د. خالد فوزي حمزة يكتب: الشيخ صلاح عرفات المصري.. عالم لا يعرفه الكثيرون

  • أحمد عبد الله
  • الجمعة 03 يوليو 2020, 00:27 صباحا
  • 656

موسوعة من إعداد الشيخ -رحمه الله-

ذكريات عن الشيخ صلاح محمد عرفات المصري

عالم لا يعرفه الكثيرون


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه....

أما بعد.. فمن مدرسي دار الحديث الخيرية: الشيخ صلاح محمد عرفات من مصر.

هو الشيخ العالم المحدث الفقيه صلاح محمد عرفات، درَّس عدة سنوات في دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة، بل من أوائل من درَّس بها، وحضر مقرها القديم بالششة، ثم بناء المقر بأجياد، ومات قبل انتقالها إلى المقر الحالي يالعوالي.

وهو من أوائل من ارتبطت بهم علمياً في الدار، مع بداية عملي بها في عام 1410هـ، وكان الشيخ وقتها في الأربعينيات، وكنت شاباً مضى من عمري بضع وعشرون سنة، وقد كنت أسمع به قبل التحاقي بهيئة التدريس بالدار، فقد ارتبط اسمه عند كثيرين من طلبة العلم بمكة بتدريس الكتب الستة والتي لا يكاد يعاني تدريسها إلا الأفذاذ من الشيوخ، ولذا فقد حرصت على القرب منه أستفيد من علمه، وكان رحمه الله عضواً كذلك في المجلس الإداري آنذاك، والذي كان يرأسه الناظر السابق: علي عامر عقلان الأسدي رحمه الله، ومع بدء التدريس والاختلاط بطلبة العلم، عرفت عنه نبل الأخلاق مع جميع الطلاب، وصدق الشيخ عبد العزيز علي العجمي في وصفه إبان دفنه أنه إذا سمع بمشكلة لطالب علم فكأنها مشكلته الخاصة، فيسعى بقوة في حلها، وعمَّ فضله حتى المدرسين، ويكفي أن (مكافأة نهاية الخدمة) بالدار كانت من نتاج مطالباته المتكررة، والتي مات قبل أن تقرر في نظام الدار، رغم أنها كانت مقررة في نظام الدولة!.

أما أكثر ما كان يتميز به هو الفقه العملي، فلم يكن يحب الإغراق في مباحثات علمية قليلة الجدوى، وكثيراً ما أسمعه يقول في مباحثاته: (ما أعقِله من دين الله تعالى هو كذا وكذا)، فيستجيب الحضور له.

ومما له علي من يدِ أن قد أخذني غير مرة معه لمقابلة العلماء، فرافقته لما ذهب للشيخ ابن عثيمين في مجلس خاص، وكذا لما جاء محدث الشام بل الدنيا الألباني إلى جدة، تدبر موعداً خاصاً وكنت معه ومعنا الشيخ إدريس محمد علي رحمه الله والشيخ محمد الشنقيطي، وكانت تلكم الجلسات علمية غزيرة الفوائد، وكذا كانت جلسات الدار، ومما أذكره أنه ذات مرة جاء الشيخ محمد جميل زينو ناصراً القول بأن مضاعفة الصلاة في مكة مختصة بالمسجد، واحتج برواية مسلم في فضل الصلاة في المسجد النبوي بأن (صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة)، فرأى أن ذلك يخص الفضيلة بالمسجد دون باقي الحرم، فراجعته بالآيات التي فيها {المسجد الحرام} وأنها تفيد عموم الحرم، فاعتل بأن هذا إنما قد يكون في الروايات التي فيها أفضلية الصلاة في (المسجد الحرام)، أما رواية مسجد الكعبة فتفيد خصوصية المسجد، لأنه عبر بلفظ (الكعبة) فوجدت الشيخ صلاحاً وقد أخذ كتابه ليذهب إلى الدرس، فقال له {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95]، والمراد الحرم، فسكت الشيخ زينو ولم يراجعه.

لقد كنت مسؤولاً عن الجدول، وقد عُهد للشيخ صلاح تدريس بعض الكتب الستة، ودرس لسنوات طوال: سنني أبي داود والنسائي، ومن له اشتغال بسنن النسائي يعلم مدى صعوبة تدريسه، ولاسيما في معرفة المراد من تراجم أبوابه التي أشبهت تراجم البخاري في كثرة فوائدها، ولربما تعجب الشيخ صلاح من بعضها، كتبويب النسائي في الكبرى بـ(كتاب الضوال)، واستمر يدرس السنن حتى وفاته رحمه الله.

وفي إبان حرب الخليج والعطلة بسبب ذلك، اقترحت على الناظر السابق تطوير المناهج بالدار للتمكن من معادلة شهادتها بكلية أصول الدين بجامعة الإمام، وكلية الحديث بالجامعة الإسلامية، فتشكلت اللجنة من الشيخين صلاح رئيساً، وعضوية د. أحمد حسين وأنا، وصرنا نجتمع لذلك باجتماعات كثيرة مطولة، وعرضت عليهم تقسيم أحاديث الكتب الستة إلى (مدروس) و(مقروء) فاستحسنها، وبدأنا في العمل عليها، وهي نفس المعمول به الآن بالدار، وأضفنا كتباً، وحذفنا أشياء، وكانت نتيجة ذلك معادلة شهادة دار الحديث بالكليتين المذكورتين، لكن جاءت المعادلة بعد وفاته، ولعله من الخير الذي بقي له بعد وفاته.

