المتخصصون، وذلك لدعم المؤسسات الرسمية في العناية باللغة العربية ونشرها بين الناس، مع العناية باللغة والأدب والشعر وتيسير التراث العربي وتعريب المصطلحات الأعجمية.

3- رعاية الأسر لأبنائها، وتوجيههم إلى العناية باللغة العربية منذ الصغر، مع تحفيزهم لذلك من خلال الاستعانة بالوسائل الترفيهية، والمرئيات (الفيديوهات) القصصية التي تعتمد في حواراتها اللغة العربية الفصحى.

إلى غير ذلك من السبل والوسائل التي يراها المختصون مناسبة في هذا المجال.

تعليقات