أندلس رشدي حسن تكتب: عبد الستار سليم.. حامل جينات فن الواو

  • سعيد صادق
  • الجمعة 26 يونيو 2020, 11:59 صباحا
  • 148

إنه حقا لشاعر عظيم، فهو ذلك  الإنسان المصري الأصيل الذي أتى إلينا من أقصى صعيد مصر، وبالتحديد من إحدى قرى محافظة  قنا، حاملا بين راحتيه هموم البسطاء والفقراء من أهل الجنوب، ومتغنيا بمواجعهم ومشاكلهم، التي أثقلت كاهلهم عبر مختلف العصور والأزمنة.

 إنه ذلك الشاعر الذي جاء من تلك البقعة البعيدة من أرض مصر، لكي يثري حياتنا الثقافية بمربعاته المغزولة بفن الواو، ذلك الفن الشعبي الأصيل، الذي نشأ وترعرع في قرى جنوب الصعيد، والذي يردده الناس  هناك على ألسنتهم في كل محفل  شعبي وأدبي، وفي كل مناسبة تراثية  أصيلة.

استطاع الشاعر عبد الستار سليم، أن يحول هذا الفن من فن قول وسماع  في المقام الأول، إلى فن كتابة وتدوين على الأوراق، فاخترق زمانه ومكانه، وغدا يُلَوِّحُ لنا بمفردات فن الواو ومربعاته الخالدة، فهو الذي يحمل في أعماقه تراثا شعبيا قيِّما من الأشعار التي  تناقلتها الذاكرة الشعبية عبر الأجيال، وحتى وقتنا هذا.

 وإنه لشيء عظيم حقا، أن يحمل الشاعر عبد الستار سليم تلك الجينات الوراثية الخاصة  بفن الواو، تلك الجينات المغزولة بحنينه الجارف إلى زماناته الماضية، وإلى أصوله بالغة العراقة، فكانت مربعاته الخالدة، التي تعبر بكل صدق عن ذلك الموروث الشعبي، الذي يعد بحق ثروة لغوية هائلة، تحمل بين طياتها  سمات وطبائع البيئة الشعبية في صعيد مصر.

ولا شك في أن أشعاره في مجملها، ما هي إلا تعبير صادق، عن تلك الثقافة النابعة من أعماق الأرض المصرية، بكل ما تحمله من توجهات هؤلاء البسطاء، وعقيدتهم السمحة، والمعبرة عن وجهات نظرهم الكاشفة عن فطرتهم النقية، التي تأصلت فيهم  أزمانا طويلة، فشكَّلت تراثهم العريق وموروثهم الشعبي القديم.

ولقد ساهم  الشاعر عبد الستار سليم، في تشكيل وجداننا بشكل كبير، وذلك بما أنتجه من مربعات قيِّمة في فن الواو، ولقد نجح في ذلك نجاحا عظيما، لما يتمتع به من خبرات حياتية طويلة، فاستطاع  أن يزيل الغبار عن هذا  الفن، وأن يحكم قوالبه، ويضبط ألفاظه ومعانيه، وأن يجعل مربعاته الشعرية، مليئة بألوان مختلفة من البديع، ولا سيما الجناس الذي أثرى به تلك المربعات، ذلك الجناس الذي يساعد لفظُه على إبراز معناه، مما كان له أكبر الأثر في جذب المتلقي إلى جمال عباراته، وإلى جزالة ألفاظه ومعانيه، ومن هنا جاءت أشعاره سهلة لينة، يتقبلها المتلقي بكل شفافية، وينجذب إلى قوافيها بكل شغف، بل إنه  أحيانا يستبق الشاعر إلى ترديد قوافيها ،فيعجل بالنطق بها قبل أن يرددها  الشاعر نفسه.

وتتميز مربعات الشاعر عبد الستار سليم كذلك، بكونها سهلة اللفظ، حسنة السبك، رقيقة المعاني ، يصوغها الشاعر على وزن أحد البحور الخليلية، وهو بحر المجتث، وهنا تكمن براعته  في تجسيد فن الواو، الذي  ينبئ بوضوح وجلاء عن شاعر يمتلك في داخله، ملَكَة جيَّاشة، استطاع أن يوظفها ببراعة شديدة في  قولبة ذلك الفن الشعبي في ذلك الشكل من المربعات التي حظيت بشهرة كبيرة عند الناس على اختلاف ثقافاتهم وهُوياتهم.

استطاع الشاعر عبد الستار سليم  أيضا بما يمتلكه من سرعة البديهة، وقوة الملاحظة، وبلاغة الكلمة، أن يجعل من فن الواو، مرآة صادقة لما يجول في النفس البشرية، ولكل ما يعتمل فيها من متناقضات الحياة، من أفراح وأتراح، ومن سعادة وشقاء، ومن هدوءٍ يحتويها، إلى صخبٍ يعتريها، ولقد أورد الشاعر تعريفا عن فن الواو بقوله: "هو الفن الذي يعبر عن الشكوى من الزمان، ومن غدر الخلان".

ونستطيع أن نقول بكل صدق، إنه قد استطاع أن يصوغ الأغراض الشعرية على اختلاف أنواعها، من خلال تلك المربعات التي تجود بها قريحته، والتي صارت بدورها بمثابة  الحِكَم التي  يتداولها الناس فيما بينهم، والأمثال الشعبية التي تتناقلها الألسنة في كل مكان.

ولقد حمل الشاعر عبد الستار سليم على عاتقه عبء الحفاظ على ذلك الفن التراثي الأصيل، وحمايته من الاندثار، فجاء منتجه الأدبي المتمثل في كتابه الضخم  فن الواو، ذلك الكتاب الذي جمع فيه كل ما يخص ذلك الفن من أساسيات، والذي يتألف من أربعة أجزاء صدر الأول منها عام 2003 ضمن سلسلة الدراسات الشعبية بالهيئة العامة لقصور الثقافة، كما أنَّ لديه إبداعا متميزا في فن الواو يحمل عنوان "واو....عبد الستار سليم" وذلك ضمن سلسلة إبداعات بالهيئة العامة لقصور الثقافة.  

ولقد اهتم الشاعر بقضايا وطنه اهتماما كبيرا، فنظم المربعات التي تهتم بقضية الغربة والاغتراب خارج الوطن، تلك المربعات التي ستظل علامة فارقة في تاريخ هذا الشاعر العظيم، وأيضا تلك المربعات التي تبرز بوضوح وجلاء، مدى انتمائه لجذوره النابعة من طين الأرض، والتي تجسد حنينه المتدفق إلى زمانه الموغل في الأصالة والعراقة، وذلك حينما قال:

كنا قبايل لها شيوخ/ واليوم فين القبايل/ حيط القبيلة اتملا شروخ/ يرحم زمان الهلايل

وللشاعر أيضا مربعات تهتم بالقضايا المجتمعية فهو القائل...

كان ليَّا غيطي وجرني/ سايرين على خط أبونا/ خلوني هديت فرني/ واستنى عيش الطابونة

ونحن إذ نشيد بشخصية ذلك الشاعر العظيم، وبأعماله الخالدة، نعلنها صريحة مدوية أنَّ أشعاره سوف تظل باقيه ما بقي التأريخ.

تعليقات