السعيد عبد الكريم يكتب: ثرثرة خلف المحراب

  • سعيد صادق
  • الأربعاء 20 مايو 2020, 2:45 مساءا
  • 186

الشاعر السعيد عبد الكريم

في المجموعة القصصية الأولى للصحفي السعودي الصديق (حسين السنونة) المعنونة (ثرثرة خلف المحراب) والتي تحمل طابعا نقديا لكل الأوضاع المجتمعية الخاطئة والسياسية والدينية من وجهة نظر الكاتب  وقد بدأ هذه المجموعة بالقصة التي عنون بها مجموعته المكونة من عشرين قصة أولها (ثرثرة خلف المحراب) التي يناقش فيها بعض العادات الرجعية حتى في دور العبادة في بعض المجتمعات مثل  ترتيب الجلوس في الصف الأول والثاني وفي ذلك إشارة إلى دور الدين في ترتيب المجتمع وهو تقديم الكبار المسنين  فقط لأنهم كبار مسنون حتى إن كان  ذلك ضارا بالمحتمع  وعندما يتأخر الشيخ يعطي لبطل القصة فرصة للتفكير فيما هو خارج المسجد من طلبات الأم والمسلسل التليفزيوني وتمنيه فوز فريقه  والموظف الذي يريد أن ينقل إلى جوار سكنه وأسعار السلع والطماطم التي أصبح الكيلو بسعر برميل النفط في لغة ساخرة كأنه يقول  (لو خشع قلبه لخشعت جوارحه).

في قصة (أجساد ثمله) فهو يتحدث عن حرية المرأة وأبسط قواعدها التي لا تستطيع أن تمارسها مع الطبيعة كالمشي في الشارع مستمتعة بالمطر وهذه أبسط قواعد الحرية التي تحرم منها المرأة وتتهم بالجنون أو يتوعدها المارة بجهنم لا لشيء سوى أنها تسير مستمتعة بحبات المطر في بعض المجتمعات التي لا تؤمن بحرية المرأة وكان النظام الملكي يوثق سيادة الرجل وعبودية النساء كأنهن لسن نصف المجتمع وأمهات الرجال , ثم يتناول في قصة من الذكريات حكاية العائلة ويصنف طبقات الفكر والتفكير وأثر البيئة في تكوين شخصياته وحزن المكان على أصحابه الزائلين، وفي (رسالة من الصين) يتناول فيها المجد العربي الزائل باكيا على زواله وقد يظن القارئ أن حسين السنونة كارها لهذا المجد العربي للجملة الأخيرة في القصة التي يعبر بها عن  ندمه على أنه عربي هذه الجملة ما هي إلا زفرة ألم ووخزة للضمير العربي الذي تراجع مجده وضعفت هيبته ورخص الإنسان فيه.

وبعد تناول في (وهج الخيال ) أنّا في مجتمع تدار أحلامه لا عن طريق العمل المحقق لها كي نسلك الطريق إليها كأنهم لم يدركوا بعد أن لا إرادة بغير عمل ويحدث ذلك حين يدخل أحد المواطنين على بعض الموظفين ويطلب منهم حل مشكلاتهم الثلاثة عن طريق شرب اللبن الساخن قبل النوم والتخيل بحل هذه المشكلات كحلم الفقير بالغنى.. إلخ، ويتناول في (غبار خالص جدا ) مشكلة التشدد الديني الذي يجعل غالب الحكم على الناس بالظاهر وفي عمله السابع المكمل لهذا العمل الذي سبق يرجع الطغيان الديني المتشدد إلى الطبقية المجتمعية المبنية على قواعد العصبية المجتمعية وقد تناول ذلك بوضوح في قصته السابعة (قطط، حشرات، نمل). ويناقش بأسلوب أميل إلى الفكاهة الساخرة مشكلة التكافل الاجتماعي في قضية زواج فقير لا يستطيع الباءة ولم يستطع أبوه المساعدة ورفض رجال الدين والتجار والأصدقاء والمثقف الذي عرضه (السنونه) ظاهرة صوتية ضررة أكثر من نفعه ، إلا أمة فقد قررت بيع ذهبها الذي لا يكفي لشيء وهذا في قصة (مثلث من ورق) وفي كل أعماله ترى السنونة متأثرا بموروثه الديني والبيئي والشعبي والعربي فتأثره بالقرآن واضحا وبالحكمة والمثل واضح ويعود السنونة إلى وجعه وهو نقد عادات المجتمع الذي يعيش فيه وربما يشير في كثير إلى تضخم الوجع إلى أن يصبح عربيا وربما أكثرفيعرض في ( ترانيم مواطن متسكع) مأساة استمرار المسؤول حتى ينقذنا الموت من براثنه ويطرح مشكلة الأحزاب التي تنادي بالحرية أول النهار وتأكل كبد الشعوب ليلا وكذلك المثقف العربي الذي تكسرت كلمته خلف مقاعد الزعماء وكل هذا الطرح من خلال مواطن يخرج كل يوم ليردد أنشودة اللعن  وهي لعن هؤلاء الذين يخاف حتى الموت منهم وقد ساعد على هذا الفساد علماء الأمة  بهذه الجرأة يطرح السنونة آراءه ولأن فساد الشيوخ مهلك للعباد والبلاد يعود حسين السنونة إليهم في قصة (شيخ قريتي) مواطن فقد خطيبته (التي كان عقد قرانه بها) فهي زوجه طلقت وهو يريد أن يصدر فتوى من خلال شيخ قريته الفاسد بوقف زواج هذه  المرأة فهو يرى أن الشيوخ في هذا الزمان على اختلاف المذاهب والفرق يفتون (بدفن البحر و قطع رءوس النخل وحرمة الحب والشعر ويجيزون محبة اللصوص).

