ننشر أبحاث مؤتمر القصة الشاعرة قبل انعقاده (3).. الدكتور حسين مناور: الأصداء الدلالية للأمكنة في القصة الشاعرة

  • سعيد صادق
  • الإثنين 14 أكتوبر 2019, 5:41 مساءا
  • 259

الدكتور حسين مناور

حصلت "جداريات" على أبحاث المؤتمر العاشر للقصة الشاعرة المقرر انعقاده على مدار يوم الأحد والاثنين 20 و21 أكتوبر، بعنوان: "القصة الشاعرة بين سيكولوجية الإبداع والنص الجامع" دورة "طه حسين.. عميد المجددين"، وقد حصلت جداريات على أبحاث المؤتمر وتنشره على مدار الأيام المقبلة قبل انعقاد االمؤتمر، ومن ضمن الأبحاث دراسة مهمة للناقد الدكتور  حسين مناور، مدرس اللغة العربية بجامعة الملك فيصل بالسعودية، بعنوان "الأصداء الدلالية للأمكنة في القصة الشاعرة"، وإلى الدراسة.


        الأصداء الدلالية للأمكنة في القصة الشاعرة

             

وأبدأ قراءتي من المظانّ الطبوغرافيّة للمكان, من المقدمات الطلليّة في الشعر العربي القديم وما تلاه وناظره , إذ استودع فيها الشعراء المَركومَ العاطفيّ والوجدانيّ ولُجاج الحنين؛ حتى إذا ما تأوّرت أكبادُهم؛ خلعوا على الأمكنة دلالاتٍ رمزيّة, وشحنوها بوقودهم الإبداعي الذّاتيّ, وحقنوها بدم الحياة؛ رجاءَ استنباضِها من جديد, ودفعها لأن تقومَ على أقدامها. وأفضَت عمليةُ الإِحياء هذه إلى انبعاث قيَمٍ أُخرى لصيقة بالإنسان، كالحياة والموت والغربة والحُب.

  وفي العهود المتأخّرة والمعاصِرة, انتفت الحاجة الفتوغرافيّة للمكان, فهجّنوا أطلالاً بديلة تُناسب العصرَ وتتسع له, بملامح حقيقيّة وخياليّة, وظهر هذا المزيج جليّاً في شعر (بدر شاكر السيّاب), فأنشأه خَلْقاً آخر, وعَمَرهُ بالحياة؛ لِيشغبَ على غوائل الفَناء. ثم يطلّ علينا (غوستاف باشلار)؛ بوصفه من أوائل الذين أولوا المكانَ اهتماماً لافتاً, وذلك في إشارته إلى شِعريّة المكان في النصّ الأدبيّ, والمتمثّلة في الإضافات الجميلة التي يمكن للإنسان أن يُضْفيها على العالَم المحيط به؛ بما يشبهُ وُجهة نظر جديدة للمكان, أو قل المكان الفني الذي نشكّله لِتسمين خيالاتِنا, ونشتمّ من فلسفة (باشلار) المكانيّة بأن الإنسان ينجذبُ إلى التجذّر في ركنٍ من هذا العالم, ولو عبر ابتكاراته الخياليّة والإبداعيّة .

  لا يكون المكانُ في الأدب بِعامّة مُحايداً, ولا يقفُ الكاتبُ عند حدوده الجغرافيّة,  بل يتجاوزها إلى ما بعدها, فالكاتبُ يخلعُ على المكان كِسوةً فنيّة؛ تتيحُ له توظيفهُ لِمقاصدِه, باعتبارهِ الشيء الممسوك بالخيال. ويرتقي به لتعزيز التّفاعل بينه وبين المكوّنات البِنيويّة الأُخرى؛ سرديّة أو شِعريّة؛ من شأنه أن يدفع القارئ إلى فضاءات التّخيل, ومناسِل التّأويل, ولذيذ الاسترجاع والاستشراف, فيغدو مُترعاً بالمؤونة الدّلاليّة طافحاً بالحركة, متوّهجاً بالإحالات, وهكذا يُصبح المكان الرمز العصا السّحريّة بيد المبدِع, تُطيعُه بها القواصي والعواصي.

