الأبواب الأفقية.. قصة قصيرة للكاتبة أندلس رشدي

  • سعيد صادق
  • الخميس 04 يونيو 2020, 9:05 مساءا
  • 172

الكاتبة أندلس رشدي

يقطن في تلك البناية القديمة، الكائنة  في إحدى المناطق النائية الموجودة على  أطراف تلك البقعة المهجورة التي لا يرتادها سواه.

حينما اشتدت  ظلمة الليل، وأطبق السكون على عالمه المتفرد في الوحدة والانعزالية ،  تنامى إلى سمعه صوت نقرات خفيفة ومتتابعة على باب بنايته.

  بقدمين مثبَّتتين في ساقين مُعْوَجَّتين ،جعلتاه يمشي بخطوات يشوبهن التعسر والخذلان ،توجه نحو الباب لكي يستطلع أمر تلك  النقرات الغامضة ،وقد أوجس في نفسه منها خِيفة.

دار  بخَلَدِه أن هناك أشياء ربما تكون غير مأمونة العواقب   تكمن  وراء تلك النقرات التي بدت وكأنها  إيقاع جنائزي منتظم يبعث الوحشة في نفسه المضطربة.

  بعينيه المصابتين بالعشى الليلي ،وبأنامله المرتعشة والمتقوسة في تشوهٍ ظاهر، بدأ يتحسس الباب باحثا عن المقبَض الذي سيمكنه من فتحه ،ومن ثم يريحه من عناء الضجر الذي أصابه من جرَّاء سماعه  لصوت  تلك النقرات المُمِلَّة.

  استمر  في البحث عن ذلك المقبض ،ممنيًا نفسه بأنه سوف يمسك زمامه بيمينه ،ومن ثم يحركه  تلك الحركة الدائرية التي ما إن يبدأها حتى يدور المقبض معها ومن ثم  ينفتح الباب.

انزعج انزعاجا شديدا عندما لم يعثر على المقبض ولم يهتدِ إلي مكانه ، ومما زاد من أسباب ذلك الانزعاج لديه، هو تحول تلك النقرات التي دفعته إلى التوجه نحو باب البناية  في ذلك الوقت المتأخر من الليل ، إلى قرع هادر  كقرع الطبول عندما تشتد عليها أيادي الضاربين ، فينهكونها من شدة الضرب والتنكيل.

 كان الموقف صعبًا للغاية، فقد بلغ منه الإجهاد كل مبلغ ، وكاد يسقط مغشيًا عليه ،ولكنه على الرغم من ذلك  استمر في محاولاته المستميتة  لكي يعثر على مَقْبَض الباب.

  أطلق عينيه على اتساعهما  نحو الباب ،محاولا التركيز مليًا في وضع ذلك الباب  المتمرد ،لعله يجد سببًا مقنعًا لعدم عثوره على  ذلك المقبض المراوغ  ،ولكن يا لهول ما رأى ،فقد تبين له أن الباب لا يقف  بشكل رأسى كوضعه المعتاد، وإنما لاحظ أنه  يتمدد أمامه بشكل أفقي في وضع معاكس. 

 أصابته لوثة عقلية ،وكاد أن  يتراجع عن تلك العملية بالكامل ،فلا لزوم إذن للبحث عن المقبض ،وبالتالي لا حاجة له في فتح  الباب وليكن إذن ما يكن ،ولذلك قرر التراجع  للخلف عائدا أدراجه إلى داخل البناية بخُفَّي حُنَين.

 شيء واحد جعله يتسمر في مكانه ،فلا يستطيع أن يبرحه فقد تحول صوت قرع الطبول ،إلى خبطات قوية شديدة  بواسطة ما يشبه العِصِيّ ،  تلك الخبطات اللاتي روَّعْنَه وأصَبْنَه بالرعب والخوف الشديدين، لاعتقاده بأن تلك الخبطات القوية  سوف يؤديْنَ حتما إلى تحطيم الباب .

حدَّث نفسه بأنه ربما تكون هناك محاولة من بعض  الغرباء المتربصين له  بالخارج ،يحاولون تحطيم  ذلك الباب  بتلك العِصِيّ لكي يقتحموا عليه البناية ،ومن ثم يحاولون  التخلص  منه ، ولذلك فقد شحذ كل ماتبقى لديه من همة وعزيمة لكي  يكمل ما بدأه  من رحلة البحث عن  ذلك المقبض المراوغ  حتى يستطيع  أن يفتح الباب، ومن ثم  يستطلع  أمر هؤلاء الغرباء المتوحشين.

هداه تفكيره إلى ضرورة اتخاذ مسلكًا آخر لتنفيذ مهمته التي بات من الواضح  لديه أنها استعصت عليه تماما، وذلك لكون الباب قد  تخلى عن كونه قائما  في وضع رأسي  مثله كمثل باقي الأبواب ،ومن ثمَّ اتخذ وضعا آخر معاكسا تماما، لكونه قد  تمدد بصورة أفقية، مما أدى ذلك  بالتأكيد إلى اختلاف مكان المقبض ،ومن ثم صعوبة العثور عليه مما يجعل معه عملية فتح الباب مستحيلة.