وفي قصته الحادية عشرة ما هي إلا انعكاس في مرآة من القصة التاسعة، حيث عودته لمناقشة ثبوت الحكام ولصوقهم في مقاعد الحكم العربي حتى حارس مرمى المنتخب لم يتغير منذ أن كان الكاتب طفلا وفي الدقيقة الخامسة بعد منتصف الليل يعرض تلقى ثلاث أنماط من الشعب خبر موت الرئيس وفي (أصباغ ثمله)

يعرض السنونة المرأة العربية والغربية من خلال فكرة غاية في الطرافة ألا وهي فكرة عرض اللوحات  أي أن تعرض المرأة على خيال الرجال كلوحة، وسقط في بعض التكرار اللغوي الذي يتنافى مع سمة من أهم سمات القصة القصيرة وهو مبدأ الإيجاز مثل التكرار في قوله (نهرتها فلم تنتهر ـ زجرتها فلم تزدجر) وهذا على سبيل المثال لا الحصر. وفي قصة (أنا وأمي والمحرمات) وهنا تقف أمام حالة من حالات اجترار الماضي حين رسمت أمه يدها على خده وهي تسأله ما علاقتك بالنساء ويقع فريسة ذكرياته بعد أن صفعته جدته بعبارة أنت كخالتك نور التي هربت مع معشوقها، ويتذكر تلك الفتاة التي قابلها في الطائرة ويرسم الفرق بين حضارتين وكذلك تأكد الفارق في سرده لقاء الفتاة التي كانت في حديقة أصفهان بإيران وينتقل السنونة في قصته المعنونة بـ(أسئلة  بيضاء مجنونة ) إلى عالم الموت الذي بدأ بتسوق زوجته وشراء كفن لكل منهما ليدخروه لوقت الموت ويتذكر الراوي كل ما تعلق بذاكرته من عمل وبخاصة أعماله الشريرة كضمه لجمانة ابنه عمه وهروبه بالسفر بعد وعدها بالزواج ليعود وهي متزوجة ليلقي عليها اللائمة وأستاذ الحامعة الذي قام بتشويه سمعته لاختلاف الفكر ويتذكر قول صديقه عن اللون الأبيض (آخر لباس يغتصب جسدي) وبعد أن يشعر بالتعب يسير إلى السرير الأبيض  ويترك كل قارئ أمام كفته الأبيض يتذكر أعماله في الحياة وماقدم وأخر وتأتي قصة (ها أنت وحدك ) وهي أشبه بسيرة ذاتية لحسين السنونة غير أنه يلجأ في نصفها إلى الحلول السياسية وقدرة القرار السياسي على التغيير، وفي (ملح بطعم العسل) يتناول أعباء الحياة وبحث الرجال عن أعمال إضافية لإتمام الحياة والتخفيف من أعبائها وكشف زيف الظاهر ووجوب التعامل بعد عشرة الناس وفي قصة (فتجان أسود ورقصة عجوز ) يتحدث الكاتب عن أثر الموسيقا في تشكيل الوجدان وتطور نغم الحياة بتطور الأجيال.