  رحميّةُ المكان موئلُ الإيحاء والإثارة والتّحريك, محشوّة بالزمن, بعيدِه وقريبه, ماضيهِ وحاضِرِهِ, ضائِعِهِ ومُرتقبِه, وينطق بالواقع الثقافيّ والسياسيّ والاجتماعيّ والإيديولوجيّ, والاقتصاديّ والنّفسيّ يُثيرُه ولا يقولُه, تتناسلُ فيه المعاني وتتكاثر, وهو؛ أي المكان الرحميّ يُشكّل حجر الزّاوية في الذاكرة العامّة, المِدرارة بهواجس الوجود والمواجِد.

وفي ما يلي سأدوّن مُعجماً للأمكنة التي جاءت في جانبٍ من أعمال الشاعر محمد الشحات محمد , و أفوّجُها في خمسة حقولٍ دلاليّة, على أنّ هذه الحقول لا تفصلها جدرانٌ صارمة, فقد يرِد المكانُ في أكثر من حقل, وِفاقاً لأبعادها الدّلاليّة المتعدّدة, وسأُرتّبُ الحقولَ ترتيباً يستدعيه منطقُ الدراسة, وسأسرِدُ الأمكنةَ داخل كل حقلٍ على الترتيب الألف بائيّ, وأُقفّي كلَّ مكان بالسيّاق النصّيّ الذي حَواهَ:

1-    الأمكنة الرّوحية والمثيولوجيّة:

-        أطلس موسى: انظر (البصرة) في الحقل الوطني والسياسيّ.

-        الباب: "أغلقت الباب, فأخرجها قسْراً تعتذر, ولكن ... هيتَ لها"

-        البروج: "مُتكئاً في البروج على شفتيه"

-        بيت العزاء: "جلستْ وحدها في عزاء أبيها"

-        بيت لحم: "في حواري بيت لحم حيث كان العشقُ يوماً..."

-        بيوت الردّة: "طاف على بيوت الردّة الكُبرى ..."

-        سدرة المنتهى : "توارت سدرةٌ في المُنتهى ..."

-        سيناء: انظر الحقل الوطني والسياسي

-        طور سنين: انظر الحقل الشمولي العام

-        غابات كسرى: "إثر الحملة الأولى على غابات كسرى "

-        القدس: انظر سينا في الحقل الوطني والسياسي

-        قم: "إضافة مؤتمر الحب والسفراء لتكريم قمني وقيس الفُرات "

-        كنائس: "كنائس دقّت , ومعابد راحت تصلّي "

-        الكهف: "والتفاف الشمس حول الكهف "

-        المُتوضأ: "بلا سبب توضّأ ثم صلى ركعتين "

-        المدفن: " بينما ظلت تغنّي حيث ماتت"

-        مسجد الروضة : "صرخ الناس في مسجد الروضة ..."

-        المُصلّى: انظر المتوضأ في هذا الحقل

-        معابد: انظر كنائس بالحقل نفسه

-        مقبرة: "زهور وأعشاش صبرا تُفجّر مقبرة الإخطبوط"

-        منابر: "فاستراح النهار على زند أجوبة البدر لولا احتجاج المنابر"

-        هيكل: "طوى الهيكل السدرة "

2-    الأمكنة العامّة الشموليّة :

-        الإذاعة : " علا صوت المذيع"

-        الأرض: " تداخلت الفِرق, انشقت الأرض"

-        الإطلنطي: " تولّى حكم بُحيرة أهل البصرة في الإِطلنطي"

-        الإنترنت: "يقتاتُ هدايا السحت مساء الجمعة عبر مواقع الإنترنت"

-        البحر: " أو يفتح بحرٌ أشرعة الأرض الثكلى بالفيروز"

-        البلاد: " وطار إلى بلاد يلبس الأنفال قبّعة"

-        البلد : " ذهب السيل اعلى البلد المعروفة "

-        البنك: "فانشقت مجرّات وأرصدة ببنك المشتري"

