د. عزوز علي إسماعيل يكتب: الردُّ على ما كتب من عتبات النص

  • سعيد صادق
  • السبت 04 يوليو 2020, 1:59 مساءا
  • 428

الدكتور عزوز علي إسماعيل

الرَّدُّ على ما كُتبَ مُصْطَلحٌ من مُصْطَلَحَاتِ عَتَبَاتِ النَّصِّ، لأنَّ الرَّدَّ على ما كُتبَ عن عملٍ يبين الرَّأي فيما كُتبَ عن العَمَلِ، بالسَّلب كان أم بالإيجاب، وهو ما يمكن وصفه بنقد النَّقدِ، سواءً أكانَ مِـنْ المُؤلِّفِ ليردَّ عمَّا كُتِبَ عن عمله أم من كاتبٍ آخر يردَّ عما كتبَ عن عملٍ آخر، كما حدثَ مع كُتَّابٍ كبارٍ في بداية القرن الماضي، وكانت المَعَارِكُ النَّـقدِيَّةُ خيرَ دليلٍ على ذلك، فأصبحتْ تلك المَعَارِكُ عَتَبَاتٍ نصِّـيَّةً حقيقيةً على النُّصوصِ، بل يمكنُ لنا أن نتجاوزَ ذلك ونقول: إنَّ تلك السِّجالات التي كانتْ مع مطلعِ القرن الماضي ما هي إلا عتباتٌ ثقافيةٌ على نضوج الحركة الفكرية في هذا التَّوقيت، فما كانَ بين أحمد شَوْقِي وعباس محمود العقَّاد يدلل على أن لكلٍّ الحقَّ في الردِّ عما وجه إليه. وما كتاب "على السَّفُّودِ" لمصطفى صادق الرَّافِعِيِّ في بدايةِ القَرْنِ الماضِي إلا دليلٌ على ذلك، وكانَ الكِتَابُ موجهاً لعباس محمود العقاد، حيث حوى عدداً من المقالاتِ كانتْ قد نُشِرَتْ في مجلةِ "العُصُوْرِ"، التي كان قد أصدرها إسماعيل مظهر 1927، وحين طلب إسماعيل مظهر من الرافعي كتابة سلسلةٍ من المقالاتِ في النَّـقْدِ، فقد وجدها الرَّافِعِيُّ فرصةً للرَّدِّ على العقَّاد. من هنا لا بُـدَّ وأنْ نَقُوْل: إنَّ المَعْرَكَةَ التي كانت بين مصطفى صادق الرَّافعِي والعقَّاد من أصعبِ المَعَارِكِ الأدبية، وتُعتبر رداً على ما كُتِبُ، ويدخل ضمن عَتَبَاتِ النَّــصِّ. وقد كانت الخصومةُ الأدبية بين العقَّاد والرَّافعي قد بدأتْ بعد طباعة كتاب"إعجاز القرآن والبلاغة النبوية " 1912 للرَّافعي، ولولا ما كتبه العقَّاد عن "إعجاز القرآن" للرَّافعي ما تنبأ أحدٌ إلى أهمية هذا الكتابِ، حتى ولو كانت الكتابةُ فيها تجنٍ على صاحب الكتاب، وكانت الخصومة قد بدأت حين التقى الرَّافعيُّ بالعقَّاد في مقَرِّ مجلَّة "المقتطَف" سنة 1929م ويسأل الرَّافعي العقَّـادَ عن رأيه في الكتابِ، وقد ضاقَ ذرعاً العقاد بتقديم سعد زغلول للكتاب، لدرجة أنَّ العقَّـاد اتهم الرَّافعي بالانتحال وتزوير ما قاله سعد زغلول، ومن هنا اشتد الرَّافعي غضباً مما قاله العقَّادُ؛ حيث سفَّه الكتاب، على الرغم أنَّ الكتابَ لاقى قبولاً من الأدباء والنقَّاد، وقد كَتَبَ العقاد مقالةً حملت عنوان: "فائدة من أفكوهة" عقب فيها على الكتابِ وأكَّـدَ اضطراب القياسِ عند الرَّافعي، فضلاً عن تصدي العقاد للرَّافعي في نقده لشَوْقِي اتَّهمه فيه بسرقة الجزء الأول من "الديوان"، اتسمت مقالة العقَّاد بالشِّدَةِ والقسوة والسُّخرية والهجوم على شخص الرافعيِّ. الأمر الذي دعا الرَّافعيَّ إلى أنْ يخطَّ عدداً من المقالات، جُمعتْ في كتاب "على السَّفُّود" يقول في مقدمتها دون موارَبَةٍ: "وأمَّا بَعْدُ.. فإنَّا نكشفُ في هذه المقالات عن غرورٍ مُلفَّفٍ، ودعوى مغطاة، وننتقد فيها الكاتب الشَّاعر الفيلسوف!!! (عباس محمود العقَّاد) وما إياه أردنا، ولا بخاصته نعبأ به، ولكن لمن حوله نكشفه، ولفائدة هؤلاء عرضنا له. والرَّجل في الأدب كورقةِ البنك، المزورةِ، هي في ذاتِ نفسها ورقة كالورق، ولكن من ينخدع فيها لا يغرم قيمتها، بل قيمة الرَّقم الذي عليها، وهذا من شؤمها، ومن هذا الشؤم حق البيان على مَن يعرفها"[1]

