كيف أثبت "كانط" وجود الله عن طريق الوازع الأخلاقي؟

  • سعيد صادق
  • الإثنين 29 يونيو 2020, 2:06 مساءا
  • 1068

إيمانويل كانط

يتعدد الملحدون وتتعدد نظرياتهم في الكون والطبيعة والخلق والخالق وتكثر أقوالهم المتضاربة حول أمومة الطبيعة لهم أو تعدد الأكوان أو الانفجار العظيم وغيرها من النظريات، وفي الجبهة الأخرى كان هناك من المفكرين والكتاب الذين جابهوا الأفكار الإلحادية بأسلوب رصين، وعلى الرغم من أن كثيرا من الملحدين المحدثين العرب استقوا إلحادهم من نظريات ومؤلفات غربية فإن بعض الغربيين أنفسهم أثبتو وجود الله تعالى ومن بينهم الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط. 

يقرر كانط أن الوازع الأخلاقي في النفس الإنسانية مسلمة على وجود الله، وملخص رأي كانط  أن الكون بما فيه من خلق وتسوية، وما فيه من تقدير وهداية يدل على وجود إله قادر صانع، لكن لا يلزم من قدرته وصنعته أن الغله الذي يصدر منه الخير والنعمنوتتجه إليه القلوب بالعبادة والحب والحمد العظيم، وإنما يثبت وجود هذا الإله بدلالة في النفس الإنسانية، لا يتأتى وجودها فيه بغير وجود إله، وهذا هو ما يسمى الواجب.

صحيح أن كانط رفض الأدلة النظرية على وجود الله في أنماطها الثلاثة: وهي الدليل الأنطولوجي القائم على فكرة الأكمل، والدليل الكوني (الكسمولوجي) القائم على الإمكان، والدليل الفيزيائي اللاهوتي المستند على الشواهد من نظام الكون، فانتهى إلى استحالة وجود دليل نظري صحيح على إثبات وجود الله، لكن نظريته هذه ستتعرض للنقد فيما بعد لكن أراد أن يجعل معرفتنا بالله غاية إيمانية لا معرفة نظرية، لذلك رفض الأدلة النظرية، واتجه صوب الحجة الأخلاقية، فهو هنا لم ينكر وجود الله بل جعله موضوعا إيمانيا لا موضوعا استدلاليا.

فيرى كانط أن التجربة الخُلقية تسفر عن إيمان معقول بحقائق معينة لا يمكن أن يبرهن عليها الميتافيزيقيون وهي: الحرية وخلود النفس والله، وهي الفرضيات التي تقوم عليها الأخلاق، فلا معنى لتأدية الواجب ولا للمسؤولية عن تأديته أو عدم تأديته ما لم يكن الإنسان حرا، ليختار هذا الواجب و يضحي بكل شيء في سبيله، ولا معنى في النهاية لهذه التضحية، إلا في سعادة كاملة يحصل عليها الإنسان في حياة أخرى، وهي حياة غير ممكنة إذا لم يكن الله موجودا، وإذا كانت هذه المبادئ لم تجد ركيزة في العقل النظري، فقد وجدتها في العقل العملي، فالقانون الأخلاقي لا يقوم بلا هذه الحقائق، وعلى هذا الأساس يكون كانط قد أدخل إلى فلسفة الدين ما أسماه باللاهوت الأخلاقي، معناه أن القوانين الأخلاقية تفترض وجود الله، إلا أن العقل يصحح مفاهيمنا عن الله بعد افتراض وجوده عمليا، فهو مانح القانون المطلق، أي أن الواجبات كلها تمثل أوامر إلهية، فالله هو المشرع المطلق ومانح القانون الأخلاقي عن نفسه في صوت الضمير الذي يمثل صوت الإله.

ويقرر كانط أنه إذا أردنا أن نوفق بين السعادة والفضيلة، وجب علينا التسليم بوجود الحارس الأخلاقي الأعلى، العالِم بكل شيء، والقادر على أن يعرف معرفة دقيقة ما يستحقه كل إنسان، أي أن نسلم بوجود الله تسليما، وبأن وجود الله يعد موضوعا من الموضوعات التي يفرضها علينا العقل العملي، ولا مندوحة لنا عن قبولها وإن تعذر الوصول إلى فكرة واضحة عن الله، لأن الله منزه عن عالم الظواهر، في حين أن معرفتنا محدودة قاصرة لا يمكن أن تتجاوز هذا العالم الظاهر.