-        البيت:  "وهّزت أركان البيت حكاية فيروسات الأنفلونزا وغياب الطفلة"

-        بيت العزاء : انظر حقل الأمكنة الروحية والمثيولوجية

-        الثريا: انظر المعجم السيميائي

-        السّجن: انظر حقل الأمكنة الوطنية والسياسيّة

-        الشاشة: " عاد إلى الشاشة النور"

-        الشرق الأوسط : "تقرر تدويل صرف مصانع منطقة الشرق الأوسط "

-        الشطآن: " وهبّت الشطآن في جسد البراءة"

-        العشّ: " عندما أسقط فلاح من العش عصيفيرا..."

-        الغرب: " من نافذة الغرب رآها تعدو نحو صوامع شرق الدّلتا"

-        قاعات: "وفي قاعة حكام المستقبل .."

-        الكون: "تهتُ وأضّداد أزمنة الكون في مستجدات لون الفراغ"

-        مأوى: "لم تجد إلاّ بقايا الكهف وامرأة بلا مأوى "

-        مجلس الأمن : "تولى مجلساً للأمن"

-        محطّات: "دقّت محطّات الأنوثة في السّياسة"

-        مدافن: انظر حقل الأمكنة الروحية والمثيولوجية

-        مدرسة: "وشيوخ وأطفال مدرسة الشك في حارة المغرب العربيّ"

-        مستشفى: "كان على الأم استدعاء الشرطة والمستشفى"

-        مصانع: انظر الشرق الأوسط في الحقل نفسه

-        منابر: انظر في الحقل الروحي والمثيولوجي

-        ميدان: "دقّت الأجراس في قلب الميادين"

3-    الأمكنة الوطنيّة والسّياسيّة :

-        الإطلنطي: انظر حقل الأمكنة العامة الشموليّة

-        أفدنة: "وفوضى الغصون تراهن أفدنة الشهداء"

-        بحر مويس: "دارت بنت المنصورة في بحر مويس .."

-        البصرة: انظر حقل الأمكنة العامة والشموليّة

-        بغداد: "بات الإرهاب سجيناً في حلب وبغداد, بني غازي وتيران, صنافير، أطلس موسى"

-        بني غازي: انظر بغداد في الحقل نفسه

-        البيت الأبيض: "راح يصبّ الجزية في البيت الأبيض"

-        بيت لحم:  انظر حقل الأمكنة الروحية والمثيولوجية

-        تلال: "توارت خلف أتلال من البخر"

-        تضاريس: "تضاريس تعلن قائمة الفائزين"

-        تيران: انظر بغداد في الحقل نفسه

-        جدران: "وجدار المنطقة الخضراء"

-        الجنوب: "فتحت طفولتها على عين تواريها براويز الأشعّة في جنوب اليتم"

-        حائط: "سكنت في الحوائط زاوية .."

-        حُجرة: "عربية عادت كتائب حُجرة التسييس"

-        حلب: انظر بغداد في الحقل نفسه

-        الخطّ الفاصل: "ترسيم الخطّ الفاصل عولمة"

-        الدّلتا:  انظر كلمة الغرب في الحقل العام الشمولي

-        روابي: " فاعتادت سكون البحر طمساً للروابي"

-        سجن: "سادتيّاً كان قرار الإفراج عن السجن السريّ"

-        سدّ: "وصفت في تقرير الإخلاء مواعيد الحرب على السد ومصفى الوادي"

-        السلك الشائك: "أعلن أن الأسرى هربوا نحو السلك الشائك..."