وفي قصة (ثرثرة سجين) يتحدث عن سجناء الرأي ورؤية أهله البسطاء له  وفقده الأهل والحبيبة وكل شيء وفي قصته العشرين والأخيرة في المجموعة حلم تحرير القدس، وفي هذه المجموعة بعض المآخذ فبرغم تطور السرد العربي تطورا واضحا واعتماده على العادي واليومي والمألوف إلا أنه تبقي عناصر القصة القصيرة هي أساس الحكم على جودة العمل مثل مبدأ الوحدة ولقد توفرت وحدة الموضوع ووحده الهدف لدى السنونة في كل مجموعته وأما في مبدأ التكثيف فقد كثف على مستوى الزمان والمكان والشخصيات والصراع والحوار غير أنه كان في قليل ما يقع في عدم مناسبة الحوار للشخصية أو ربما يكون ذلك لاختلاف البيئة وتفصح بعض عامية الملكة العربية الشعودية كذلك هناك بعض الإطناب الذي يبتعد قليلا عن مبدأ التكثيف أحد أهم عناصر القصة القصيرة وكذلك تفاصيل الإنشاء أحد أهم عناصر القصة القصيرة التي تسقط أحيانا مع واقعية الموضوع وقد نجح السنونة في ذلك إلى حد بعيد واكتملت عناصر القصة القصيرة عنده وإني أنتظره بشغف كأحد كتاب القصة القصيرة البارزين في خلال أعوام قليلة.

نموذج من أعماله

أسئلة.. بيضاء مجنونة 

لم أؤمن يوماً من أيام حياتي النشوى بسؤال شؤم.. كلمة شؤم.. يوم شؤم.. شخص شؤم. في أحد الأيام عند رجوع زوجتي من التسوق، أحضرت معها لباس الأموات.."كفنا"مكتوب عليه آيات..دعاء..أحاديث..أسماء عباد صالحين.

- نريد أن يكون كفننا جاهزاً، لا نريد أحداً أن يتصدق علينا بكفن!

هكذا ردت على سؤالي.. استغرابي المرسوم على الوجه.. استفساري المخيف الحزين.. صراخي الصوتي المجنون.

لماذا لا يكون لي خيار الحياة, الولادة، ساعة الموت. لماذا ألبس الكفن عند الموت!!، ألا يمكن أن أدفن عارياً كما خلقني ربي، ارتدائي أجمل الملابس ألا يكون أفضل!!.

أصاب رأسي الدوار.. بشكل سريع سرعة هروب الشمس من قدوم ليل حزين.. تذكرت كل محطات حياتي.. ما فعلته.. ما قلته.. تذكرت قبل سنوات..أياماً..أسابيع..أشهر.. أيام الصبا.. ربيع الشباب..وبداية غزو الشيب حديقة رأسي السوداء.

تذكرت أمي عندما قبلت رأسي وأنا أترك باب البيت مفتوحاً للذهاب للمدرسة.

أبي وهو يلف يدي بساعة غالية الثمن ويوقع شهادة التفوق الدراسي.. أختي الكبيرة تطلق على ابنها الأول اسمي تيمناً بأخيها الوسيم، الذكي، المتفوق. أخي الكبير وهو يراقب تصرفاتي والكتب التي أحضرها إلى البيت، الصراع الديني..الفكري.. الأخلاقي ما بيني وبينه.

بنت الجيران «سلافة» التي قذفت للحياة قبلي،كانت تعترف بحبها لي، ماتت وهي تنتظر «رجوعي» بل «هروبي» إلى "....." 

 القبلة المحرمة التي طبعتها فتاة لغتها عربية، صوتها جبلي، لونها فرنسي، على أحد خديّ، فما كان مني إلا أن رددت التحية بأحسن منها.

‍بنت عمي التي احتضنتها في غفلة من العالم، وعدتها بالزواج، الحب، الحياة المختلفة عن حياة المدينة والقرى، لكن عند رجوعي من "السفر".."الهروب الكبير" كانت أماً، وفي طريقها أن تكون جدة، وحتى أجعلها تعيش الذنب والقهر سميت ابنتي "جمانة".