في مذهبه يرى كانط أيضا أن وجود عالم آخر يأتي بعد انتهاء عالمنا الحسي، يمثل ضرورة نابعة من مبدإ الكمال الأخلاقي الذي يسعى إليه العقل العملي، إذ لا يمكن أن يتحقق ذلك الكمال في هذه الحياة الدنيا ما دامت ميول الإنسان الحسية تعرقل سيطرة الواجب عرقلة متواصلة، فالإنسان مركب من طبيعتين متباينتين، وهو يعجز عن أن يصير قديسا بالإطلاق عن طريق رقيه رقيا غير نهائي حتى يقترب من القداسة، بسبب تغليبه الواجب على الميل والشهوة والمنفعة والعاطفة، وهذا الاقتراب النهائي لا يمكن أن يحصل إلا إذا أمكن دوام شخصيتنا، أي إلا إذا كانت النفس الإنسانية خالدة، لأن الانسجام بين الفضيلة والسعادة لا يمكن تحقيقه في عالمنا الحسي (عالم الظواهر)، ولابد من وجود حياة ثانية غير هذه الحياة الحسية يحقق المرء فيها كماله، وينال الثواب والعقاب اللذين يستحقهما بحسب أعماله وأفعاله.

ويواصل كانت براهينيه: يتضح أننا لو تساءلنا ما هي غاية الله من خلق العالم فليس لنا أن نجيب بأنها سعادة الكائنات العاقلة في هذه الدنيا، بل الخير الأسمى، أي أخلاقية هذه الكائنات، تلك الأخلاقية التي تحتوي وحدها على المقياس الذي وفقا له يمكنهم أن يأملوا في المشاركة في السعادة، بفضل خالق حكيم، ولهذا فإن الذين جعلوا غاية الخليقة تمجيد الله (تحقيق العبودية لله بالمعنى الإسلامي) قد وجدوا التعبير الأصدق، لأنه لا شيء يمجد الله غير ما هو الأجدر بالتقدير في العالم، أعني احترام أوامره، ومراعاة الواجب المقدس الذي تفرضه علينا شريعته، إذا انضاف إلى ذلك تتويج هذه الأوامر الجميلة بسعادة تتناسب وإياها.

يقول كانط: الأخلاق ليست في حقيقة الأمر إذن المذهب الذي يعلمنا كيف يجب علينا أن نجعل أنفسنا سعداء، بل هي التي تعلمنا كيف يجب علينا أن نجعل أنفسنا جديرين بالسعادة، وفقط حين ينضاف إليها الدين، يدخل فينا الأمل في أن نشارك ذات يوم في السعادة بالقدر الذي سعينا به ألا نكون غير جديرين بها، ومن هنا يتجلى دور الدين في الأخلاق، إذ إن الأمل في تحصيل السعادة لا يبدأ إلا مع الدين.

لقد استراح كانط لوجود الله، وفق ما تقتضيه العدالة، لأن الإنسان الخيِّر يجب أن يكافأ، والإنسان الشرير يجب أن يعاقب، وهذا لن يحدث إلا في ظل وجود كائن أسمى يحاسب كل إنسان على ما فعل، كما أن البرهان قائم على وفق ما يقتضيه إمكان الجمع بين الفضيلة والسعادة، إذ لا يمكن الجمع بينهما إلا في ظل وجود ما هو فوق الطبيعة، العالم بكل شيء والقادر على كل شيء، وهذا الكائن الأسمى والموجود ما فوق الطبيعة يمثل الله، وإثباته عند كانط لم يكن بالمناقشات النظرية والحجج المنطقية، بل بالاعتقاد العملي على وفق ضرورة اقتضتها الأخلاق.


لعل الملحدين العرب عبدة الغرب يجدون فيما قال كانط ما يروي ظمأهم في إثبات وجود الله.

تعليقات