-        سينا: "الأرض ثكلى بالفيروز السّيناوي والقدس الشرقيّة "

-        الشرق الأوسط : انظر مصانع في الحقل العام الشمولي

-        صبرا: انظر مقبرة في الحقل الروحي والمثيولوجي

-        صنافير: انظر بغداد في الحقل نفسه

-        طور سنين: "على طور سنين روحا تناثرت الأمنيات "

-        الغرب: انظر الحقل العام الشمولي

-        الفرات: " لتكريم قمني وقيس الفرات "

-        القدس: انظر سينا في الحقل نفسه

-        مجلس الأمن: انظر الحقل العام الشمولي

-        مسجد الروضة: انظر الحقل الروحي والمثيولوجي

-        مصيدة: "توارت انباء العنكبوت يضاجع الفئران مصيدة لأحلام الصبايا"

-        المغرب العربي: "مدرسة الشك في حارة المغرب العربي"

-        المنصورة: "دارت بنت المنصورة في بحر مويس"

-        المنطقة الخضراء: ".. وجدار المنطقة الخضراء "

-        الوادي: انظر السدّ في الحقل نفسه

-        وطن العقارب: "كان العلوج يمارسون الصبّ في وطن العقارب"

4-    الأمكنة السيميائيّة :

-        براويز:" فاستراحت براويز حجرته"

-        بطن: "كانت الأحداث في عين احتباس المطر الزاحف نحو الكمر السّاقط من بطن الثّريا"

-        بويضة: "غابت شمس كسرى في بويضات الأماني"

-        الثّريا: "انظر بطن في الحقل نفسه

-        الجسد: "مات حيّاً فوق أجساد الروابي"

-        الرأس: "ثم قال الآن تسّاقط فوق الرأس شمسٌ"

-        الزّند: "استراح النهار على زند أجوبة البدر "

-        السّحب: "تُشرق الشمس مع السحب التي شقت صفاء الجو "

-        سرير السّكوت: "تحرّك ضلعاه فوق سرير السكوت"

-        الصّدر: "فاشتقت إلى أمي التي غابت على صدر رصاصات التّدني"

-        العين: "وتدلّى من عيون المِزلقان الفخُّ"

-        الغيوم المستديره :  "يعاد اللاجئون إلى الغيوم المستديرة .."

-        الفراغ: انظر كلمة الكون في الحقل العام الشمولي

-        القلب: " زرعت أوردتها في قلب شريان...."

-        الكمر: انظر بطن في الحقل نفسه

-        المحار: "تخبّئ في المحار جنوده ..."

-        المرآة: " تنساب في المرآة "

5-    المكان الطّباعي السطري :

هو الحيّز الكتابي الذي شغلته القصّة الشاعرة, وسأدوّن ثلاثة نصوص للشاعر محمد الشحات محمد ؛ تمثيلاً لأحيازها القصيرة والوسطى والطويلة.

أ‌-       قصة شاعرة قصيرة بعنوان (ردّ) :

 "أغلقت الباب, فأخرجها قسْراً تعتذر, ولكن ...هيتَ لها؟"

ب‌-   قصّة شاعرة وسطى بعنوان (أشرقت) :

  "فتحتْ طفولتها على عين تواريها براويزُ الأشعة في جنوب اليُتم..., ذات محبة راحت تُراود نفسها عن نفسها..., تنسابُ في المرآة, تبدو سدرة حيناً وحيناً تشتهي جسد التمنّي عارياً... دقّت محطّات الأنوثة في السياسة ..., أشرقت ."

ج-  قصة شاعرة كبيرة بعنوان (شملول) :

  "عربية عادت كتائب حجرة التسييس ..., فاوضت الشريك الليلَ في امر الديون المُستردّة "حيزبون" ... أسقطت مليار نُصّ قبل منتصف الشّروق ..., توارت أنباء العنكبوت يُضاجع الفئران مصيدة لأحلام الصبايا خلسة ..., كان العلوج يمارسون الصبّ في وطن العقارب خشية الإملاق " سعودةً" توارت سدرة في المنتهى حتى أزاحت "عهد" أقنعة المنظمة الشقية كيفما شاءت ..., بدأ "شملول" في القاعات مسعوراً, يواجه طفلةً..., صرخت على الجدران, فانشقت حجراتٌ و أرصدة لبنك المشتري...!"