في لحظة فارقة  قررأن يتسلق سطح الباب ،على الرغم من كونه على ذلك  الوضع المعكوس والمرهق للغاية.

 بدأ عملية التسلق بساقين منهكتين، ونفسٍ خائرة  القوى ،وعقلٍ أذابه التشتت والتمزق ، وكلما قطع شوطا في سبيل تحقيق غايته ، فَقَدَ توازنه وهوى إلى الأرض ،الأمر الذي  اضطره إلى إعادة تلك العملية الشاقة  أكثر من مرة .

  بلغ به التعب والإجهاد  كل مبلغ ،  فالباب مازال  يتمدد أمامه  بشكل أفقي ، وساقاه تكادان  تخذلانه تماما، ولذلك فهو  فلا يستطيع إتمام أي محاولة يقوم بها للعثور على المقبض ، ويالها من تجربة  شاقة ومربكة، تلك التي وضع نفسه فيها حينما قرر تسلق الباب وهو على ذلك الوضع المعكوس. 

 سيطرت عليه فكرة مفادها أنَّ ذلك الباب أحمق ومستهترللغاية ،لأنه لم يضع الأمور في نصابها الصحيح وقام بتغيير وضعه بشكل مغاير للمألوف ،ولذلك فقد اتخذ قرارا سريعا  بضرورة تحطيم  ذلك الباب المتمرد على الفور. 

عاد أدراجه إلى داخل البنايه لكي يجلب تلك  الفأس  القديمة المتهالكة التي أنهكها الدهر ،والذي يحتفظ بها في خزانة ملابسه منذ زمن بعيد .

حمل فأسه ثم عاد أدراجه في اتجاه الباب ، لكي يدق على مفاصله  بتلك الفأس ،لكي يخلعه  من مكانه ثم يعيده إلى وضعه القديم ،بحيث يقف بشكل رأسي مرة أخرى . 

اقترب  مرة ثانية من الباب ،قابضا بيديه على فأسه القديم وبدأ  يهوى على مفاصل الباب  بضربات  متتالية ،ولكنها ضعيفة نوعا ما ، فأنَّي له  بذلك العنفوان الذي سوف يساعده على القبض على فأسه بيدٍ من حديد ، حتى يستطيع تحطيم تلك المفاصل القوية ، وقد بلغ من العمر عتِيَّا.

 لم يكن ليشعر باليأس في تلك الأثناء ،وإنما كان مدفوعا بحب الاستطلاع  الشديد لمعرفة ما يحدث خلف الباب ،  وكلما ضرب بفأسه مِفْصَلًا للباب ،شعر بأن ضربات العِصِيّ التي كادت تصيبه بالصمم  منذ لحظات ،قد بدأت في التراجع، وكلما كرر الضرب ، خفتت الأصوات خلف الباب شيئا فشيئا حتى اختفت نهائيا  .

 بعد لأيٍ وجهدٍ شديدين ، تمكن من خلع الباب وزحزحته عن مكانه ، ويالها من صدمة حقيقية أصابته عندما لم يجد أي  آثار لغرباء كانوا  يحاولون تحطيم الباب ، أواقتحام البناية ، أو القضاء عليه من الأساس . 

ولكن الأمر الأكثر غرابة فعلا والذي  جعله يزداد اندهاشا، هو ذلك الهدوء القاتل الذي كان يخيم على تلك البقعة الهادئة التي تقع فيها بنايته ،فلم تكن هناك  أية آثار لضوضاء أو جلبة ،وإنما هو السكون المطبق على المكان والذي اعتاد عليه دائما . 

في تلك الأثناء ، لم يكن ليسمع سوى صوت أنفاسه  المتلاحقة ،وهي تتردد  وسط  ذلك السكون المخيم على المكان ،تلك الأنفاس التي بدت وكأنها لحن حزين يشي باغتراب صاحبه عن المكان الذي يحيا فيه.

شعر بخيبة أمل كبيرة ، ولعن تلك اللحظة التي قرر فيها تحريك الباب من مكانه ، وظل يلوم نفسه على  ذلك الهوس الذي انتابه من جراء تلك الوحدة المضنية التي يحياها  داخل تلك البناية القديمة ،والتي صورت له  حدوث أشياء ليست موجودة على الإطلاق. 

وهاهو يبدأ رحلة جديدة لإرجاع  ذلك الباب إلى مكانه الأصلي ،ويالها من مفاجأة صعقته صعقا، فقد اكتشف أيضا أنَّ الباب لم  يتمدد أصلا بصورة أفقية كما كان متوهما .

المعزوفة الشعرية 

(المقعد المتعرج)

يجلس على حافة مقعده المتعرج...

في تلك الغابات الصماء  ...

محتضنا كأسًا فارغةً....

وملتحفًا بغيمةٍ عمياء.....

كلما أمال الكأسَ إلى فمهِ...

استعصمت عليه...

ولم تُجرِعْه سوى الشقاء...

وكلما ضمَّ الغيمةَ إلى صدرهِ...

تناءت عنه.....

ولم تُذِقْه سوى هجمةٍ  رعناء

فلا الكأسُ أذاقتهُ شهدًا...

ولا الغيمةُ كانت له مهدًا....

فعاد إلى موطنه الخفيّ ..

يبكي ليلته العجماء.




   


تعليقات