تذكرت ما فعلناه بأحد الأساتذة في الجامعة وتشويه سمعته عبر كتابات على الجدران ومنشورات، انتقاماً منه لبعض الأفكار التي كان يطرحها أثناء الدروس في الجامعة، بعد سنوات اكتشفنا أننا كنا نعيش في كهف لا تضيئه كل شموع العالم، والأستاذ كان هو الشمعة التي كانت تحاول أن تضيء الكهف!!

تذكرت تلك العائلة التي عاشت الضياع بسبب مكالمة من أحد الأصدقاء واتهام رب العائلة بأنه «عميل» للعولمة الغربية؟.

أعترف أن هناك أمواراً وأسراراً حتى مع نفسي لا أستطع أن أتذكرها!!

أخذت نفساً عميقاً، وضعت كلتا يدي على وجهي، توقف الدم عن التدفق في جسدي، بين العروق.. الحروف,الكلمات ماتت.. تعطلت كل خلايا العقل فلم تعد ترسل أو تستقبل.. عيناي موجودتان فقط في بطن وجهي "مبحلقتين" لا تريان شيئاً أمامهما.. أنفي أصبح بارداً برودة جثة هامدة..

"كفن" يعني الموت..الرحيل.. إلى عالم سمعت عنه كثيراً كثيراً..لماذا..كيف.. متى.. أين؟!.

الموت هو الفلسفة التي لم أفهمها بعد.. الكأس الذي سيشربه جميع البشر.. الحيوانات، النبات، ويقال حتى الجبال..حتى الباشا ملك الموت سيموت.

كيف سأموت طبيعياً، وأنا نائم بعد يوم متعب من الهرولة وراء سراب الخلود، وثرثرة.. أتناول أطباق الطعام الشهي من يد زوجتي،بين أطفالي..ربما وأنا أقود سيارتي ذاهباً لإحدى السهرات المضحكة..سأموت مقتولاً؟ من سيقتلني.. رصاصة.. خنق.. تفجير.. فقد كثر عشاق الدم في زماننا.. هل سأبصر من يغسلني،كيف؟ وأي نوع من المياه سيغسلني بها؟.. يلبسني لباس الأموات، الكفن..يحملني ليرمي بجثتي في بطن الأرض، يطمرون الحفرة بباقي تراب وحجر..بعدها يرحلون عني.. سيفرح البعض ويحزن البعض عند سماع خبر زفاف موتي.

أتمنى منهم أن يحملوا إلى قبري مكتبتي الصغيرة.. وأوراقي التي قذفت عليها وفيها وبين الأسطر بعض كتاباتي. جنوني..أمراضي..اعترافاتي أنني لم أكن سعيدا في حياتي قبل أن ألبس الكفن الأبيض.

الكفن الأبيض.. أتذكر احد أصدقائي عندما سألته.

لم أرك تلبس اللون الأبيض أبدا منذ علاقتي بك.

كان يفاجئني بالرد.. اللون الأبيض هو آخر لباس يغتصب جسدي.

تمنيت أن تلك النطفة لم تقذف، ولم أوجد في كون ليس فيه ما يُفرح.

خروجي للكون مع البكاء، رحيلي للقبر المتوحش مع البكاء، وحياة كلها موت كلها أحزان من صنع الإنسان.

لماذا أموت؟! أريد أن أعيش..أسافر.. أزوج أبنائي..احتضن أحفادي.. أريد أن تستمر الحياة مع زوجتي.. أحب تقبيل يدي أمي والحديث مع عماتي الجميلات.

عماتي الجميلات كم سأكون محسوداً،كل الجميلات يبكين على قبري، متأكد أن أحد أصدقائي سوف يكتبها.

«صديقي الراحل هنيئا لك فكل الجميلات بكين على قبرك الرملي، فحولنه بدموعهن إلى نهر أبيض أتمنى أن اغتسل منه».

أحب شوارع مدينتي..بحرها.. نخيلها.


رفعت بصري من على الكفن.

تركت كل شيء

 حملت جسدي الذي تقوّس

 أجبرت قدماي خائرتي القوى

 على خطوات مصابة بانكسار يعاني منه صاحبه

نحو السرير االأبي.




تعليقات