 

  وفي جولة تأمليّة في الحقول المكانية الآنفة, نتبيّن أن الشحات يتخطّى حياديّة المكان, ويعبر منه إلى ما بعده, ويتّضح ذلك حين يرِد المكان في سياقه الشعريّ السرديّ, فَيُضْرِمُه بالمجازات والصور, ويتّخذ له بيئة فنية أُخرى, تعفيه من جموده الطبوغرافيّ, أو كما أشار (دي سوسير)؛ لينقله من مقلعه المُعجمي إلى موطن الشاعر الذاتي والنفسيّ, حينها يغدو المكان الذي يريده المبدِع, المكان الذي يتقدّح بالشّرر الرمزيّ والدلاليّ والإحاليّ والاسترجاعيّ تارة والموضعي تارة والاستشرافيّ تارة, وفي كل الاتجاهات, من شأنه أن يُفعّل أدواته الفنيّة في السّبر والكشف والرّدم وتنوير المُعتم الغائر, أو قتل المسافات ووضع القارئ في مهبّ التأويلات المفتوحة, إلى جانب تطوير نظام التخزين اللغوي, والاستعاضه عن الكثير بالقليل, من دون أن يستبعد إرضاء البصر والأذن والذوق, بما يتوافق مع اللّذة والجمال.

  صحيح أن المكان بطاقاته البنيويّة المُذهلة, يلعب دوراً كبيراً في تخصيب الأجناس بعامّة, لكنّه خصيصة تخزينيّة وإشاريّة للقصة الشاعرة, يتناسبُ مع كيميائيتها الشعرية السرديّة وكثافتها, بوصفها الجنس الأدبيّ الذي خف وزنه وثقُلت قيمته.

  بين أيدينا خمسة حقول دلاليّة, في مطلعها حقل الأمكنة الروحية والمثيولوجيّة, وهذه الأمكنة تمتلكها الذاكرة البشريّة العامّة, وكلما تراكمت عليها العهود, كلما انجذب إليها البشر وتفتّقت بوجدانهم؛ بسبب سطوتها الروحيّة والتاريخيّة, ومنها وبها وفيها يجد الإنسان الجواب الشافي لتساؤله الوجوديّ الكبير, الذي يتأوّبه بلا انقطاع, به يفسّر نشأته ومصيره في الحياة وما بعد الحياة, وبها يقبض الكاتب على الزمن الفائت والجاري والمراوغ, بدءاً من الينابيع والجذور وحتى المصبات والثمار, يعمُرها برُؤاه, وبدورها تعمُر نصوصه, يخلع عليها الحياة من جديد؛ لتدفق في محيطه السياسيّ والاجتماعيّ والإيديولوجي والثقافي ...تعبيراً وتوظيفاً, كما لو كان ينظر إلى الحاضر بعين الماضي, أو يقرأ الماضي بعين الحاضر, وكذا فإن الشحات يُحيلُ هذه الأوابد إلى رموزٍ؛ يَسهلُ حملها باليد, ويُمارسُ تشميسَ المُعتم, واستبطان الغائر.

  فهذه الأمكنة الروحيّة والمثيولوجيّة تتسعُ للإنسان الكونيّ, وأزمنته التاريخيّة التي ترقى هي الآخرى بالعمل الفنيّ إلى المستوى العالميّ, فمثلاً (الكون والمدافن والمعابد) لا تنحصر بزمن معيّن ولا بإنسان محدّد. كما أن هذه الأماكن حاضنة الديانات الثلاث : (موسى, بيت لحم, القدس, الكنائس, المساجد ...), ممّا يؤكّد أن الشحات يغرف أمكنته من الكون الإنسانيّ, ويعبر من العام إلى الخاص, ومن الخاص إلى العام. وجليّ أن أمكنة الشحات تستحضر الصّراعات المذهبيّة والقوميّة والأمميّة, الفارِطة والمعاصرة: (غابات كسرى, بيوت الرّدة, قم الفارسيّة), ولا يفوتنا أن الكاتب يتحسس الأزمات المعاصرة الكبرى, كالصراع العربيّ الإسرائيليّ, والإرهاب المحليّ والعالميّ. (الهيكل, القدس, مسجد الروضة...), وبهذه الأمكنة يتوجّع ويشجب مرة, يستنكر يصرخ ينبّه, وكأنما القصة الشاعرة على يد الشحات تغرّد داخل السِّرب الإنسانيّ العام, والمحلي, تشدو بمصاعبه ومتاعبه, آماله وآلامه.

