صلوات خاصة.. قصة قصيرة لبستاني النداف

  • جداريات Jedariiat
  • الإثنين 04 نوفمبر 2019, 6:10 مساءا
  • 545

القاص بستاني النداف

أتسلق أبي مثل شجرة، يمد فروعه ويلتقفني إلى أعلى، يقبلني، شاربه الكث يلامس وجنتي في حنان، أعتلي رقبته بينما قدماي تنداحان إلى أسفل ملامسة صدره، عيناي تصافحان الدنيا من أعلى، يتحرك بي كقاطرة تسير على مهل، فأسه تجاور فخذي الأيمن على كتفه العريض، الشمس تمد أشعتها علينا، أمد يدي لألامسها، وهى تتحرك فوق عمامته البيضاء ثم أطاردها بيدي حين تنزل على شعر صدره الكثيف الذي يظهر من جيب صدره، يضحك، ثم  ينظر إليَّ في حنو، سحب الدخان الخارجة من فمه تتصاعد لأعلى، أهشها بيدي وأنفخ فيها أمامي لتتمايل يمنة ويسرة، أنظر لها وقد أضحت خلفي كدخان تراجع خلف عربات القطار، يضحك أعمامي الذين يسيرون بمحاذاة أبى، ويتبادلون الحكايا، أنظر لفؤوسهم العريضة وقد أحكمت فوق أكتافهم.

 ـ أريد فأسا أضعها على كتفي مثلكم يا أبى.

يضحكون.

 ـ عندما تكبر يا ذراعي.

أنا لست ذراعا يا أبى!

ـ بل أنت ذراع لي في وقت الشدة، هل ستساعدني عندما أكبر وأصير عجوزا؟

 ـ هل ستصير عجوزا يا أبى!

يضحكون:

 ـ ابنك يراك شابا يا علي!

 ـ لم تجبني.

 ـ نعم يا أبى سأكون ذراعا لك.

أنظر لسواعده المفتولة.

 ـ هل سيصير ذراعي مثلك؟!

 ـ نعم، وستصير قويا إن شاء الله.

 ـ أريد فأسا الآن.

يمسك بذراعي ويضع أصابعه عليها.

 ـ مازالت صغيرا يا ولدى، ستكبر عندما تنمو هذه الشجرة وتصير كبيرة.

ويشير إليها، أنظر إليها.

 ـ أنا أكبر منها يا أبي!

 ـ سوف تنموان سويا، اهتم بها وارعها .

 ـ أمرك يا أبي.

أعمامي يدبون الأرض بأقدامهم بقوة، يتبادلون الضحكات، لا يحملون للدنيا هما.

يداعبني عمى خضر.

 ـ سوف أحضر لك فأسا من الغد، ستسدد لي ثمنها من عملك.

أجبه وأنا أحرك سبابتي وأتخيل أنني أحرك شاربي، أغلظ من صوتي مثل صوت الكبير.

 ـ أنا لا أحب الدين يا خضر.

يضحكون حتى  تكاد أن تقع فؤوسهم على الأرض، يتحدث عمى خضر بصعوبة عندما تختلط ضحكاته بسعال كثيف.

 ـ خضر حاف من غير غموس، لا يوجد عمى!

يقول أبى:

 ـ رجل يا ذراعي، في الغد سنذهب للحداد ونسن لك فأسا صغيرا.

 ـ صحيح يا أبي؟

 ـ نعم.

أشعة الشمس تنتشر في الطريق بسرعة وكأنها تسابقنا للحقل المراد عزقه، زقزقة العصافير تملأ الأشجار، أرى الأسماك ترقص في القناة التي تسير بمحاذاتنا، طائر يقفز من فوق الشجرة ليلتهم إحداها، أصرخ فيه:

 -اترك السمكة.

يضحكون بصوت عال، يهدّئ أبي من غضبي.

 ـ إنها رزقه يا ولدي.

أمتنع عن الحديث معهم حتى نصل للحقل، ينزلني أبي من بين أغصانه، ما إن تلامس قدماي الأرض حتى أجري بسرعة وسط الزراعات في فرح.