ثم تزاملت معه بعد ذلك في تحقيق تفسير ابن كثير، فقد جاء الأخ الشيخ عبد الخالق مصطفى واقترح عليَّ أن تقوم لجنة من مشايخ الدار بتحقيق تفسير ابن كثير، بإشراف فضيلة إمام الحرم آنذاك الشيخ د. صالح بن حميد، وبالفعل بدأنا العمل، وكنا خمسة، ثم اعتذر الشيخ عبد العزيز العجمي، والشيخ إدريس محمد علي لظروف عندهما، واستمر في العمل الشيوخ: صلاح والشنقيطي وأنا، وصرنا نجتمع في بيت أحدنا لكن أكثر ما كنا نفعل كان عنده لقراءة ما أنجزناه قبل أن يُعرض على المشرف على المشروع الشيخ صالح، واستمر الأمر طويلاً، ثم اقترح علينا أن نقوم بالاختصار توازياً مع التحقيق، فبدأنا في العمل، وتوقفنا قليلاً عن استكمال التحقيق، وفي ليلة الثلاثاء 18 شوال 1420هـ، أتممنا الاختصار، والجلسة الأخيرة لم أحضرها، فقابلته صباحاً بالدار، وقال مشينا على ما اتفقنا عليه وأتممنا الاختصار، فجمدت الله تعالى، وشكرته، ثم خرجت من الدار، وما أن وصلت البيت وإذا بخبر وفاته يصلني بمكالمة هاتفية، فهرعت وأنا لا أكاد أصدق، فإن موته كان فجأة، ولم يصل الستين، وكان قد توعك فقال للطلاب خذوني لمستشفى أجياد، وقبل يصل المستشفى خرج الدم من جوفه، فقال للطلاب اتركوني أنا أموت، وتشهد وفاضت روحه على باب المستشفى رحمه الله تعالى.

وبعد وفاته أخذنا من أهله مسودات التحقيق، وقسمناها فأخذت قسماً أراجعه وأتمم ما بدأه، وكانت الأوراق تكاد تحدثني بكاتبها، وأتممنا العمل كاملاً في تسع مجلدات كبار تفتقر إلى الآن إلى من يقوم بطباعتها.

لقد عرفت الشيخ عن قرب، وكان التزامه بالسنة ظاهراً عليه في كل أحواله، بل ولما ابتليت بأمر خاص، وحضر يعاونني في حله مع الشيخين محمد آدم ود. أحمد حسين، وقلت لهم أنا أريد ما جاء في النصوص من كذا وكذا بادر إلى نصرتي، وقال معه حق، .... ولا أنساها له.

كان الشيخ صلاح متواضعاً جداً، فقد أتم كتاب (موسوعة نضرة النعيم) مع الشيخين محمد أحمد سيد رحمه الله، والشيخ ناصر مهلل، وبإشراف الشيخ صالح بن حميد، وفوجئت أن أسماء من قام بالعمل تربو على الثلاثين، وأنا والله ما أعرف إلا هؤلاء الثلاثة، فقلت له فابتسم، وذكر أن الآخرين كان لهم القليل من الجهد، فتقديم أسمائهم لا يضر، في دين ولا دنيا.

ذات مرة كان في سيارته القديمة، وركب معه الشيخ ابن عثيمين لأنه كان قد دعاه فلبى دعوته، وفي أجياد قام أحد عساكر المرور بالتسفه عليه، فلم يجبه، ولم يطلب من الشيخ ابن عثيمين أن ينتصر له، وقد آلمني ما يحدث لطلاب العلم من هؤلاء، وإلى الله المشتكى.

كان الطلاب يعرفون تواضعه فكانوا يثقلونه بالمطالب ولا يرد أحداً، تأتيه الزكوات في رمضان فيسارع بإعطاء طلاب العلم، وتأتيه حجج البدل، فيقوم بنفسها باختيار الأكفأ من الطلاب للقيام بها، ويوصيهم بأنها أمانة، ويحتسبون الأجر عن الميت، ولم يترك الحج قط، وكان له رأي مسموع فيما يتعلق بالدار عند الشيخ ابن باز والذي مات قبل الشيخ صلاح مستهل السنة، وحضرنا دفنه بمقابر العدل بمكة، وما هي أشهر إلا ودفن قربه الشيخ صلاح رحم الله الجميع.

وبعد وفاته سافر أهله من مكة التي ولد له بها أولاده، ونزلوا مصر التي لم يرونها قبل ذلك، وطلب أهله شفاعات لعمل بعض ولده بمكة، وقمت بنفسي أذهب إلى من كانوا يحبون الشيخ، بهذا الطلب، لكن لم يحركوا ساكناً، وكم آلمني ذلك، لكن الله يحفظ أهل الشيخ صلاح، فقد كان ممن يخشى الله والله حسيبه، {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9].

ولعل كبار طلاب الشيخ صلاح عرفات يتحفونا ببعض فوائده العلمية التي تلقوها منه..

رحم الله الشيخ صلاح عرفات، وجمعنا به في جناته، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

والله أعلم،  وبالله التوفيق.                                   


كتبه

أ.د خالد بن فوزي حمزة

تعليقات