  ومن كمال التذكير, فإن أمكنة الشحات في الحقل الروحي والمثيولوجي حافلة بالإشارات التاريخية الضّاربة بالقدم :( أطلس موسى, طور سنين, القدس, الرِّدة...), ولو تحرَّشنا بأحد الأمكنة لتهاطلت علينا أزمنته وأحداثه, وما يعصف به من مواجد ومشاعر, فمثلاً : (بيت لحم : ستأخذنا إلى مهد المسيح وتباشيره التي ملأت الزمان والمكان, ستأخذنا إلى نكبة فلسطين وانتهاك الحقوق, واغتصاب الأرض, وشعوبها), أو (طور سنين : ستجرّنا إلى هجرة اليهود, ودعوة موسى كليم الله, وسطوة الفراعنة...) أو (مقبرة : تجرّنا إلى الجنائز وحرقة الوداع, والحزن والمصير ...), ليس هذا وحسب, بل أن أمكنته يتوالد منها أمكنة أخرى؛ ليتعاظم بنيان القصة الشاعرة على رقعتها الصغيرة (فالهيكل يُفضي إلى القدس, والقدس تُفضي إلى فلسطين, وإلى مكة والمدينة, بوصفها ثالث الحرمين. بيت العزاء يُفضي إلى الحي والحي يُفضي إلى أطرافه. طور سنين يُفضي إلى سينا, سينا تُفضي إلى مصر. المُتوضأ يُفضي إلى المسجد, المسجد يُفضي إلى القِبلة وهكذا...).

  ولنتبصّر حقل الأمكنة العامة الشموليّة التي يشترك بها مختلف أنواع البشر, فمنها ما تأسْطر ودالت عليه الأحداث والأحاديث, ومنها ما تخزّن بالذاكرة الجمعيّة والمحليّة, ومنها ما تعاقب عليه الماضي والحاضر, حتى غدت رمزاً قليلاً يقول الكثير والغزير. وفي كل الأحوال فإن الشحات ضخّ بها هواجسه السياسيّة والوطنيّة والإنسانية, يُنطقها إن سكنت. وللكاتب مهارة لافتة بالاستنطاق, شاهِدُنا : (فانشقّت مجرات وأرصدة ببنك المشتري ), إذ استخدم سحر الازدواج الدلالي في بنك المشتري؛ بوجهيه؛ المشتري الكوكب, والمشتري المُبتاع. ومن وسائله التشكيليّة للمكان : ( دقت محطّات الأنوثة في السياسة), إذ نسب المحطات لغير ما تستخدم له, فهي محطات أنوثة لا محطّات الانتظار, وهذا ديدن الشحات يلتقط المتَداوَل ويحوّله إلى لغة فنيّة خاصة به, أو يسترفدها من شتّى الحقول؛ من الخطاب الإعلامي : (الإذاعة, الإنترنت, الشاشة...), أو من المشهد السياسي : (البلاد, الشرق الأوسط, الغرب, مجلس الأمن ...) , أو من الواقع الثقافي: (انترنت,  مدرسة, منابر, قاعات...), أو من الواقع الاقتصادي: (بنك, مصنع ...), أو من المشتركات الجغرافية العالميّة: (الأرض, الاطلنطي, البحر, البلاد, الثريا, الشرق الأوسط, الشطآن, الميادين ...), وبذلك يكون الشحات قد أثرى القصة الشاعرة بأمكنة عامة لا يجهلها أحد, في سبيله لإكساب القصة الشاعرة خصائص إسفنجيّة قادرة على امتصاص الماضي والمعاصر, لتكون الأداة الفنيّة المطيعة؛ تفكيرًا وتعبيرًا وكشفًا.