وفي مقالة أخرى للرَّافعي يهجو فيها العقاد وكتابته ويتهمه بالسَّرقة حملت عنوان "عضلاتٌ من شراميط" منشورةٌ في مجلةِ " العُصُوْرِ": "قلنا: إنَّ هذا العقَّادَ لصٌ من أخبث لصوص الأدب، لأنَّه - مع هذه اللصوصية-  يدعي دائمًا ملكية ما يَسْرِقهَ، ومع هذه الوقاحة في الادعاء يحقدُ على كلِّ منْ يملك شيئًا من مواهب لله، ومع هذا الحقد الدنيء لا يتصور النَّاسُ إلا على أمثلة من نفسه" [2] . من هنا فإنَّ المقالاتِ المختلفةَ حول الأعمال الأدبية تُظهر تلك الأعمال، وتَصْبَحُ عَتَبَاتٍ نصيةً، حيث إنَّها قد أضاءتْ لنا جميعاً تلك النصوص، ومن الممكن أن نقرأها بعد قراءة تلك الانتقادات من هنا وهناك.. وما المَعَارِكُ النَّـقْدية إلا عتباتٌ نصيةٌ.

وللعلم وطالما أنَّنا في حضرة عَتَبَاتِ النُّصوصِ، فإنَّني قد كَتَبْتُ مقالةً للرَّدِ على الذين يتطاولون على دراساتِ عَتَبَاتِ النُّصوص عنوانها "الرَّدُّ على الفصوص فيما ادعوه عن عَتَبَاتِ النُّصوص" قلتُ في بدايتها:" من يدخل البيت دون طرق الباب – وهو غريب عنه- فهو لصُّ ". من لم يفهم دلالة "عتبات النصوص" فهو ليس بناقدٍ، ومن يتطاول على هامات "عتبات النصوص" فهو أبله، ومن يصفها بالفلسِ فهو المُفلسُ، ومن يصفها بالكذب فهو الكذوب، ومن يصفها بأي صفةٍ لا تليق بالدرس النَّقدي الذي من المفترض أن يبحث عن الجديد فهي صفةٌ فيه، ودليلٌ على إدانته النَّقدية، وتقاعسِه عن البحثِ والتَّنْقيبِ، وكيفَ أنَّ عَتَبَاتِ النَّـصِّ، هي مفاتيحُ العَمَلِ، ومن لم يُحسن فهمها لن يستطيع التقدم قيد أنملة في نقده وبحثه للنَّـصِّ، وإلا سنعود إلى الدرس البنيوي الذي وصف فيما بعد بأنه أصابه عوار في بعض جوانبه. ولكنَّه على كل حال درسٌ لغوي تقبله الذائقةُ، شريطة وجود المؤلِّف وعدم إماتته. النَّصُّ من أوله إلى آخره هو كيانٌ بما فيه من عَتَبَاتٍ مختلفةٍ تَضخُّ فيه الروحُ، وتبعث فيه الحياة.. أما من تقوَّل بذلك فهو لم يطلع على الدراسات الحديثة ولم يعِ التراث جيداً ولم يقرأ فيه شيئاً لذلك أقول له: ألمْ يقل لكم جدكم المقريزي في خططه "اعلَمْ أنَّ عَادةَ القُدمَاءِ مِـنْ المُعَـلِّمِين قَـدْ جَرَتْ أنْ يأتُوا