 يرفع أبي فأسه وكأنها تؤدي الصلاة، تنزل بقوة على الأرض مرتلة حديثا يبدو لي أن الأرض تفهمه فقط، بين كل ركعة وأخرى يزداد تسبيح الأرض، تواصل فأسه السجود على الأرض؛ فيزداد خشوعها، تتقلب؛ يزداد جمالها بين كل قلبة وأخرى، تظهر كل مفاتنها للفأس فيزداد شرهها في التمتع بتلك الحورية النائمة الممددة في سعادة،أري فأس أبي تقول لها:

 ـ ماذا ستنجبين لي؟

 ـ سوف أنجب زرعا جميلا بألوان بهية.

 أضحك عليهما.

 ـ أبي، الأرض والفأس تتحدثان!!!!

يضحك أعمامي.

 ـ ولدك غريب يا علي!!

ينظر أبي متأملا ملامحي.

 ـ وماذا يقولان؟!

 ـ  سينجبان زرعا بألوان جميلة.

 ـ قالا ذلك؟!

 ـ نعم.

 ـ الله عليك يا أبا البركات.

يترك أعمامي فؤوسهم وينظرون إلينا في عجب، يرفع عمي خضر يده إلى السماء ويخاطب نفسه بصوت مرتفع.

  ـ الدنيا أسرار وسبحانه عالم  حالها!!

الشمس تصفع حبات العرق المتدلية من جبين عمي خضر فيخرج من شروده، يزعق بصوت مرتفع

 ـ يا مسهل، يا كريم.

 يعودون للعمل مرة أخرى، تنهال الفؤوس لتواصل الصلاة.

 في المساء يزداد سعال أبي، تكلمه أمي شفقة عليه.

 ـ كفاية يا علي شرب الدخان، أنت نسيت كلام الدكتور، حياتك في خطر.

يخرج أبي ضحكة مدوية ثم يقول.

 ـ الدكتور مات وقبره منفوخ فوق الأرض، كان أنقذ نفسه.

تصرخ فيه.

 ـ يا علي!!!!!!!

 ـ لما أموووووووت ارمي سيجارة في الكفن.

ذات ليلة من الليالي يأيت الطائر ويحاول التهام روح أبي، أحاول منعه، ينظر أبي بعين زائغة.

 ـ أتركه يا ولدي، إنها رزقه.

ثم ينظر لأمي

لا تنسي أن تضعي السيجارة في الكفن.

يطلق ضحكة مدوية ثم يموت.

 في الصباح كانت فأس أبي تتلقى العزاء فيه، بعدها انفلقت لجزأين.

 في طريقنا المعتاد سرت معهم هذه المرة دون أبي، حملت فأسي الصغيرة فوق كتفي، أعمامي يسيرون جواري كغيمة حزينة، طريقنا كانت طويلة هذه المرة، الشمس تسير حافية أمامنا، وجوم وصمت يرتسم عليها، الضحكات تنزل من المآقي في غير فرح، الفؤوس يتلاشى لمعانها في موكبنا الحزين.

نصل للشجرة، أرى وصية أبي معلقة عليها.

أحمل أعمامي واحدا تلو الأخر، تنتفخ بهم المقابر، تتناقص الفؤوس، تنفلق واحدة تلو الأخرى.

تنمو الشجرة وتزداد فروعها وأوراقها بينما ينحني ظهري تحتها، يجتمع أحفادي تحتها، أحكي لهم قصة فأس أبي والأرض، تغيب الضحكات من على وجوههم، الغربة تكسو أوراقها.

يعلن أحدهم بأنه سوف يقتلع أحد فروعها  ويصنع  منه فأسا، أسأله:

 ـ لماذا؟!

يجيبني

 ـ حتى أقطع تلك الشجرة.

أتمتم بألم شديد.

الشجرة يقطعها أحد فروعها!!.

أنظر لهم بحزن ثم أسير نحو داري وأغلق الباب..

تعليقات