  وإذا ما تصفحنا حقل الأمكنه الوطنيّة والسياسيّة, فإن هذا الحقل ينطق على نحوٍ وضّاح  بدلالاته من دون لَبْس, ونلاحظ أن الشحات قد توسّع به, لا بل انخرط به إلى حدٍّ يصحّ لنا أن نَسِمَ قصته الشاعرة بالسياسيّة والوطنيّة, من دون أن تُغفل الجانب الإنساني العام, وأنّها أي القصة الشاعرة من ألصق الأجناس الأدبية بالهموم الوطنيّة, وما يحيطها من حَراك سياسي, ولكن بخصيصتها التّشفيريّة والإيمائيّة.

  ويشكّل المكان في هذا الحقل مفهوماً وطنيّاً بامتياز, وبكل أشكاله, وبما يثيره من ملامح الهويّة القوميّة العابرة للانغلاق والانطواء, كاللغة والتاريخ والدين والحضارة. ويسوقها الشاعر على عدّة جهات؛ على جهة التّغنّي تارة : (أفدنة, تلال, تضاريس, الدلتا, روابي, السدّ, سينا, المنصورة, الوادي), وعلى جهة العواصف السياسيّة والكارثيّة : (بغداد, البصرة, تيران, جنوب اليتم, حلب, الخط الفاصل, السلك الشائك, سينا, صبرا, مسجد الروضة, المنطقة الخضراء, وطن العقارب), وعلى جهة رنينها التاريخي والمعاصر: (الاطلنطي, بغداد, بيت لحم, طور سنين, القدس, المغرب العربي).

  ويمتد الفضاء المكاني عند الشاعر إلى الأمكنة ذات الرنين السياسي العالمي:(الأطلنطي, البيت الأبيض, الشرق الأوسط, الغرب, مجلس الأمن). وكما تضمّن معجمه الأمكنة الصديقة فقد لاحت به الأمكنة المُعادية أيضا والبغيضة : (البيت الأبيض, سجن, السلك الشائك, مصيدة, وطن العقارب). واستكمالاً لصورة الأمكنة الوطنية والسياسية في قصة الشحات الشاعرة نلاحظ أن صنوفها تعددت, كالمكان المائي : (الاطلنطي, بحر مويس, الدلتا, سدّ, الفرات, الوادي), وكالمكان المعمور: (البصرة, بغداد, حلب, المنصورة ...). كما يُحصحصُ بمعجمه بين الحين والآخر أماكن حدوديّة نشتمّ منها التّجزئة والفصل لما يتوجّب وحدتُه : ( جدران, حائط, الخط الفاصل, السلك الشائك).

  وأتابع قراءتي المكانيّة, وفي حقل الأمكنة السيميائيّة, وهو توجّه توسّعي لدى الشاعر الشحات في حقل الأمكنة, وفيه أرى أنه ينصاع للتخيّل ويتغوّص في التشكيل اللغوي, ويبتكر العلاقات الأخّاذة بين العلامة الّلغويّة ومدلولاتها الجديدة, ليشحن المكان بالطاقات التأويليّة الهائلة, وبذلك يكتسب المكان على يده معنى جديداً ذا لجاجةٍ إيحائيّة.

  وتراه يزجّ المكان في سياقٍ انزياحيّ, أو قل يُضيف للمكان محمولاً آخر, أو اِضافة أُخرى؛ بُغية تأهيله فنياً وإبداعياً, ثم يوظّفه لاختراق الواقع الراكد, بنكهةٍ إيقاعيّة سرديّة عَبر فاتن الصور الأدبية التي تستعصف القارئ.

  ولنمعن النظر في السياق التالي: " كانت الأحداث في عين احتباس المطر الزاحف نحو الكمر الساقط من بطن الثُريا " , (العين, الكمر, البطن), هذه الألفاظ لا تشي بأحياز مكانيّة حين تكون خارج النص الآنف, بيدَ أنها أُشربت المكانيّة في داخل النصّ الانزياحي, فلانحباس المطر عين أصابها الجفاف كما نفهم, تستوطنها مخلوقات من الأحداث,  بائسة, وشيئاً فشيئاً ينهمر المطر سراباً, من مكان اصطنعه الشاعر في جوف الثّريا, وهو البطن, ثم يزحف المطر الخُلاّبيّ صوب أرضٍ ظمأى, وهي الخصر موطن (الكمر). وبقراءة استبطانية للصورة؛ نكتشف أن أمكنته ظوامئٌ  تستمطرُ ظمأً. هكذا ينثملُ القارئ بفضاءات الشحات الساحرة, إذ يغدو الإيهام والتعتيم على يده كارتعاشة المصابيح.

