الدكتورة أسماء الطناني تكتب : الغربان الفيروسية

  • أحمد بدر نصار
  • الأحد 28 يونيو 2020, 01:26 صباحا
  • 742

الدكتورة أسماء الطناني ..طبيبة وروائية دولية

 

متراصة هي النخلات في ذات أماكنها منذ أن رأيتها في ذلك المكان، باسقة ينفجر من رأسها ينبوع جرائد خضراء جميلة تسكن جزءا من الفراغ الهاديء، سمعت صوت زقزقة عصافير مقترنة بصوت البلابل و هم يقصون علي بعضهم الحكايات بلغتهم السرية ويتبادلون النغمات.

بدأت أتابع تنفسي وآخذ نفسا عميقا وزفيرا قويا يحكي في ذراته الحزن علي ما أصاب العالم عندما احتله عدو بلا سلاح ولا عتاد ولا حجم ولا قدرة علي الظهور إلا تحت أكثر الميكروسكوبات الإلكترونية دقة .

وتساءلت مع النفس العميق التالي أين الحياة؟ أنا أراها لكن لا أشعر بها؛ وكأن كوكب الأرض قد توقف عن الدوران أو صار يدور بالعكس مغلوب علي أمره من ذلك الوباء.

وفجأة وسط أفكاري تلك وتساؤلاتي كانت عيناي ناظرتين للنخيل والطيور الواقفة علي بعض جرائده واسمع نغماتها وفجأة هبط غراب اسود بنعيق لا يسر السامعين علي أحد النخيل فهربت كل الطيور ، وهنا تخيلت أن ذلك الغراب هو فيروس كورونا الذي ينعق في صمت فيروسي معروف فصوت الفيروسات هو صوت الصمت لأنها كائنات ميتة أجل إن الفيروسات كائنات ميتة ذات شفرة جينية تعمل فقط عند دخول جسم الإنسان يالها من مخلوقات غرابية سوداء النية بمنقار ينخر في رئة كل من تحتل جسده فترديه قتيلا إلا من أراد الله نجاته منها.

تلك الغربان الفيروسية أشعر وكأنها جاءت مستوصية بالبشر شرا؛ فقدرتها علي البقاء في كل مكان حولنا رهيبة تبقي لساعات علي بعض الأسطح ولأيام علي بعض الأسطح الاخري، هم فيروسات كالأوغاد سوداويوا الثياب كالغراب .

كان لريش الغراب الأسود معنيً عندي هو معني الموت، وارتداء الثياب السوداء علي المتوفي، لقد فعلها الفيروس فعلا، ألبس قلوب الآلاف ثيابا سوداء على ذويهم من الضحايا.

ومثلما خافت الطيور عند رؤية الغراب وهربت منه؛ أسكن الفيروس في قلوب البشر الرعب منه ومن المستقبل المجهول و ازدادت حالات القلق والتوتر في بقاع الأرض ولم يقتصر الغراب الفيروسي علي ذلك بل اصاب الكوكب بجروح كثيرة نازفة فلا تنقلات بين البلاد، و ألزم البشر بالمكوث في منازلهم لأطول فترة ممكنة وفرض التباعد بين البشر فجعل المسافات المترية بينهم أساسية للوقاية منه، وارتداء الكمامات التي تحجب نصف الوجه فلم يعد يظهر من الناس سوي أعينهم، وأصبحت لغة العيون هي لغة التعارف بين البشر، إنه لأمر عجاب أن يتحكم ذلك الفيروس المتناهي الصغر في حياة البشر، وبقيت الحكمة واضحة وضوح شمس الظهيرة، الحكمة التي يخبرنا الله فيها لكل من نسوا الله فأنساهم أنفسهم أن كل شيء في الكون بيده وأن الإنسان عاجز أمام قدرة الله وأن هذه الدنيا تسير بمشيئة الله، وأنه مهما بلغ علماء العصر من التقدم في العلم فالله هو العليم الحكيم و فوق كل ذي علم عليم، وأن الله قادر علي تغيير مسار حيوات البشر إلي مصائر لم تخطر علي بال أحد. فعل من متعظ؟.

تعليقات