بالرِّؤوسِ الثَّـمَانِيةِ قَبْل افْتِتَاحِ كُـلِّ كِتَابٍ, وهي: الغَرَضُ, العنوانُ, المَنْفَعَةُ, والمَرْتَبَةُ, وصِحةُ الكِتَـابِ, ومِنْ أي صِنَاعَةٍ هو, وكَمْ فيه مِـنْ أجزَاء, وأي أنحَاء التَّعاليمِ المُسْتَعْمَلةِ فيه"، وهو ما يشبه خطة لبحثٍ علمي تقوم من أجله الجامعات وتقعد. ألم يقل لكم جدكُم أبو عثْمان بن بحر الجاحظ:"إن لابتداء الكلام فتنة وعجبا"، وهو من عتبات النُّصوص. ألم يقل لكم جدكم ضياء الدين ابن الأثير"إن الكاتب من أجاد المقطع والمطلع" واحتفى كذلك بعتبات الكتابة في كتابه "المثل السَّائر في أدب الكاتب والشَّاعر" فيقول في صناعة الكتابة: "اعلمْ أنَّ للكتابة شرائطَ وأركاناً" وهو بذلك يدرب الكاتب والشَّاعر على عتبات النُّصوص, سواء أكان في النَّثر أم الشِّعر, فيعدد شرائط الكتابة وأركانها. ويتناول أهمية البدايات في قوله: "إنِّما خُصَّـت الابتداءاتُ بالاختيار؛ لأنَّها أول ما يطرق السَّمع من الكلام؛ فإذا كان الابتداءُ لائقاً بالمعنى الوارد بعده توَفَّرتْ الدواعي على استماعه، أيها المخبولون اعلموا أولاً: أنَّه وبعد أنْ عَجَزَتْ البَـلاغةُ القَدِيمَةُ عَنْ مُسَايَرَةِ النُّصوصِ وتَفْسِيرِها أصْـبَحَتْ الشِّعريَّةُ هي المَلاذُ الآمِنُ لمَعْرِفَةِ السُّـبل التي تُسَاعِدُ عَلَى فَـكِّ طَلاسمِ النُّصوصِ وعَتَبَاتِها. من هنا أيضاً، فإنَّ هذه المقالة ردٌ على ما كتب، والردُّ على ما كتب عتبةٌ نصيةٌ.  ونضيف إلى ما سبق كتاباً آخر حمل عنوان" الرَّدُّ على البهتانِ في رواية يوسف زيدان عزازيل" للأنبا بيشوي مطران دمياط "وهو كتابٌ خصَصَه المؤلِّفُ للرَّدِّ عما تقوَّل به زيدان في أمور تخصُّ الكنيسَةَ وكيف أنَّه سَرَقَ مَخْطُوْطَاتٍ من مكتبة الإسكندرية ضمنها رواية "عزازيل".. لكلِّ ما سبق فقد تأكد أن الرَّدَّ على ما كُـتِبَ من الأهمية بمكان؛ لأنه يجعلنا نعود إلى النَّصِّ الأصلي؛ سواء أكان ما كتب عنه بالسَّلب أم بالإيجاب، ليصبح عتبة ندخل من خلالها عالم النص.


1 - مصطفى صادق الرافعي، على السَّفُّود، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة 2012 مقدمة الكتاب

2 - المرجع السابق ص 30

تعليقات