  وللتعرّف على دهاء الشحات, نسوق مثالاً آخر من معجم المكان السيميائيّ: "زرعت أوردتها في قلب شريان ..." . هنا تبدو الأوردة غراساً يافعة, يستحضر لها الكاتب أرضاً أخرى, مأهولة بمياه من دم, وخصيبة بنبضها وحُبّها, وهي (قلب شريان). ومرة أخرى يصرفنا الشاعر إلى أرض حمراء وغرس أحمر, كأنما يستنبت الدم في الدم.

  ونتابع أبكار الشحات المكانيّة: "يُعاد اللاجئون إلى الغيوم المستديرة" لا يطيعنا هذا النص المشفّر أو قل المفخخ إلا عَبر التكبير المِجهريّ, كيف؟ لا يخفى أن الشحات غارق حتى النّخاع بأزمات أُمته ولا سيما المهجّرين قسراً الذين من حقهم العودة إلى مسقط الرأس, لكن القوى الغاشمة لا تتناول هذه القضية على وجه الإنصاف, بل تتداولها مضغاً وحواراً وتسويفاً ومماطلة على منصات الدسائس وطاولاته المستديرة. فالغيوم عند الشحات موطن الرجاء للمشردين, لكنه يُفرغها من معناها الغيميّ, حين يصفها بالمستديرة, فيلحقها بقاعات التآمر العالمي.

  في حقل المكان الطباعيّ, عرضنا ثلاثة أحياز سطريّة, واشتمل كل حيّز قصة شاعرة واحدة؛ الأولى لم تتجاوز السطر, والثانية والثالثة جاءتا ببضعة أسطر وحسب. قد لا يأبه القارئ بهذه الرقعة السطريّة الشحيحة لكنه حين يتفحّصها ينذهل من قدرة هذا الجنس الأدبي على الاستبطان والإحاطة للمكونات الشعريّة والسّرديّة التي اختزنتها القصة الشاعرة؛ في تزاوجٍ مُبتكر بين القصّ والإيقاع؛ عبر تقنيات فنيّة انعكست في سمين أوابدها الروحيّة والمثيولوجيّة, ونزْعها التشكيلي وعلاماتها وإشاراتها؛ التي استحضرت الغائب, واستجلت الخفيّ, واستدعت المفقود, واستقدحت المُعتم, واستفزت الراكد. هذه التقنيات نهضت بها لتكون ذات رسالة كبيرة في سطورها القليلة.

  صحيح هي رقعة صغيرة, بَيد أنها اشتملت الأمكنة والأزمنة والمعاني وما وراء المعاني, واشتملت الثقافة والدين والسياسة, بما يشبه النافذة الصغيرة التي تطل على المساحات الشاسعة.

  وأخال أن القصة الشاعرة على يد الشحات تموْضعت بحجمها الضئيل وحملها الثقيل, خلافاً للأجناس الأدبية الأخرى, وهذه الأخيرة أي الأجناس الأدبية بثّت رسالتها الوطنيّة والسياسيّة والثقافيّة والإنسانيّة على وجه التوسّع, عَبْر الإدانة المباشرة, وعويل التشكّي ورجم العيوب, والرثاء والهجاء وما شابه, بما يعادل لعن الظلمة, أو باجترار الوسائل الأدبيّة والثقافيّة الموروثة المكرورة؛ كوسيلة لمواجهة الأزمات الجارية والمحيطة, والتي تتكاثر يوماً بعد يوم, وأما القصة الشاعرة لدى الشحات فهي رقصة الضوء الخلّابة, يؤديها هذا المشعل الصغير (القصة الشاعرة)؛ لينتهكَ هذا الليل الدامس ... وهكذا يتغازر الطحين بلا جعجعة.

تعليقات