الموظف المختص.. قصة قصيرة للكاتب أحمد دسوقى مرسى

  • سعيد صادق
  • الجمعة 24 يوليو 2020, 10:30 مساءا
  • 100

الكاتب أحمد دسوقي

تقدمت بخطى ثابتة، وعلقت على فمي ابتسامة ودودة وقلت بصوت رقيق:

 

-           صباح الخير يا أفندم.. سيادتك الأستاذ إبراهيم جمعة؟

 

فنظر إليّ الرجل من خلف مكتبه، بوجه كالح، وعينين عابستين، وقال بصوت أجش:

 

-           نعم أنا هو الأستاذ إبراهيم.

 

-           أهلا يا أفندم.. والله إذا سمحت توقع سيادتك هنا.

 

-           وأشرت إلى مكان التوقيع، ومددت إليه يدى بالطلب وبكسل شديد راح يقرأ بهمهمة مرتفعة، راحت فيها الكلمات تتشابك بأصوات لا معنى لها حتى أتى عليه فى لحظات ثم ألقى به على المكتب، فتزحلق الطلب على سطحه، حتى وصل إلى مهرولا.

 

-           عند الأستاذ "سعيد حسونه" .. أنا غير مختص بالتوقيع على هذه الطلبات فابتسمت فى صبر شديد، وأنا أضغط على أعصابى التى تكاد تنفلت.

 

-           متشكر يا أفندم.. ولكن أين أجد سعيد أفندى من فضلك؟

 

-           فى الغرفة التى بجوارنا عن اليمين.

 

-           متشكر...

 

-           و لم يرد تحيتى، ودخلت الغرفة المجاورة، وسألت موظفا أنيق الثياب خيل إلى أنه سيهدينى سواء السبيل.

 

-           صباح الخير يا أفندم.. أين أجد الأستاذ سعيد حسونة؟

 

وأشار الشاب إلى ركن قصى قبع فيه رجل هائل الجرم بوجه أسمر جاد اتجهت إليه من فورى.

 

-           الأستاذ سعيد يا أفندم.

 

-           نعم...

 

-           و الله إذا سمحت توقع لى من فضلك على هذا الطلب.

 

و ابتسمت حتى تجذبه ابتسامتى، ومددت يدى إليه بالطلب فمد يدا غليظة وأمسك به وراح يقرأه كلمة كلمة فى هدوء أثارنى.. ثم ألقاه على المكتب، والتفت إلى يمينه ورفع صوته قائلا:

 

-           و لكن ألا تعرف أين نقل يا سيد أفندى؟

 

و تملكنى غيظ عارم، سرى فى عروقى نارا كاوية.. لقد كان يوجه سؤاله إلى زميله الذى يجاوره فرد عليه (سيد أفندى) هذاوكان رجلا أشيب الشعر:

 

-           سمعت أنه نقل إلى الفيوم، مع أن عائلته كلها تسكن هنا كما تعلم

 

-           صدقنى "يا سيد أفندى" أفعاله هى السبب..

 

يعنى إذا كان أحنى الرأس قليلا وتغاضى قليلا.. لربما حصل على حقه وزيادة

 

فقلت له وأنا أتميز غيظا:

 

-           لمؤاخذة... الطلب يا أفندم

 

فقال لى بصوت هادئ، غير مبال:

 

-           تعرف فوق؟

 

وأشار بسبابته إلى أعلى.. فقلت فى نفسى، والدماء تلهب رأسى: "يا حشرة سامة على مكتب الوزارة".

 

و ابتسمت فى أسى وأنا أبتلع غضبى:

 

-           طبعا.

 

-           إذن على فوق.. وقابل "مسعود المستكاوى" فهو المختص بمثل هذه الطلبات

 

و كرهت الرجل من أعماقى وكأن كراهيته نبتت فى قلبى منذ زمن بعيد، ولعنته ألف لعنة فى نفسى

 

و لم أشا أن أساله عن غرفة هذا المسعود المستكاوى المختص بهذه الطلبات التى على شاكلة طلبى التعيس

 

و سألت فراشا فى الردهة يجلس على كرسى فى استرخاء والنوم يكاد يداعب جفنيه

 

-           السلام عليكم يا حاج.. والله إذا سمحت.. أين مكتب الأستاذ "مسعود المستكاوى"؟

 

وأشار الرجل إلى غرفة تقع عن يساره.. ودخلت.. فوجدت رجلا نظرت إليه فتوسمت فيه الطيبة.. فتوجهت إليه وسألته عن الأستاذ "مسعود المستكاوى" فقال لى وهو يضحك:

 

-           خرج منذ خمس دقائق

 

و استأنف حديثه مع زميله وكأنه لا يرانى فانسحبت أخرج فى هدوء أتفرس فى وجوه الرجال الذين يذهبون ويجيئون والذين يدخلون الغرفة... علّ من بينهم هذا "المسعود المستكاوي" المختص بتوقيع الطلبات، والذى سيحل بحضوره أزمتى المستعصية، وسألت ساعيا خرج من مكتب قريب وكان يحمل أوراقا كثيرة فى يمناه.

 

-           إذا سمحت والله يا حاج أين أجد الأستاذ "مسعود المستكاوى" من فضلك؟

 

فقال الرجل.. بابتسامة طيبة، رقيقة لأول مرة ألقاها منذ هذا الصباح:

 

-           تعال

 

وأمسك بيدى، ودخل بى المكتب الذى غادرته منذ دقائق وقال بصوت مرتفع رزين:

 

-           يا أستاذ مسعود.. كلم سيادتك

 

و التفت الرجل إلى شخصى، فإذا هو ذلك الموظف الذى أخبرنى منذ قليل بخروج "مسعود المستكاوى".. وهو يضحك.. فنظرت إليه مصعوقا، والغضب الحبيس يكويني وقلت فى تملق:

 

-           لابد أن تكون مشغولا سيادتك.. أنا عارف.. أنكم تعانون من إرهاق العمل.. وأنا فى الحقيقة أعذركم.

 

و لكنه لم يتكلم ولم يعلق على نفاقى المصنوع ومد يده المعروقة، وأمسك بطلبى ثم أعطاه لى بعد لحظات.. وقال لى بصوت غاضب:

 

-           اذهب إلى الأستاذ "إبراهيم جمعة" فى الدور التحتانى فهو المختص بتوقيع هذه الطلبات.

 

تعليقات