"النبي إدريس" في مصر وعقيدة التوحيد

  • حاتم السروي
  • الثلاثاء 11 يونيو 2019, 4:48 مساءً
  • 2213
سلسلة قصص الأنبياء والتاريخ

سلسلة قصص الأنبياء والتاريخ

لا نقول جديداً حين نتحدث عن عمق الصلات الروحية التي تجمع مصر مع الدين؛ فالمصريون القدماء آمنوا بإلهٍ واحد وعظموه وكتبوا له التسابيح..وتعدد الآلهة – وهي التهمة التقليدية التي يحلو للبعض ترديدها عن الجانب الديني في حضارة الأسلاف- هي حقيقة لا نشكك في وجودها عند الكهنة؛ فهم الذين خلقوا الآلهة ثم زعموا أنها هي التي خلقت الناس والعالم، وراحوا يرتزقون من شعوذاتهم ومن الوثنية المعيبة التي منحت الفرصة للبعض حتى يصموا الفراعنة بانحراف التصور وفساد العقيدة، لكن الحقيقة التي أقرها كثيرُ من العلماء أن التوحيد لم يكن معجزةً عبرانية ولا اختراعاً يهودياً.

وفي كتابه "قصص الأنبياء والتاريخ" يحدثنا رشدي البدراوي عن نبيٍ جليل عاش في مصر ونادى إلى التوحيد قبل أن يُخلق اليهود بآلاف السنين وتبعه المصريون عن قناعةٍ تامة واختيارٍ حر، وعاشوا من بعده يعبدون إلهاً واحداً لا أرباباً متفرقين، وهذا خلافاً لمن يعتقد برسوخ الوثنية وتجذرها في أرض وادي النيل، وهذا النبي هو إدريس الوارد ذكره  بالقرآن الكريم في سورتين: سورة مريم حيث قول الله تعالى " واذكر في الكتاب إدريس. إنه كان صِدِّيقاً نبيا. ورفعناه مكاناً عليَّا " (الآيتان 56 و57)، وأيضاً في سورة الأنبياء " وإسماعيل وإدريس وذا الكِفل، كلٌ من الصابرين، وأدخلناهم في رحمتنا، إنهم من الصالحين " (الآيتان 85 و86).

ولم يذكر في القرآن الكريم عن إدريس النبي أكثر من ذلك ولعل السبب أن أمته وهم المصريون لم تؤثر عنهم معارضته، بل إن مبادئ الملة الإدريسية كما يذكر البدراوي أثرت فيهم بعمق وبقي الدين محوراً رئيسياً في حياتهم كما هو معلوم؛ لذلك لم يكن في قصتهم عبرة لمن أتى بعدهم من الأمم والقرآن لا يذكر إلا ما فيه عبرة.

وكما كان ذكره في القرآن مختصراً كان ذكره كذلك في كتب قصص الأنبياء، وبعض المؤلفين أو ربما كلهم لم يزد عن صفحات قليلة، والبعض الآخر أضاف ما في كتب التفسير عن قوله تعالى " ورفعناه مكاناً عليَّا " وهي إضافات ليست منها فائدة إذ لم يأتِ في السنة ما يُدَعِّمها ونستطيع القول أنها محض تخيلاتٍ وأساطير.

أما في السنة فقد ورد اسم إدريس في صحيح مسلم حيث نجد في حديث الإسراء قوله عليه الصلاة والسلام " لما عُرِجَ بي أتيت على إدريس في السماء الرابعة ".

أما العهد القديم أو التوراة فذكرت إدريس عليه السلام باقتضاب وأطلقت عليه (أخنوخ) وفي الإصحاح الخامس من سفر التكوين نقرأ " وعاش أخنوخ خمساً وستين سنة وولد متوشالح، وسار أخنوخ مع الله بعدما ولد متوشالح ثلاث مئة سنة وولد بنين وبنات فكانت كل أيام أخنوخ ثلاث مئة وخمساً وستين سنة وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه "  وكلمة أخذه هي المقابل التوراتي لتعبير القرآن الكريم "ورفعناه مكاناً عليَّا".

ونسبه كما ورد بالعهد القديم هو كالتالي: أخنوخ بن يارد بن مهللئيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم..ويخبرنا الدكتور/ رشدي البدراوي في كتابه "قصص الأنبياء والتاريخ" الجزء الأول الصادر عن دار المجلد العربي صــــ45 أن منشأ القول بأن إدريس الذي ورد ذكره في القرآن الكريم هو أخنوخ الوارد في التوراة هو تطابق المعنى بين قوله تعالى "ورفعناه مكاناً عليَّا " وعبارة التوراة "ولم يوجد لأن الله أخذه ".

والمسلمون يعتقدون بأن رفع إدريس عليه السلام كان رفعاً حقيقياً وليس معنوياً إذ إنه لا شك في ارتفاع قدر جميع الأنبياء عند الله، بيد أنه لم يوصف منهم بالرفع إلا إدريس وعيسى عليهما السلام؛ فعُلِمَ من ذلك أنهما رفعا حقيقًة إلى السماء.

ويرى المستشرقون أن إدريس الوارد في القرآن الكريم هو غير أخنوخ، لكن المؤلف يعتقد أنهما واحد، والسؤال الآن: ما هي العلة في ذكر هذا النبي الجليل باسم إدريس؟ والإجابة قد نجدها عند الأستاذ رؤوف أبو سعدة في كتابه (من إعجاز القرآن، الجزء الأول،صـ224) حيث فسر اختلاف الاسم في القرآن على أن إدريس هو الترجمة العربية لمعنى الجذر اللغوي المشتق عنه الاسم الوارد بالتوراة، وهي طريقة يُفتَرض أن القرآن الكريم قد تتبعها في تسمية الأنبياء الوارد ذكرهم فيه، ونراها متبعة أحياناً في بعض الاصطلاحات فنحن نقول (مرض فقر الدم) على سبيل المثال وهي الترجمة العربية لكلمة (أنيميا) المكونة من مقطعين (أن) بمعنى قلة و(إيميا) بمعنى الدم؛ فالقرآن إذن يعود بالاسم الأجنبي إلى جذوره اللغوية ثم يترجم هذه الجذور أو يأخذ مرادفاتها بالعربية، وبتطبيق هذه الطريقة على اسم (أخنوخ) يرى أبو سعدة أن أصلها العبري هو (حنوك) وحسب قواعد العبرية فإن الكاف إذا جاءت بعد حرف علة تنطق خاءاً فتكون (حنوخ)، وحنوك العبرية هذه مشتقة من حنَّك وتقابلها في العربية الحنكة بمعنى الخبرة والمهارة وحسن التدبير وكلمة (حنَّك) تفيد بالعبرية (ثقَّفه وعلَّمه) وكذلك الاسم العربي إدريس معناه الدراس الحاذق الذي علَّم غيره بما يساوي معنى أخنوخ الوارد في التوراة، ونحن نعلم أن إدريس هو الذي علم المصريين الحساب والفلك والكتابة بالأقلام فضلاً عن الدين وعقيدة البعث.

ولكن السؤال: كيف وصل إدريس إلى مصر؟

والإجابة أن إدريس عليه السلام لم يصل إلى مصر لأنه باختصار وُلِدَ فيها، وهذا ما أكده الدكتور رشدي البدراوي، إذ يفترض أن أبناء النبي شيث بن آدم وأحفاده عندما ضاقت بهم الأرض في عدن عبروا مضيق باب المندب وكان في ذلك الوقت جافاً يسهل اجتيازه ثم واصلوا سيرهم شمالاً حتى وصلوا أرض مصر.

وإدريس أُعطِيَ النبوة بعد شيث وآدم عليهما السلام، وقال مجاهد في تفسيره إن إدريس لم يمت وإنما رُفِعَ كما رُفِع المسيح وكان رفعه إلى السماء الرابعة، وأغلب الأقوال أنه ولد بمصر، وذهب فريق إلى ولادته في بابل ولما وجد أن من أطاعوه في رسالته نفرٌ قليل نوى الرحلة وسار بمن معه حتى أشرفوا على وادي النيل، ونعتقد أن الأصح هو ولادته في مصر إذ إن أبناء شيث على المرجح اتجهوا غرباً لرغبتهم في مغايرة الطريق الذي سلكه قاتل أخيه قابيل بن آدم وأبناؤه، والأقرب إلى التصور أنهم ارتحلوا من عدن إلى مصر عن طريق باب المندب ولم يرتحلوا إلى العراق أولاً.

ولما كانت البشرية لازالت تحبو في طفولتها الباكرة وكانت تحتاج إلى الكثير من علوم الدنيا لتمضي في رحلتها على الأرض، كما كانت تحتاج إلى تأصيل إدراكها بالعالم الآخر وعقيدة البعث والجزاء كان هذا هو محور دعوة إدريس عليه السلام فقد علَّم الناس أمور دينهم ودنياهم.

وذكر الألوسي في تفسيره أن إدريس هو أول من خطَّ بالقلم وأدخل الكتابة وكان خياطاً فصنع القماش من الكتان ولبس المخيط - وكان الناس قبله يلبسون الجلود – واتخذ المكاييل والموازين وهو أول من درَّس النجوم فقد ألهمه الله عز وجل أسرار الفلك وأفهمه عدد السنين والحساب، كذا قيل إنه أول من علَّم الطب وأنه أول من وضع فكرة بناء البيوت على هيئة قرى أو مدن، ويقال إن عدد المدن التي أنشئت في زمانه بلغ 188 مدينة، كذلك يقال إنه قسم البلاد إلى أقسامٍ أربعة وجعل على كل قسم حاكماً يسوس الناس.

والخلاصة أن الله تعالى ألهمه من أمور الدنيا أساس الحضارات من الكتابة والموازين والثياب وعلوم الطب والسياسة والفلك والهندسة، أما عن الدين فقد كان نبياً أنزل الله عليه كما يقال ثلاثين صحيفة كان فيها الدعوة إلى دين الله والتوحيد والعبادة وتخليص النفوس من الخطايا والآثام وأن هناك حياة أخرى توزن فيها الأعمال، كما أنه دعا الناس إلى العدالة والعمل الصالح وأمرهم بالصلاة والصيام وإعطاء جزء من أموالهم للفقراء.

ويقول كثير من العلماء إن أدريس عليه السلام هو نفسه الحكيم الأعظم هرمس والذي كان من أقواله:

-        حياة النفس الحكمة.

-        حب الدنيا وحب الآخرة لا يجتمعان في قلبٍ أبدا.

-        إذا دعوتم الله فأخلصوا النية.

-        تجنبوا المكاسب الدنيئة.

-        لا تحلفوا كاذبين.

 وبقيت هناك حكمٌ كثيرة قالها إدريس ومن جاء بعده ولا زالت الحكمة هي نور السالكين وضالة المؤمنين وبها فقط يكون للحياة معنى.

تعليقات